قبل نحو ثلاثين عاما، نما في رأسه فكر ظل يتأرجح طيلة سنوات طويلة بين أماكن العمل التي تنقل إليها، كان يتحدث للغير بأعلى صوته بأن الشهادات العلمية، والخبرات العملية، والدورات التخصصية سيكون لها شأن عظيم يوما ما، وبأن قيمتها لن تتراجع مطلقا في تحديد المستقبل، وفي ظل وجودها يستطيع الإنسان أن يكون أصلح الوجوه في تولي قيادة دفة العمل في مؤسسته دون منازع.


لكن هذه النظرة التي ترسخت طويلا في عقله لم تكن إلا سوى "حلم" سرعان ما تبخر وانتهى بمجرد أن اكتشف حقيقة أخرى غير التي كان يعتنق تفاصيلها!.


فالواقع لم يكن ضمن توقعاته القديمة، كل ما حلم به أصبح جزءا من ذاكرة قديمة، فشهاداته التي اعتز بها طويلا، لم يعد مصيرها إلا مثل أوراق الشجر التي يجمعها عمال النظافة كل صباح لتلقى في سلال القمامة وتنقل إلى أماكن التخلص منها.


أحسّ بالانكسار النفسي فهو الذي قد أمضى سنوات طويلة من السعي لتكوين هذه القيمة العلمية والعملية، وبات يحلم في تحقيق نجاح جديد قبل أن يغادر ردهات عمله.


كان يعتقد في قرارة نفسه بأن كل هذه السنين والخبرة العملية والتعليمية ستكون سندا له في المنافسة والدخول في معترك المسؤولية التي كانت ينظر إليها بأنها "تكليف أكثر من كونها تشريفًا".


تقدم للمنصب الوظيفي كغيره من الموظفين الآخرين، وقبل يوم من المقابلات الشخصية أكد له بعض من زملاءه بأنه الشخص الأجدر والأنسب في الحصول على هذه المكانة الوظيفة بسبب قدرته على العطاء وإمكانياته، وبقربه وتفاعله اليومي في المجال الوظيفي، وذكر له البعض بأن تاريخه المهني يشفع له في عملية الاختيار، وبأن الدورات العملية والتخصصية التي خاضها على مدى سنوات طويلة سيكون لها قيمة واعتبار من لجنة المقابلات.


في ذاته الشخصية، أكد على ما قاله زملاؤه عن استحقاقه للمنصب الوظيفي الشاغر، فالمنافسون له ليس لديهم سجل أو خبرة في العمل وأغلبهم حديثي الولادة في العمل، ولذلك سيكون الأمر محسوما إذا ما طبق في عملية الاختيار الشفافية والاستحقاق والكفاءة المهنية.


جمع كل أوراقه وشهاداته في ملف كامل، ثم ألحقها بعمل خطة عمل للمجال الذي يعمل فيه أوجز فيها نقاط الضعف والقوة التي سيعمل على إحداث نوع من التغير في حال أسندت المهمة إليه، كان واثقا من نفسه ومن قدراته، غير مدرك بأن ليس كل البشر يعتنقون النزاهة أو الحيادية في قراراتهم، وربما هذه النقطة هي "القشة التي قصمت ظهر البعير".
رغم وجوده الطويل بين قائمة الموظفين، لم يكن يعي بعض الحقائق المخفية ومنها بأن بعض "المصائر" لا يكتبها الجالسون أمامه في منضدة المقابلات، بل يكون الاختيار أحيانا من أشخاص آخرين في الخارج القاعة!.


لذلك، كان المشهد ضبابيا في المقابلة، لم يكن هناك عمق في طرح الأسئلة لكنه لم يكذب حدسه أن الأمور ستكون على ما يرام، بينما كان الأمر محسوما قبل دخوله في هذا الحوار الذي امتد لساعة كاملة!.


أما بقية المنافسين فلم يكن أمام اللجنة سوى دقائق معدودة وانتهى كل شيء معهم، وبعد أيام اكتشف بأن ثمة "مسرحية هزلية" كتبت بشكل مشوه، كان حاضرا على كل فصولها بدون أن يعلم الحقيقة، كل أوراقه واقتراحاته وآماله وطموحاته ألقيت في الهواء بعد خروجهم من القاعة، أما الواقع فإنهم لم يكونوا إلا دمى يحركها شخص من الخارج ويأمرها بما يريد!.


انفض الأمر وانتهى كل شيء، وسلبت الحقوق من كان لهم الحق، كل ذلك لأنه لم تكن الشخص الذي يراد له أن يبقى، الآن فقط عليه أن يحاول قدر المستطاع إقناع نفسه بأن "الشهادات والخبرات الطويلة " ليس لها أهمية أو قيمة، طالما الأمر يتعلق بأمور شخصية وليست مهنية!.


قد يكون هذا الموقف "مخالفا" لما يحصل في كثير من الأماكن التي تزن الخبرات وتقدرها، لكن ما حدث عند هذا الشخص، من الناحية القانونية كل الإجراءات صحيحة "إعلان ومقابلة واختيار"، حتى وإن تم الاتفاق على أن شخصًا آخر أقل منه خبرة ودراية في العمل تم محاباته واختياره كان محسوما منذ البداية.


هذه الحادثة مضى عليها زمن طويل، والأشخاص الذين اشتركوا على حد قوله "في الجريمة" وكانوا سببا في إحداث هزة نفسية وأذى لديه قد تفرقوا، وبعضهم سقط من قائمة الأحياء وقد يلاحقه إثم ما صنع " وكما يقال:"البِرُّ لا يَبلى، والذَّنبُ لا يُنسى، والدَّيَّانُ لا يموتُ، فكن كما شئتَ كما تدينُ تُدانُ"، لكن هذه الحادثة المؤلمة -بحسب ما قال - لا تزال عالقة في ذاكرته، بعض بقايا الشعور بالألم النفسي لا يزال يراوح مكانه رغم السنين الطويلة.