ها قد وصلنا لختام جولتنا الأولى مع الابتكار ودوره في الاقتصاد المعرفي. بدأنا الرحلة بالسؤال الأشهر في عالم الابتكار؛ عن كيفية عبور المعرفة إلى قيمة، وسرعان ما كشفت لنا الصورة عن أفق أوسع.

فلم يعد الأمر مجرد جسر يمتد بين البحث والسوق بل خريطة ترسم مسار الابتكار وتحول الأفكار الفردية إلى منظومة قادرة على قياس عوائد الابتكار وتحديد عتبة التحول لاقتصاد معرفي.

وأخذت الصورة في الاتساع لتظهر المجتمع كشريك فاعل، ومن ثَم برز رأس المال المجتمعي كقوة يمكن أن تتطور لمؤسسة تضيف إلى دور الجامعات والشركات والحكومة بعدا يجعل منظومة الابتكار أكثر نبضًا. ومع هذا الاتساع أدركنا دور التواصل والعلاقات بين كافة الأطراف وأهمية هندسة وإدارة تلك العلاقات.

كل ذلك غير لدينا مفهوم الجسر، إلى شبكة من العلاقات تنساب من خلالها المعرفة عبر الحوافز والموارد والسياسات. فقد تنجح فكرة وتكبر شركة وتلمع مبادرة دون أن نلمس لذلك أثرا.

ويبادرني تساؤل أكثر طموحا؛ كيف نبني منظومة تجعل النجاح في ترجمة ونقل الابتكار قدرة مستدامة، لا تبدأ من الصفر في كل مرة؟ فالمنظومة القادرة من انتاج المعرفة وتحويل الأفكار وإطلاق الشركات بصورة متكررة تجعل تحول وترجمة الابتكار قاعدة لا استثناء.

عندئذ يصبح الابتكار رافدا للمنتجات والخدمات ومولدا للوظائف والقيمة المضافة الهدف من التساؤل هو تغيير معيار تحقق النجاح بالنفس. ليس مهما كم مشروع ابتكار أطلق بقدر ما يهم قدرة المنظومة على نقل الابتكار للسوق بصورة متواصلة ومستدامة.

وبتحليل أعمق نرى أنه مهما اكتملت عناصر منظومة الابتكار، فهي لا تعمل من تلقاء نفسها. كما أن وجود كافة الأطراف؛ الجامعات والمؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمعية، لا يضمن بالضرورة استدامة ترجمة الابتكار أو أن التعاون سيصمد حين تتغير القيادات وتتبدل الأولويات.

هنا تبرز وظيفة لا تقل أهمية عن بناء منظومة الابتكار نفسها، أطرحها بتساؤل آخر؛ من المسؤول عن جعل هذه الأطراف تعمل بانسجام وتكامل؟

في أدبيات منظومات الابتكار يعرف هذا الدور بـ Orchestration، أي إدارة التفاعل بين شركاء مستقلين. لكل منهم أهدافه وأدواره ومصالحه. فيقع على عاتق المنسق توصيل الأطراف وتنسيق المصالح لا من أجل أن تعمل تلك المؤسسات جنبا إلى جنب ولكن تعمل معا لإنتاج قيمة مشتركة.

يشبه التنسيق عمل مايسترو الأوركسترا؛ فهو لا يفرض الأوامر، بل يقنع شركاء مستقلين بأن يسهموا طوعًا في إنتاج قيمة مشتركة. ويجري هذا التنسيق عبر أربع طبقات متوازية: تكنولوجية، اقتصادية، مؤسسية، وسلوكية، مرورًا بمراحل الانطلاق، وبناء الزخم، ثم النضج.

وهو يستند إلى مبادئ واضحة: أن التنسيق يُبنى ولا يُفرض، أن الشركاء يُعاملون وفق شروطهم، أن الثقة تُصان عبر نتائج ملموسة، وأن التفكير الجماعي في مستقبل المنظومة شرط لاستمرارها.

غاية التنسيق ليس أن ينجح التعاون مرة واحدة، بل أن تبني المنظومة «القدرة» على تكرار النجاح والتثبت من ممكنات استدامته. عنده يتحول الابتكار من «نشاط» يعتمد على مبادرات أو أشخاص محددين إلى «قدرة» مؤسسية تستمر وتتطور مع الوقت.

وهنا نسلط الضوء على الفارق بين نشاط ابتكار والقدرة على الابتكار، فإطلاق برنامج أو مسابقة أو إنشاء حاضنة أو نجاح شركة ناشئة كلها مؤشرات لوجود «نشاط ابتكار»، لكنها لا تكفي بالضرورة للجزم بوجود «قدرة» راسخة.

فالقدرة الحقيقية تعكس استطاعة المنظومة على استدامة تحقيق أنشطة الابتكار. مع ضرورة التحقق من أثر ذلك بصورة تعكس تجاوز الابتكار حدود المشاريع الفردية، مولدا وظائف نوعية وأسواق جديدة، وصادرات قائمة على المعرفة، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل. عندها سيحدث التحول المأمول من اقتصاد يحتضن الابتكار إلى اقتصاد يعتمد عليه.

بدأنا هذه السلسلة نسأل كيف نعبر بالفكرة للضفة الأخرى. وبعد هذه الرحلة اتضح أن العبور الحقيقي ليس في وصول الفكرة للسوق فحسب، بل، في أن يصبح تحول المعرفة إلى القيمة مسارا يتكرر ويتسع ليصنع أثرا في بنية المجتمع والاقتصاد.

سنعود للحلزون الرباعي لاحقا، وكذلك إلى الدور الريادي لمؤسسات التعليم العالي في صناعة الأثر. ولكن ثمة محطتان لا يمكن تجاوزهما: التعليم والتدريب المهني، ثم المهارات. فالمعرفة التي تحدثنا عنها طوال هذه الرحلة لا تقطن المختبرات والجامعات وحدها. إنها أيضا معرفة تمارس ومهارات تتقن.

دعوة للتفكر... كيف نصنع من المعرفة، بمعناها الأوسع؛ ما تنتجه العقول وما تنتجه الأيدي، قيمة تلامس المجتمع والاقتصاد؟

د. ماجدة بنت طالب الهنائي باحثة عمانية