كنت في أحد المراكز الصحية أنتظر دوري لأدخل ولدي إلى الطبيب، وفي صالة انتظار الرجال لفتت انتباهي عبارة مكتوبة على اللوحة التي يعلق فيها بعض المنشورات الطبية: "املأ وقت الانتظار بالاستغفار"، أعجبتني العبارة وظلت عالقة في ذهني، لأن فيها لفتة إلى أوقات نعيشها كثيراً ولا نلتفت إلى قيمتها، ويسميها البعض "الأوقات الميتة" وتسمع في أوساط الشباب عبارة "قتل الوقت".
وهذه التسمية في حد ذاتها تستحق التأمل، لأن الإنسان حين يقول "قتلت الوقت" فإنه يتعامل مع الزمن وكأنه شيء زائد عن حاجته، يريد أن يتخلص منه حتى يصل إلى ما يريد، وقد أصبح هذا الشعور أكثر حضوراً في حياتنا مع كثرة وسائل الإشغال، فمجرد أن يجلس الإنسان في مكان ينتظر فيه، حتى يخرج هاتفه، ويتنقل بين الأخبار والرسائل والمقاطع، وكأنه لا يريد أن يترك دقيقة واحدة تمر دون أن يضع فيها شيئاً.
وعندما نظرت إلى من حولي في صالة الانتظار وجدتهم جميعهم يمسكون بهواتفهم، إلا رجلاً كبيراً في السن، فانقدح في ذهني تساؤل يتمثل فيما كان الناس يقضون أوقاتهم في صالات الانتظار في بداية الألفية قبل وجود الهاتف الذكي، وبرامج التواصل، ربما كانوا يمارسون تواصلهم الاجتماعي الواقعي مع بعضهم البعض، ويتداولون الأخبار المشتركة التي تهم شريحة واسعة منهم من أخبار الطقس والأمطار ومنسوب الأفلاج وثمار النخيل، وغيرها من المواضيع الاجتماعية، بالإضافة إلى أن بعضهم يكتفي بالصمت والاستماع، والبعض الآخر يعتبره وقت راحة للعقل والقلب.
فالإنسان لا يستطيع أن يجعل كل حياته في عمل وانشغال، فهناك أوقات تفرض نفسها عليه، ولا يملك أن يختصرها أو يقدمها، والانتظار من أكثر هذه الأوقات حضوراً في حياة الناس، ولذلك فإن طريقة تعامل الناس معه تكشف شيئاً من نظرتهم إلى الوقت نفسه، والإسلام حين وجه الإنسان إلى المحافظة على عمره لم يجعل كل لحظة مرتبطة بالعمل المادي، وإنما فتح له أبواباً واسعة من العبادات التي يستطيع أن يؤديها في أحوال مختلفة، فالذكر والدعاء والاستغفار والصلاة والتفكر في خلق الله ومحاسبة النفس، كلها أعمال لا تنفصل عن حياة الإنسان اليومية، ولا تحتاج دائماً إلى أن يخصص لها وقت مستقل عن بقية أوقاته.
ومن هنا جاءت تلك العبارة التي رأيتها في المركز الصحي بمعنى عميق، فالإنسان الذي ينتظر دوره يستطيع أن يجعل من هذا الانتظار وقتاً للاستغفار، بدل أن يبقى مجرد دقائق تمر حتى ينادى على رقمه، وليس المقصود أن الانتظار في ذاته عبادة، وإنما أن المسلم يستطيع أن يحول بعض أوقاته التي لا يستطيع الانتفاع بها في أمور دنيوية إلى طاعة يتقرب بها إلى الله.
ولا ينبغي أن يتحول الحديث عن استثمار الوقت إلى هوس يجعل الإنسان يشعر بالذنب كلما جلس دون عمل، فالإنسان يحتاج إلى الراحة والسكون، ويحتاج أحياناً إلى أن يتوقف عن كل شيء، وأن يترك لعقله فرصة ليستعيد هدوءه، وليس كل وقت يجب أن يكون منتجاً بالمعنى الذي اعتدناه.
فالوقت الذي يقضيه الإنسان مع أسرته وهو يلاعب أطفاله أو يستمع إليهم، أو يستريح فيه بعد عناء، ليس وقتاً ميتاً لأنه لم ينتج مالاً أو إنجازاً، وقد يخرج من جلسة هادئة بفكرة أو قرار أو مراجعة لنفسه، مع أنه لم يفعل شيئاً يمكن أن يضعه في قائمة الأعمال المنجزة، وهنا تتغير المسألة من سؤال: "كيف أقتل وقت الانتظار؟" إلى سؤال آخر أكثر أهمية: "كيف أعيش هذا الوقت؟"
ولعل هذه النقلة هي التي تجعل الانتظار موضوعاً جديراً بالتأمل، لأن هناك انتظاراً ينتهي بمجرد أن يأتي الدور، وهناك انتظاراً لا نعرف متى ينتهي، وقد يكون هو الأصعب والأكثر تأثيراً في حياة الإنسان، إنه انتظار الفرج، وانتظار أن تتغير الظروف، وأن ينكشف الكرب ويأتي الرزق، وأن يستجاب الدعاء، وأن يفتح الله باباً ظل مغلقاً مدة طويلة، وهنا تبرز قيمة الصبر في حياة المؤمن، فهو الذي يعطيك قدرة على تحمل الزمن حتى ينتهي، والقرآن حين تحدث عن الصبر قرنه بالاستعانة بالله والثبات على الطريق، فقال تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ"، فالصبر عمل في القلب واستعانة ومقاومة للجزع الذي يدفع الإنسان إلى الاستسلام للضيق، فانتظار الفرج يجعل الإنسان يسعى ويبذل ما يستطيع ثم بعد ذلك لا يجعل النتيجة شرطاً لاستمرار علاقته بالله، فقد يتأخر الفرج، وقد جاء في الحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي"، والعجلة هنا تكشف شيئاً من طبيعة الإنسان، فهو يريد أن يرى أثر دعائه في الوقت الذي حدده هو، فإذا تأخر عنه ظن أن شيئاً لم يحدث.
وقد ربط القرآن الاستغفار بآثار واسعة في حياة الإنسان، يقول نوح عليه السلام لقومه: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا"، فالمغفرة هنا تأتي في سياقها الإيماني ويأتي معها ذكر ما يفتح الله به على عباده من النعم، ولذلك كان الاستغفار من الأعمال التي يمكن أن ترافق الإنسان في كل أحواله، فهو يستطيع أن يستغفر في تلك الدقائق التي لا يعرف ماذا يفعل بها، وقد تكون هذه من أجمل الطرق لإعادة النظر في مفهوم الوقت الضائع، أن يتحول ما لا نستطيع تغييره إلى فرصة نستطيع أن نغير بها شيئاً في أنفسنا.
والإنسان يحتاج في حياته إلى أوقات لا يكون فيها منشغلاً بتحقيق نتيجة فورية، يحتاج إلى أن يتوقف، وأن يراجع ما مضى، وأن يتأمل ما هو مقبل عليه، وأن يسأل نفسه عن أشياء ربما غطى عليها الانشغال.
وفي القرآن دعوة متكررة إلى النظر والتفكر والاعتبار، فالإنسان لا يطلب منه أن يمر على الحياة مروراً سريعاً، وإنما أن ينظر في آيات الله وفي نفسه وفي مصير الأشياء، وهذا يحتاج إلى قدر من السكون لا توفره حياة مزدحمة دائماً، وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل الإنسان المعاصر في حاجة إلى إعادة اكتشاف الانتظار، فالتقنية اختصرت كثيراً من الأوقات، لكنها في المقابل جعلت الإنسان أكثر استعجالاً، يريد المعلومة فوراً والنتيجة فوراً، وأصبح التأخر في بعض الأحيان يبدو له خللاً ينبغي إصلاحه، غير أن الحياة لا تسير كلها بهذه السرعة، هناك أشياء تحتاج إلى وقتها، وهذه الأوقات هي عمر الإنسان، وكل ثانية تمضي منه هي تنقص من عمره، فينبغي أن يتم صرفه بما يعود على الإنسان من نفع مادي أو روحي، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ
إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها
فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني