كان الأساتذة أيام الجامعة يتندرون بأن إخفاء هوية مؤلف الورقة العلمية عند تقديمها لـ «مراجعة الأقران» غير مجدٍ دائما، فالأسلوب فضّاح. فإن كنت متتبعا لما ينشره زملاؤك في حقلك فيمكنك بسهولة التعرف عليهم من خلال ما يكتبون وكيف يكتبونه.

شيء أتذكره عندما أكون أمام مهمة تحرير مقال وصلني أشك أنه مُولد بالذكاء الاصطناعي. كمحررين لا طريقة لدينا في التحقق ما إذا كان نص ما وُلّد آليا.

حتى أهم أدوات التحقق المطورة خصيصا لهذا الغرض تُسلم بأن الحسم مستحيل، لكن يسهل على من قضى حياته يقرأ ويكتب أن يكون تصورا بكيف تكتب أدوات الذكاء الاصطناعي: الأسلوب، درجة الثقة في الطرح، تراكيب الجمل، تماسك الأفكار، الافتقار للجوهر، الغموض، الهراء الفارغ الذي لا بد أن يظهر هنا وهناك.

وإن كنت قد قرأت لزميل مقالات سابقة فالتعرف على ما إذا كان أصبح يعتمد على الآلة لكتابة مقالاته يُصبح أسهل بعد. أحيانا يكون مفضوحا تماما من خلال التحسن لا التردي، كأن يتحسن الإملاء أو الترقيم. بالطبع يمكنك أن تطلب من أدوات الذكاء الاصطناعي أن تنسخ أسلوبك عبر رفع مجموعة من النصوص التي كُتبت دون الاعتماد عليه، لكن يبقى شيء ما في النص «معوجّ».

حتى مع غياب المرجع (أعني المعرفة المسبقة بأسلوب الكاتب) يبقى التعرف على تدخل الذكاء الاصطناعي ممكنا. أسهل ما يفضح هو التنسيق، أو الطريقة التي تُكتب بها العناوين الفرعية، اتساق الأفكار وانسيابيتها أو تكرار الأفكار نفسها بطرق مختلفة عبر المقال (مع أن هذا - والحق يُقال - قد يكون عيبا أصيلا في الكتاب، إلا أن للآلة طريقتها الخاصة في « التخبيص» التي تختلف تماما عن البشر).

ثمة بالطبع حدود مقبولة لاستخدام هذه الأدوات (لا يقبلها كثيرون، ولا أقبلها تماما لنفسي، ولكني أظن أنها منصفة في عالم اليوم الذي نضطر فيه للرضوخ أحيانا لأجل لقمة العيش).

فما البأس في استخدام الذكاء الاصطناعي في المراحل الأولية لإبداع نص ما، أي في البحث، العصف الذهني؛ أو المراحل النهائية، للمراجعة الإملائية مثلا؟ أشدد على أنه «لا بأس» بذلك مع قناعتي التامة بأن نصا مكتوبا دون أدنى استعانة بالذكاء الاصطناعي سيبدو مختلفا تماما.

ما لا أقبله - كمحررة - هو الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة أجزاء من المقال (أو كله طبعا)، أو هكذا كنت أقول.

لكني أريد اليوم أن أُسائل هذه الحدود. طيب، ماذا لو كان استخدام الذكاء الاصطناعي واضحا في بعض أجزاء المقال، إلا أنه بالعموم يُقدم مساهمة جيدة، متماسك في طرحه، ولا يشكو من عيوب في اللغة والمنطق؟

ثمة عامل نفسي لا يجب إهماله في هذه اللعبة. كمحرر لا تريد بالطبع أن تُقدم للقارئ محتوى رديئا. مع هذا فثمة شيء غير الجودة يُحركك، شيء يُشبه تجنب الوقوع ضحية خديعة إذا ما مرر المحرر مقالا أنتجته الآلة في خمس دقائق وألصق كاتب اسمه عليه.

شيء يشبه الخوف من الاستغفال. لهذا قد يتساهل المحررون مع المحتوى الذي يلمسون فيه اجتهاد الكاتب، وإن لمسوا في الوقت نفسه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إنتاجه.

ثمة شيء نخسره بالاعتماد على الآلة، وإن استخدمناها بالحد الأدنى. نخسر التجربة الذاتية، نخسر التعبير الأصيل، وحتى معرفيا نخسر فرصة تقديم أفكار حرة من تأثير وإيحاء الآلة من خلال النص التلقائي المنتج مهما شُغل الكاتب بتعديله وتحريره. مع هذا لا بد من وضع الأمور في سياقها المادي.

يعلم أي كاتب مقدار الجهد الذي يتطلبه إنتاج مقال ما. نادرا ما يكون الأجر الذي تعرضه الصحف والمجلات معادلا منصفا لذلك الجهد. تشديد معايير الجودة والتساهل في رفض المساهمات فيه شيء من الظلم للكتاب.

يسهل رفض مقال رديء أيا كان الشيء الاصطناعي أو الطبيعي الذي أنتجه. أما عن المقالات الجيدة بما يكفي (اسمحولي، جيد بما يكفي هو أفضل ما يمكن أن تنتجه الآلة) فربما يضطر المحرر لتمريرها أحيانا، خصوصا وسط شح الموارد.

والآن وقد تعاطفنا قليلا مع من يُساهمون في إنتاج المحتوى الرديء عبر اعتمادهم على الآلة، يبقى أنهم - كمثقفين وكُتّاب - أمام مسؤولية أخلاقية يخونونها عبر هذه الممارسة غير المسؤولة في الإبداع، كما يخونون الوعد الضمني لجمهور القراء بالتزام النزاهة.

تُشير الإحصائيات إلى أننا وصلنا إلى نقطة يتجاوز فيها محتوى الإنترنت المولد بالذكاء الاصطناعي ذلك الذي ينتجه البشر. يخشى مطورو الأدوات الذكية من انحدار جودة المحتوى الذي تنتجه الآلة إذا ما واصلت التغذي على المحتوى الذي تُنتجه بنفسها.

لهذا نرى شركات التكنولوجيا تُصر على تغذية أدواتها ببيانات أُنتجت قبل 2022 أي قبل شيوع استخدام الذكاء الاصطناعي، ونراها تتسابق على اقتناء الكتب النادرة التي ترقمنها وتطعمها لأنظمتها متلفة في طريقها تلك الكتب إلى الأبد.

ثمة من يتكهن أن هذا الإتلاف يأتي لضمان التفوق على المنافسين، إلا أن الأرجح هو أن عملية المسح الضوئي تُجرى بطريقة تُتلف الكتب المطبوعة.

اتخاذ موقف صارم من المحتوى الرديء يتطلب منا جميعا تبني ثقافة تُقدّم الجودة على الغزارة، ثقافة تعترف بأن الإبداع مضنٍ ومكلف، ثقافة تحترم التروي والبطء والتردد والشك. باختصار - وإن بدا كلاما حالمًا - ثقافة مضادة للاستهلاك.