صيف (عمّان) مزدحم بالأنشطة التي تتوزّع بين عروض مسرحيّة، وسينمائية، وندوات، ومحاضرات، هذه التعدديّة بالأنشطة جعلتني في حيرة، لكنّ الشاعر تيسير الشماسين مدير دارة الشعراء الأردنيين حسم حيرتي عندما دعاني لحضور الأمسية الشعرية الختامية لبرنامج الدارة في مهرجان جرش للثقافة والفنون، قلتُ مع نفسي: ما دمتُ قد بدأتُ زيارتي لعمّان بالمسرح مدعوّا من مهرجان (المونودراما للمسرح العربي الرابع)، فلأختمها بالشعر، حضورا، وهكذا قرّرتُ أن تكون وجهتي (دارة الشعراء الأردنيين) في آخر ليلة لي في زيارتي للعاصمة الأردنيّة الواقعة على سبعة جبال، هي: القصور، الجوفة، التاج، النزهة، النصر، النظيف، الأخضر، لذا سمّيت تاريخيا بمدينة «الجبال السبعة».

في الطريق إلى جبل الحسين، وهو لم يكن من ضمن الجبال السبعة، فالعاصمة اتّسعت وشملت أكثر من عشرين جبلا، من بينها: القلعة، واللويبدة، وعمّان، وجبل الحسين، حيث تقع الدارة على مرتفع، في شارع اسمه (شارع الرازي)، تخليدا للطبيب والفيلسوف ( محمد بن زكريا الرازي المتوفّى سنة 311 هـ)، وقد دأبت أمانة عمّان الكبرى على إطلاق أسماء علماء وشعراء على شوارعها، تكريما لهم، فأحمد شوقي شارع باسمه، وكذلك إبراهيم طوقان، وحافظ إبراهيم، وبيرم التونسي، وأحمد الصافي النجفي، وابن طفيل، والشريف الرضي، وجرير، والأخطل، وقيل: إن اسم (الرازي) أطلق على الشارع لكثرة العيادات والمراكز الطبية والصيدليات المنتشرة به، فهل جاء موقع (دارة الشعراء الأردنيين) في هذا الشاعر لينضمّ الشعر إلى مراكز العلاج والتداوي بالشعر؟ فقيس بن الملوح يقول:

تذكّرت ليلى والسنين الخواليا

وأيّام لا نخشى على اللهو ناهيا

فما أشرف الأيفاع إلّا صبابة

ولا أنشد الأشعار إلّا تداويا

وللغة أسرارها، فحين عدت لقواميس اللغة وجدت أن الدارة تعني «الأرض الواسعة الواقعة بين الجبال، وجمعها دارات»، فوقوع (الدارة) على جبل الحسين، الذي ربما جاء مصادفة أيضا، يشرح ارتباط التسمية بالمكان المرتفع، و«الدارة من القمر هالته»، وما أحوجنا اليوم في عصر كثرت به الصراعات وازدحمت به الأخطاء إلى الاستئناس بضوء القصيدة وهالة قمرها! تقول المعلومات المتعلّقة بدارة الشعراء الأردنيين - الجمعية الثقافية التي ينطوي عملها تحت مظلة وزارة الثقافة-: إنها تأسّست في عام 2023م، وهي تعنى بالشعر الفصيح بشقيه العمودي وشعر التفعيلة مع تقدير للأجناس الشعرية الأخرى دون إلغائها، وهدفها رعاية الشعراء الأردنيين والمقيمين على أراضيها من الشعراء العرب ممن تنطبق عليهم شروط عضويتها، وإقامة أمسيات وفعاليات ثقافية. وقد عقدت مؤتمرها التأسيسي في مطلع سبتمبر 2024 بمشاركة شعراء ونقّاد أردنيين وعرب ناقشوا العديد من القضايا التي تتعلق بدور(الدارة) المنشود في المشهد الثقافي الأردني، ودور الشعر في تعزيز البناء الحضاري.

حين صعدت السلّم المؤدي للطابق الثاني في البناية المخصّصة لدارة الشعراء شعرتُ أن المكان ضيّق، وبالوقت نفسه مكتظ بالمرتادين من مختلف الأجيال، تذكرت الأمكنة الثقافية الكثيرة التي زرتها ووجدتها خاوية على عروشها!! لقلّة المرتادين، وسعة الأمكنة، لكنّني في (دارة الشعراء الأردنيين) وجدت الأمر معكوسا، ومع ذلك لم أر الشعور بالضيق على الحضور، فالكل سعيد بالروح الحميمية للمكان، وأهله، الذين يملؤون الممرات، والكراسي في الغرف الصغيرة المفتوحة الأبواب، رأيت شبابا بعضهم ينزوي جانبا يتصفح ديوانا، أو يقرأ على مسامع زملائه نصّا، وآخر يصغي له عن بعد وهو يرتشف القهوة العربية التي توزع في المكان، حتى أعلن عن بدء الأمسية التي قدّمها الشاعر علي غبن، فيما جلس شعراء الأمسية على طاولة بمواجهة الجمهور، وهم: محمد الفراية، ومحمد المجالي، والشاعر المصري أحمد عبد الغني، وأضيفت لهم الشاعرة جمانة الطراونة التي بدأت قراءتها بتوجيه تحية لدارة الشعراء جاء فيها:

رُفع اليراع فحلّق المجنون

وتعانق المكشوف والمكنون

والسرّ يا مولاي أنْ لي سجدة

أجّلتها فتعتّم المضمون

شعر سماوي الملامح كنهه

قلب وظاهرة فمٌ وعيون

من (دارة الشعراء) حتى روضة

آياتها التفاح والزيتون

لمحتُ من بين الحضور الشاعر محمد سمحان، المولود في نابلس 1944م وهو من الشخصيات الثقافية الأردنية الفاعلة، فنهضت لتحيته، وطلب منه منظمو الأمسية الجلوس في المقعد الأمامي تقديرا لمكانته الشعرية والثقافية، وقد علمت أنّه يتردّد على (الدارة)، ويحضر فعالياتها، مؤكدا تلاقي الأجيال، وتنوّع التجارب، فيما احتلّ الشاعر (تيسير الشماسين) مدير الدارة مكانا قصيّا في المقاعد الخلفية، لتسهل عليه الحركة، والردّ على الاستفسارات والترحيب بالحضور دون أن يؤثر ذلك على سير الأمسية التي شهدت تفاعلا مع الجمهور، حتى أن الشاعر الشاب أحمد عبد الغني الذي كان سعيدا بحضور والده الأمسية نبّه الجمهور أن التصفيق يضعف تركيزه ويشوّش ذاكرته، وحين انتهت الأمسية، وجرى تكريم الجهة المنظّمة للمشاركين، والتقاط الصور الجماعية التذكارية، شققت طريقي بصعوبة، خارج الدارة، فيما ظلّ الضيوف والحضور يتبادلون الأحاديث، ويملؤون المكان الضيق بعبق الشعر مستضيئين بهالة قمر القصيدة.