كلما أقبل شهر أغسطس، واستعد العالم للاحتفال باليوم الدولي للشباب الذي يوافق اليوم الثاني عشر من أغسطس تردد في ذهني -وربما في أذهان كثيرين مثلي ممن تجاوزوا الستين- بيت الشاعر العربي أبي العتاهية الشهير: «ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا... فأخبرَه بما فعلَ المشيبُ».
يعيدني هذا البيت إلى رحلة شبابي، وإلى مرحلة ما زال جانب منها حيًّا في داخلي. بحسابات العمر بدأت سنوات شبابي وأنا على مقاعد الدراسة في قرية نائية من قرى شمال مصر، ثم مضت بي إلى القاهرة، وجامعتها العريقة، وإحدى الكليات التي كانت تُسمّى في ذلك الوقت «كليات القمة». ومنها امتدت الرحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الدكتوراه، ثم عدت للعمل أستاذًا مساعدًا في جامعة القاهرة قبل أن تنتهي مرحلة الشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث كنت أعمل أستاذًا للصحافة في إحدى جامعاتها.
غادرتُ الشباب بحساب السنين منذ وقت طويل، لكنني لا أستطيع القول إنني غادرته تمامًا. بقي جزء مني معلقًا بسنوات الأحلام الكبيرة، والاعتقاد بأن العالم قابل للتغيير. تغيرت ملامحي ومسؤولياتي، ومع ذلك ظل ذلك الشباب حاضرًا في حماسي للأفكار الجديدة، ورفضي للاستسلام، وإيماني بإمكانية تحقيق الأحلام الصعبة.
ساعدتني مهنتي على الاحتفاظ بهذه الصلة الوجدانية بالشباب. فعلى مدى عقود وقفت أستاذًا أمام أجيال متعاقبة من طلاب الجامعات في مصر وعُمان والإمارات. استمعت إلى طموحاتهم وشكواهم، ولمست نبضهم، وعرفت كثيرًا من احتياجاتهم، ورأيت كيف تتغير لغتهم وأدواتهم وطرائق تعبيرهم من جيل إلى آخر، وكيف تظل حاجتهم إلى التقدير والثقة والفرصة العادلة ثابتة.
تعلمت من هذه الأجيال بقدر ما علّمتها، وأدركت أن كثرة النصائح التي نقدمها للشباب لا تعوض غياب الاستماع إليهم، وأن الحديث باسمهم لا يمنحهم الصوت الذي يحتاجون إليه. فهم يريدون من يصغي إليهم بجدية، ويتعامل مع أفكارهم بوصفها جزءًا من الحاضر، لا وعودًا مؤجلة للمستقبل.
وفقا لموقع الأمم المتحدة الإلكتروني بدأت قصة اليوم الدولي للشباب في لشبونة صيف عام 1998 عندما اجتمع الوزراء المسؤولون عن الشباب من مختلف دول العالم، وأوصوا بأن يكون الثاني عشر من أغسطس يومًا دوليًا للشباب. وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة التوصية في ديسمبر 1999، وجاء الاحتفال الأول في أغسطس من العام التالي. ومنذ ذلك الوقت أصبح اليوم موعدًا سنويًا لتسليط الضوء على واقع الشباب في العالم.
يأتي احتفال هذا العام تحت شعار «سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة» اعترافًا بتنوع البيئات التي يعيش فيها الشباب، وتأكيدًا في الوقت نفسه على تشابه وتقارب تطلعاتهم إلى الحصول على تعليم جيد، وعمل كريم، ورعاية صحية جسدية ونفسية، وكرامة، ومشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم. وظل الأمل في حياة أفضل قاسمًا مشتركًا بين شاب يعيش في قرية بعيدة، وآخر في مدينة كبرى، وثالث تحاصره الحرب أو الفقر أو العزلة الجغرافية.
ولعل من مفارقات الحضور الشبابي اليوم أن الجيل الذي يمتلك مساحة واسعة للتعبير، ويشارك بكثافة في إنتاج المحتوى وتداوله، ما زال بعيدًا عن كثير من مواقع صنع القرار المؤثر في حياته. وتشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات العام الماضي إلى أن 82% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا يستخدمون الإنترنت مقابل 72% لدى الفئات العمرية الأخرى. وأسهمت المنصات الرقمية في كسر احتكار المؤسسات التقليدية للتعبير، ومنحت الشباب قدرة غير مسبوقة على إعلان مواقفهم، وتنظيم حملاتهم، ومناقشة القضايا التي تهمهم. فالظهور على الشاشة، وكثرة المتابعين، وارتفاع معدلات التفاعل، ووصول وسم إلى قائمة الموضوعات الأكثر تداولًا، لا يعني بالضرورة أن رأي الشباب وجد طريقه إلى السياسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية.
وتكشف الأرقام حجم هذه الفجوة؛ فقد أظهر تقرير أصدرته اليونسكو هذا العام أن 20% فقط من المنظمات الشبابية والطلابية ترى نفسها شريكًا حقيقيًا للحكومات في صياغة السياسات التعليمية. وفي المجال السياسي لا تتجاوز نسبة أعضاء المجالس النيابية الذين تبلغ أعمارهم ثلاثين عامًا أو أقل 2.8% رغم أن نصف سكان العالم تقل أعمارهم عن الثلاثين، كما أن أكثر من ثلث هذه المجالس في العالم لا تضم عضوًا واحدًا من هذه الفئة العمرية.
تؤكد هذه المؤشرات أن امتلاك الشباب أدوات التعبير لم يضمن وصول أصواتهم إلى غرف صنع القرار. فالمشاركة الحقيقية تعني حضور الشباب على طاولة النقاش، وإشراكهم بصورة مؤسسية في تحديد المشكلات، ووضع الحلول وتنفيذها وتقييم نتائجها. وتظل دعوتهم إلى لقاءات موسمية، أو مطالبتهم بملء استبانات لا يعرفون ماذا يحدث لنتائجها مشاركة شكلية لا تغير شيئًا.
وتبدو هذه المفارقة واضحة في المنطقة العربية؛ حيث جعل الشباب من المنصات الرقمية مساحة يومية لمناقشة قضايا التعليم والعمل والهجرة، وارتفاع تكاليف الحياة، والحريات ومستقبل المنطقة.
وفي عُمان تتوافر أرضية مهمة يمكن البناء عليها في هذا المجال. فقد قامت رؤية «عُمان 2040» على مبدأ المشاركة المجتمعية، وظهرت خلال السنوات الأخيرة مبادرات ومراكز ومنصات رقمية تستهدف الشباب وتتيح لهم عرض أفكارهم ومشروعاتهم. ويبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه المساحات إلى آليات مستمرة تمنح الشباب دورًا واضحًا في صياغة السياسات ومتابعة تنفيذها وتقييم نتائجها. ويقاس نجاح هذه المشاركة بمدى انتقال أفكار الشباب من شاشات هواتفهم إلى البرامج والقرارات التي تمس حياتهم.
تبقى للإعلام مسؤولية خاصة لتمكين الشباب؛ فهو يتحدث عن الشباب كثيرًا، لكنه لا يتحدث معهم بالقدر نفسه. ويظهر الشباب في التغطيات الإعلامية غالبًا من خلال صورتين متباعدتين: صورة الشاب الذي تحاصره البطالة أو مشكلات الانحراف والإدمان والتعثر، وصورة النموذج الاستثنائي الذي حقق نجاحًا كبيرًا في سن مبكرة. وبين الصورتين يغيب ملايين الشباب العاديين بأفكارهم وأسئلتهم ومخاوفهم وتصوراتهم للمستقبل.
في كثير من وسائل الإعلام العربية يرتفع الاهتمام بالشباب في الأيام الوطنية والدولية والمناسبات الرسمية، فتُنشر قصص النجاح، وتُجرى معهم الحوارات، وتُبث البرامج الخاصة، ثم ينخفض حضورهم بانتهاء المناسبة. وحتى عندما تستضيفهم وسائل الإعلام فإنها تسألهم غالبًا عن «قضايا الشباب»، وكأنهم لا يملكون رأيًا في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والبيئة وغيرها من القضايا العامة التي تؤثر في حياتهم وترسم مستقبلهم.
ويستعيض الإعلام أحيانًا عن أصوات الشباب بأصوات بعض المؤثرين على المنصات الاجتماعية، وكأن الشهرة الرقمية تمنح هؤلاء تفويضًا اجتماعيًا للحديث باسم جيل كامل. ولهذا تحتاج وسائل الإعلام إلى تنويع مصادرها الشبابية، وألا تجعل عدد المتابعين أو الموضوعات الأكثر تداولًا معيارًا لاختيار الأصوات التي تقدمها للجمهور؛ فكثير من الشباب الأقل شهرة يحملون خبرات وأفكارًا جديرة بالاستماع إليها.
في تقديري أن تمكين الشباب يبدأ عندما تنظر المؤسسات الإعلامية إليهم بوصفهم مصادر للمعلومات، وشركاء في النقاش، ومنتجين للمعرفة. ويمكن أن يحدث ذلك بإشراكهم في اقتراح القضايا، وإنتاج البرامج، وكتابة المقالات، واستضافتهم للتعليق على الشأن العام، وإتاحة مساحة أكبر للصحفيين الشباب داخل غرف الأخبار، وفي مواقع اتخاذ القرار التحريري. عندها يصبح الإعلام مساحة تتيح للشباب التعبير عن أفكارهم بأصواتهم.
لو عاد إليّ شبابي يومًا -كما تمنى أبو العتاهية- فسأصغي إليه قبل أن أخبره بما فعل المشيب. وربما يكون الإصغاء الصادق هو أفضل ما تستطيع المجتمعات ومؤسساتها وإعلامها أن تقدمه للشباب في يومهم؛ أن تمنحهم فرصة الحديث بأصواتهم، وتأخذ تطلعاتهم بجدية، وتجعلهم شركاء حقيقيين في صناعة حاضرهم وصياغة مستقبلهم.