فجأة، وجدتني وأنا أقف أمام مطعم للوجبات العربية في العاصمة النرويجية أوسلو، يديره أحد الإخوة العرب الذين هاجروا إلى النرويج قبل أكثر من عشرين عاما، أجيب عن سؤال طرحه عليّ: لماذا يعجب النرويجيون بسلطنة عُمان؟

قلت له ربما الطقس المعتدل شتاء، وربما شيء من التشابه في التضاريس والجغرافيا بين البلدين. لكنه فاجأني بإجابة مختلفة.

قال: إن بعض زملائه النرويجيين الذين زاروا عمان تحدثوا عن الإنسان قبل المكان، وكانوا أكثر افتتانًا بعمان وأهلها من افتتانهم بتضاريسها وطبيعتها.

عندها أدركت أن السؤال الذي بدأنا به حديثنا لم يكن عن الطقس أو الجبال أو البحر، وإنما عن شيء أعمق من ذلك بكثير.

أخذنا الحديث شرقا وغربا عن عُمان والنرويج، ووجدتني دون أن أشعر، أعقد مقارنة بين بلدين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكن تجمعهما أوجه شبه أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى. فكلاهما بلد جبلي، وكلاهما يطل على بحر واسع، وتحيط به الخلجان والسواحل المتعرجة، وتمنحه الجغرافيا البحرية حضورا استثنائيًا في محيطه.

ولعل مسندم العمانية هي أقرب صورة يمكن أن تستدعيها الذاكرة عند الحديث عن فيوردات النرويج. وقد عايشت هذا التشابه بنفسي خلال رحلة بحرية في خلجان أوسلو؛ حيث بدا لي المشهد مألوفا على نحو غريب، الصخور وهي تعانق الماء، والجبال وهي تنحدر نحو البحر، في لوحة ربانية لا تختلف كثيرا في جمالها عن تلك التي اعتدنا رؤيتها في مسندم.

والبحر ليس مجرد عنصر جغرافي يجمع البلدين، بل هو جزء من حكايتهما. فمن أقصى شمال عمان إلى سواحل ظفار في أقصى الجنوب، تمتد السواحل لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، فيما تمتد السواحل النرويجية لمسافات هائلة، تتخللها الجزر والخلجان والفيوردات.

وعندما تنظر إلى النرويج من الأعلى، تبدو وكأن الماء قد شق طريقه في جسد البلاد، تاركا وراءه آلاف الخلجان والجزر والممرات البحرية.

هذا السوار البحري لم يمنح البلدين جمالهما الطبيعي فحسب، إنما شكّل جانبا مهما من تاريخهما واقتصادهما وثقافتهما؛ فقد كان البحر بالنسبة إلى العمانيين والنرويجيين طريقا للحركة والتجارة والتواصل مع العالم، وارتبطت به صفحات مهمة من تاريخ البلدين، من رحلات الفايكنغ في الشمال إلى البحارة العمانيين في الجنوب.

كان البحر امتدادا للأرض، وطريقًا للمعرفة والثقافة والتجارة، وليس حاجزا يفصل بين الشعوب.

ولذلك ليس غريبا أن يصبح البحر موردا اقتصاديا رئيسيا للبلدين، وأن تتقدم سلطنة عمان والنرويج في قطاع صيد الأسماك وتصدير المنتجات البحرية.

وإذا كانت النرويج قد بنت صناعة عالمية حول سمك السلمون، فإن عمان تمتلك بدورها ثروة بحرية كبيرة، بدأت خلال السنوات الأخيرة في تحويلها من نشاط تقليدي إلى قطاع اقتصادي أكثر تنظيما، يشمل الصيد التجاري والاستزراع السمكي وتربية الروبيان، مع توجه متزايد نحو التصدير والأسواق العالمية.

ومن هنا بدأت رحلتي في قراءة التجربة النرويجية بعين عمانية؛ فالتشابه في الجغرافيا والموارد لا يعني بالضرورة التشابه في النتائج.

والسؤال الأهم ليس ماذا تملك النرويج وماذا تملك عُمان، إنما كيف استطاعت النرويج أن تحول ما تملكه من موارد إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، وإلى استثمار طويل الأمد في الإنسان، وكيف يمكن لعمان أن تستفيد من هذه التجربة دون أن تنسخها، وأن تبني نموذجها الخاص الذي ينطلق من جغرافيتها ومواردها وشخصيتها الوطنية.

ولعل الحديث هنا يقودنا إلى أحد أهم مفاصل الحياة المالية والاقتصادية، وإلى عصب الحياة الحديثة وشريانها النابض: النفط.

فهذه الثروة التي تختزنها صخور وبحار النرويج جعلت منها واحدة من أهم الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز، تمامًا كما هو الحال في سلطنة عُمان، حيث تشكل عوائد النفط والغاز أحد أهم روافد الاقتصاد ومصادر تمويل التنمية والتطوير والتحديث في الدولة.

ومن أوجه التشابه اللافتة بين البلدين في هذا الجانب أن النرويج لم تتعامل مع النفط باعتباره ثروة تنفق عوائدها في الحاضر فقط، وإنما نظرت إليه بوصفه ثروة عابرة للأجيال. ومن هنا جاء إنشاء صندوق معاشات الحكومة العالمي، الذي أصبح واحدًا من أكبر الصناديق السيادية في العالم، وتُستثمر أمواله في الأسواق العالمية، في الأسهم والدخل الثابت والعقارات والبنية الأساسية للطاقة المتجددة، بهدف إدارة عوائد النفط والغاز على المدى الطويل، بحيث تستفيد منها الأجيال الحالية والقادمة.

وبالمثل، فإن سلطنة عمان لم تعد تنظر إلى عوائد النفط والغاز باعتبارها موردا للاستهلاك الآني فحسب، وإنما تعمل على تحويل جزء من هذه الثروة إلى أصول واستثمارات طويلة الأجل من خلال جهاز الاستثمار العماني، الذي يدير محافظ استثمارية متعددة، من بينها محفظة الأجيال التي تركز على الاستثمارات طويلة الأجل خارج سلطنة عمان، بهدف تحقيق عوائد مستدامة تعود بالنفع على أجيال المستقبل. وتمتد استثمارات الجهاز اليوم إلى قطاعات وأسواق متعددة داخل السلطنة وخارجها.

هنالك الكثير من القواسم المشتركة التي رأيتها في إنسان عمان وإنسان النرويج؛ في حبهما للسلام والأمان والهدوء والاطمئنان، وفي تعاملهما بالحكمة والروية، وفي أشياء أخرى قد لا تستطيع الكلمات وصفها، ولا يستطيع أيضًا هذا المقال القصير أن يفيها حقها.

وأعلم أيضًا أن البعض منكم قد يختلف معي في أن المقارنة والمقاربة بين البلدين قد تبدو جائرة؛ فأين النرويج وأين عمان؟ لكنني، وصدقوني فيما أقول، وجدت أن هناك مواطن كثيرة للجمال في بلادنا قد لا نراها ونحن في الداخل، لكن عندما نكبر الصورة وننظر إليها من بعيد، تظهر لنا صور من الجمال كانت حاضرة أمام أعيننا، لكننا لم نكن نراها.

ولعل أجمل ما في السفر أنه لا يجعلنا نكتشف الأماكن الأخرى فحسب، بل يجعلنا نكتشف أنفسنا، ونرى الأشياء التي اعتدنا عليها بعيون مختلفة. وربما كانت هذه واحدة من أهم الأشياء التي عدت بها من النرويج؛ أنني كلما ابتعدت عن موطني، رأيت فيه أشياء أكثر تستحق أن نحبها ونحافظ عليها ونفخر بها.