من بين التَّرِكَات التي خلَّفتها عقودٌ من حروب الشرق الأوسط شبكةٌ من أنابيب النفط التي تسعى لتحويل نفط المنطقة إلى موانئ أكثر أمانا. ففي عام 1968 وبعدما أغلقت حرب الأيام الستة قناة السويس خططت مصر ودول الخليج لبناء خط أنابيب بطول 320 كيلومتر يربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، لكن لم يبدأ العمل في إنشاء الخط (خط سوميد) إلا في عام 1974 بعد المقاطعة النفطية التي أعقبت حرب رمضان.
وفي 1977 وهو العام الذي بدأ فيه تشغيل الخط أعلنت شركة النفط الأمريكية العملاقة (موبيل) عن خطط لبناء خط أنابيب (لصالح بترومين) بطول 1200 كيلومتر عبر السعودية من حقل الغوار الضخم بالقرب من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وهو خط شرق- غرب. سرَّع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في السنة السابقة لذلك بناء هذا الخط والذي اكتمل في عام 1981.
اليوم مع إغلاق مضيق هرمز أصبحت مختلف أنابيب النفط التي تعبر المنطقة بالغة الأهمية؛ ففي يوم 4 أغسطس ذكرت شركة أرامكو السعودية أن «البنية التحتية الاستراتيجية» بما في ذلك خط الأنابيب شرق- غرب خففت أثر الضربة التي نجمت عن حرب إيران. فقد ارتفعت الأرباح التشغيلية للشركة في الربع الثاني من العام بنسبة 29% على أساس سنوي؛ إذ لم يقتصر ارتفاع أسعار النفط على التعويض عن انخفاض صادراتها بل تعدَّى ذلك.
الآن تتطلَّع بلدان المنطقة لإنشاء المزيد من خطوط الأنابيب؛ فالإمارات تسعى إلى إضافة خط آخر يمر بجانب خط حبشان- الفجيرة ويضاعف طاقة ضخه. وفي الشهر الماضي أعلنت كل من العراق وقطر عن خطط لتعزيز قدرات خط أنابيب يمتد من العراق إلى سوريا. وتدرس شركة شيفرون الأمريكية إنشاء سلسلة من خطوط الأنابيب من العراق إلى سوريا وتركيا. كما تستكشف أرامكو السعودية أيضا استثمارات في هذا المجال.
كل هذا يضيف إلى الازدهار الحالي لخطوط الأنابيب حول العالم. فحسب شركة الأبحاث «جلوبال انيرجي مونيتور» هنالك حوالي 12300 كيلومتر من خطوط أنابيب النفط قيد الإنشاء في الوقت الحاضر مع خطوط أخرى مقترحة بطول 20300 كيلومتر. ويمثل ذلك توسعا كبيرا لشبكة خطوط الأنابيب العالمية والتي تمتد في أرجاء العالم بطول 350 ألف كيلومتر.
الهدف من بعض خطوط الأنابيب هذه تحسين أمن إمدادات الطاقة بالالتفاف حول نقاط الاختناق، وبعضها الآخر ضروري للاستفادة من مصادر إمداد جديدة أو مطوّرَة. في الأرجنتين حيث يرتفع الإنتاج بشدة يجرى الآن إنشاء خط أنابيب بطول 440 كيلومترا لربط حقول «فاكا مويرتا» إلى الغرب من المحيط الأطلسي. وفي شرق إفريقيا سينقل خط أنابيب قيد التطوير بطول 1440 كيلومتر النفط من أوغندا إلى ساحل تنزانيا بغرض التصدير.
ستكون التكلفة الإجمالية لهذه المشاريع كبيرة، ومما يعين على ذلك أن الشهية المتزايدة للاستثمار في أصول البنية التحتية تتيح مصدرا جاهزا لرأس المال.
بناء خطوط الأنابيب ليس لأصحاب النفس القصير؛ فالمشروع كثيرا ما يتعرض إلى التأخير بسبب الإجراءات البيروقراطية والتقلب الجيوسياسي. مع ذلك عززت حرب إيران الحاجة لمثل هذه الاستثمارات.
يكلف تشييد خط الأنابيب «كبير القُطْر» والذي يمكن أن ينقل مليون برميل من النفط في اليوم حوالي 5 ملايين دولار لكل كيلومتر في المتوسط أو حوالي 5 بليون دولار لخط الأنابيب الذي يبلغ طوله ألف كيلومتر. لكن إذا كان يعبر جبالا ومناطق وعِرة أخرى يمكن أن ترتفع تكلفة المشروع إلى أضعاف ذلك الرقم.
لكن نادرا ما تكون هنالك بدائل جيدة. فنقل النفط على مسافة ألف كيلومتر برَّا بواسطة الشاحنات أو خطوط السكة الحديد (إذا كان ذلك هو الخيار المتاح) عادة ما تكون تكلفته أكثر بحوالي خمسة أضعاف. (ازدهر نقل النفط بالشاحنات في سوريا فقط بسبب خراب شبكة أنابيب نفطها).
النقل البحري أرخص بكثير، لكنه ليس متاحا أو آمنا دائما. ويمكن أن يكون انقطاع إمداداته باهظ التكلفة. فالنفط العالِق «لا قيمة له»، كما يقول روب ويست الرئيس التنفيذي لشركة الأبحاث «ثاندر سيد أنيرجي». ويمكن أن يكلف انقطاع مليون برميل في اليوم لمدة سنة 30 بليون دولار.
تشييد خط أنابيب عريض غالبا ما يكون مجزيا، لكنه يوقِع من يموِّلونه في ورطة إذا قلّ النفط الذي ينقله. يعني ذلك أن من الضروري لخطوط الأنابيب نقل كمية النفط التي صممت من أجلها بانتظام.
وهكذا ينحو تشغيل خطوط الأنابيب في الغالب إلى أن يكون على أساس اتفاقيات «خذ أو ادفع». وفقا لهذه العقود يحجز الزبون حدا أدنى من سعة نقل النفط عبر خط الأنابيب. ويدفع مقابل ذلك رسما معينا سواء استغلها أم لم يستغلها. وغالبا ما يكون الرسم مربوطا بسعر النفط لفترة عقد أو نحو ذلك. يضمن هذا الترتيب تدفقا نقديا منتظما، مثله مثل السند.
جعل ذلك أنابيب النفط أصلا ماليا أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب الذين عقدت معهم شركات النفط في الخليج عددا من اتفاقيات «البيع وإعادة الاستئجار» في السنوات الأخيرة. فالشركات تتخلى عن حصة من خط الأنابيب مقابل عائد لما دفعه المستثمر ودون أن تتخلى عن تشغيله. تقلل هذه الاتفاقيات الضغط على الميزانيات العمومية للشركات وتحرر رأسمالا لاستخدامه في استثمارات أخرى. وتتطلع أرامكو السعودية إلى عقد المزيد منها بعدما حررت ما يقارب 40 بليون دولار خلال السنوات الخمس الماضية.
يحصل المستثمرون الأجانب على عائد سنوي موثوق يتراوح بين 6% و8%. نتيجة لذلك، خطوط الأنابيب مطلوبة بشدة وسط أعداد متزايدة من «صناديق البنية التحتية الخاصة» والتي زادت قيمة مجموع أصولها المُدارة إلى أربعة أضعافها لتبلغ 1.6 تريليون دولار في العقد المنتهي في عام 2025، حسب شركة ماكينزي الاستشارية.
في يوم 3 أغسطس أنهت شركة الأصول الأمريكية الخاصة العملاقة «كيه كيه آر» جمع أكبر تمويل للبنية التحتية على الإطلاق بقيمة إجمالية بلغت 19 بليون دولار. وفي الشهر الماضي وقّعت إلى جانب اثنتين من نظيراتها هما بلاكستون وبروكفيلد اتفاقية بمبلغ 16 بليون دولار مع شركة نفط الكويت مقابل حصة في شبكة خطوط أنابيب الكويت.
يقول رئيس أحد صناديق البنية التحتية إن المخاطر «حميدة» بقدر أكبر مقارنة بالاستثمار في الأصول الأخرى. وهو يقارن الضربة التي تصيب خط أنابيب من الممكن إصلاحه بسرعة بتلك التي تتعرض لها منشأة تخزين أو منصة شحن تحتاج إلى وقت أطول لإصلاحها. ويتيح التأمين وسيلة للحماية من الحروب ومصادر التعطيل الأخرى. كما تكون الحكومات التي تتطلع إلى اجتذاب الاستثمار على استعداد أحيانا لتغطية المخاطر، حسب هذا المستثمر.
مع ذلك يظل بناء خطوط أنابيب جديدة مسعى معقَّدا. يشير بنك الاستثمار «جولدمان ساكس» إلى أن متوسط المدة التي استغرقها إنشاء الخط في عيِّنة من تسعة خطوط أنابيب كان حوالي 2.5 عام. لكن تلك التي يلزم تمديدها لمسافة أطول تحتاج إلى تراخيص إضافية عديدة وهو ما يمكن أن يعطل إنشاءها. أما تلك التي تعبر الحدود فتشكل تحديا أكبر. ففي الأعوام السبعة الماضية تم تأجيل إنشاء خطوط أنابيب بطول 35 ألف كيلومتر تقريبا، وفقا لمنصة «جلوبال أنيرجي مونيتور».
يشمل ذلك مشروع خط أنابيب «كيستون إكس إل» العملاق الرابط بين كندا وأمريكا والذي أُلغِي بواسطة إدارة بايدن بسبب مخاوف مناخية.
وفي تسعينيات القرن الماضي وافقت إيران وباكستان والهند على إنشاء خط أنابيب غاز يمتد عبر البلدان الثلاثة. انسحبت الهند من المشروع في عام 2009. وعلى الرغم من الشروع في إنشائه في الجزء الرابط بين إيران وباكستان في عام 2013 إلا أنه لم يكتمل حتى الآن.
حتى عندما يتم إنشاء خطوط الأنابيب العابرة للحدود تنشأ ظروف تؤدي إلى إغلاقها كما حدث عام 1990 في حرب الخليج الأولى وأيضا في عام 1982 أثناء الحرب الإيرانية العراقية. مع ذلك من المرجَّح أن تلعب خطوط الأنابيب دورا حيويا ومتعاظما في نقل المواد الهيدروكربونية للعالم. ومن المستبعد أن يقلّ الطلب على إنشاء المزيد منها.