عندي مشكلة نفسية مع الرواية العربية، قديمة جدا وغير قابلة للتفاوض، لدرجة أني حين كتبت روايتي (السفر إلى كعكة القمر والضباب فوق جبل النجمة) مدعيا أنني كتبتها من أرضية تصور ذوقي مختلف، ومن منطلق حداثيّ هائج، وعلى أساس انفتاح كامل على كل شعور، لكني ألقيت بكل هذا الإحساس في الزبالة، وخجلت من نفسي وكرهتني، وسخرت مني، في النهاية هذه رواية عربية، كتبتها كما يكتبها العرب الذين لا أطيق رواياتهم، تورطت فيها بلغة الإنشاء، وبعواطف مبالغ فيها.

هذه الفوضى في المشاعر المتناقضة والتصورات المتداخلة، لم تتوقف حتى الآن، فأنا أتوجس من قراءة الرواية العربية وفي الوقت نفسه أكتبها، أنا العربي العائش في مدينة مخنوقة بلا حريات وتحت احتلال لا يسمح لي بالسفر داخل المدن نفسها، وبمجتمع ضاغط لا يسمح بخروج عن ثوابته الاجتماعية، فكيف إذن أدّعي أن روايتي ستكون مختلفة وأنا أعاني من نفس ما يعانيه الروائيون العرب.

أنا غير مرتاح لهذه المشكلة، ولا أفهم هذه الفوضى بالضبط، وعندي خجل كامن منها، لماذا لا أحب قراءة الرواية العربية؟ هاربا منها إلى الرواية الأوروبية تحديدا الأمريكية، واليابانية وأمريكا اللاتينية؟ هل الأساس هو إحساسي بالدونية أمام الفكر والأدب والثقافة الغربية؟ هل غياب الحريات وانقطاع التجارب الحياتية، وانعدام روح الحداثة، التي يرزح تحتها الروائي العربي هي سبب يأسنا من أية كتابة عربية روائية مميزة ومؤثرة؟ لطالما أحس معظمنا بتخلف الأمة وتقدم الغرب، في كل المجالات، ولطالما أصابنا نفور وتشكك من إصدار روائي عربي جديد، دون حتى أن نقرأ سطرا واحدا فيه لأننا نعتقد أن الموضوع متوقع واللغة الشعرية جاهزة والحبكة تقليدية وواضحة، هل الموضوع حقا بهذا التبسيط؟ تخيلوا مثلا لو كان مؤلف الرواية الشهيرة (امتداح الخالة) روائيا عربيا؟ وليس يوسا البوريفي، هل كنا سنحتفي بها وتصبح إنجيل الكتابة الحسية في العالم، حسب رأينا؟ فكرت كثيرا في الموضوع وتشاورت مع أصحابي الذين لهم موقف ذوقي مسبق من كل رواية عربية جديدة تصدر، فأجمعوا على أن الأثر الذي تتركه الكتابة الروائية الغربية عليهم أعمق من أثر الرواية العربية، وهم لا يريدون أن يعرفوا لماذا، الموضوع شخصي ذوقي، أما أنا فصار لديّ بعد طول تفكير وتأمل إحساس آخر، هو أن التوقع النمطي المسبق هو المشكلة، اتفقت مع صديق يناسب موقفه موقفي على أن نختبر أصدقاءنا الرافضين للرواية العربية بامتحان عسير، ثمة رواية عربية حداثية جدا ومجنونة ومكسرة لكل المعايير، لكنها غير معروفة على نطاق واسع، وهي موجودة على الإنترنت Pdf اسمها (انتصاب أسود) لكاتبها التونسي أيمن الدبوسي، أخذت نسخة من الرواية، طبعتها عدة طبعات، أزلت اسم أيمن، وضعت اسم الكاتب الأمريكي المجنون هنري ملر عليها، وأهديت النسخ للأصحاب الذين طاروا من الفرح: معقول رواية جديدة لملر تم اكتشافها حديثا في أوراقه ومخطوطاته، يا الله يا الله، ما أسعدنا ما أسعدنا! شكرا زيادنا.

بعد أسبوع التقينا جميعا في مقهى الانشراح برام الله، انهمروا عليّ بقبلات وعزموني على شواء فاخر: زياد شكرا، عن جد الرواية رهيبة، لغة حرة، وفضاء شجاع، وحبكة متوترة، ونهاية مدهشة، ومفارقات حداثية سحرية، آه متى سنقرأ رواية عربية بمثل هذا السحر؟(هذه رواية عربية يا أوغاد، للتونسي أيمن الدوسري وهي موجودة على الإنترنت، منذ سنوات طويلة، كان هذا اختبارا لكم لتعرفوا كم أنتم وأنا أولكم أوغاد ضعفاء ونعاني من عقدة نقص) قلت لهم، صُدم الأصحاب، نظروا في وجوه بعضهم وهم يرفعون حواجبهم، غادروا جميعا صامتين، بقيت أنا وصاحبي في المطعم ننتظر شواء رهيبا سندفع ثمنه نحن الاثنان.