فاللباس على سبيل المثال تبدأ خطوات اختياره بكل تفاصيله الدقيقة - النوع، اللون، نوع التطريز وشكله، ألوان الخيوط - انطلاقا من الذوق الخاص، ومن ثم يظهر للصورة العامة كلوحة فنية قد تكون مثيرة للجدل في البداية، ثم تقبل واقعا يفرض نفسه على الجميع، في كثير من الأحيان.
ومسألة هل يتماشى مع الذوق العام، أو يتصادم معه؟ هذا تقييم شخصي بحت قد لا تجتمع عليه كل الآراء؛ وذلك بسبب بسيط، وهو أن الذوق العام هو محصلة أو نتيجة لما تؤول إليه اختيارات الفرد وسلوكياتهم اليومية.
وما ينطبق على اللباس ينطق على أشياء كثيرة هي محل تداول بين أبناء المجتمع الواحد في لحظة زمنية معينه؛ لأن الزمن هو الآخر كفيل بتغيير الكثير من القناعات، سواء على مستوى الفرد، أو على مستوى المجموع.
يحدث ذلك انعكاسا لتراكم التجربة عند كلا الطرفين؛ فالمسألة هي الأخرى لا تأتي من وحي الصدفة بقدر ما تكون محصلة تجارب يعيشها الإنسان، ويستخلص منها ما يراه لاستمرار حياته، وحيويتها، ودينامكيتها، وتناسقها مع كل ما يدور حولها من تطور ونماء، وتبدل وتغير.
ولذلك عندما يكون هناك خروج فاضح - في القول في اللباس، في الهيئات، في الممارسات - لما اعتاد عليه الناس في بيئة جغرافية معينة، يكون لذلك في المقابل،
ردات فعل قوية وشجب، واستنكار، وما يعرف اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي الـ «ترند» يحدث ذلك؛ لأن الناس لا يزالون يرون في بقاء القيم تحصينا مهما من الضياع، وهذه وجهة نظر كبار السن غالبا؛ لأن المحافظة على الهويات هي السبيل لتميز المجتمعات وتفردها عن غيرها، وذلك انعكاسا أيضا لتجارب الحياة التي توثق في كل عصر أن تماهي الشعوب واندماجها الذي يفقدها خصوصيتها هو الذي يفقدها هوياتها،
وبالتالي لم تعد كما كانت عليه، وإن شكلت في عصر ما، ملمحا اجتماعيا بالغ الأهمية، وفي الوقت ذاته يدفع الذوق الخاص الأفراد على مضي قدما مهما كانت المصدات قوية للمحافظة على الذوق العام،
ولهم في ذلك مبرراتهم المقبولة أيضا، فالفرد لا يولد نسخة عمن سبقه، هي إشكالية اجتماعية، وليست موضوعية؛ لأن الوعي بأهمية المحافظة على القيم أمر لا جدال حوله، فالتماهي يفقد الأفراد خصوصيتهم الاجتماعية.
والابتعاد عن الابتذال والسوقية، فـ«السوقية لا تليق بالعقلاء» كما جاء في الأثر، والذوق العام هو جزء لا يتجزأ من هذا السمت الذي يتعارف أبناء المجتمع الواحد على محدداته، وهي محددات، في الغالب، معنوية يدركها أبناء المجتمع كمفهوم،
وليس باعتباره مادة متداولة، وهي تعد من التركيبة البنوية لأبناء المجتمع الواحد، والدليل على ذلك، أن الذوق العام في مجتمع ما، غيره في مجتمع آخر، والذوق العام في مجتمع المدينة، غيره في مجتمع القرية، ولأن اليوم تداخلت القرى مع المدن،
وتضخمت الأحياء السكنية، فإن المفاهيم تقاربت هي الأخرى، وبالتالي فالذوق العام كسب رهانات البقاء أكثر، ولكن هذا لا يعني -إطلاقا- أن الأذواق الخاصة قد تفقد حضورها في التأثير على مجريات الحياة اليومية، وأنساقها المختلفة، فالمشاحنة بين الطرفين قائمة، وإن تحكمها النسبية وتؤثر على انتشارها، فالأمر سيراوح نفسه في هذه النزاع الخفي بين الطرفين.