أموري غيثين - إيمانويل سايز
كلما ازداد العالم ثراءً وتقدمت التكنولوجيا، تقلصت ساعات العمل، أو هكذا يُفترض، فمنذ أن توقع الاقتصادي جون مينارد كينز قبل نحو قرن أن ينخفض أسبوع العمل في عصرنا الحالي إلى 15 ساعة، وصولًا إلى الوعود التي يطرحها أنصار الذكاء الاصطناعي اليوم، ظل الاعتقاد سائدًا بأن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي سيمنح البشر مزيدًا من وقت الفراغ.
غير أن هذا التصور لا تصدقه البيانات، فوفقًا لدراسة بحثية أجريناها بالاعتماد على مجموعة بيانات عالمية جديدة أعدها فريقنا، لم نجد أي دليل على انخفاض ساعات العمل بين الأفراد في الفئة العمرية الأساسية للعمل مع اتساع نطاق التنمية الاقتصادية، وتبين أن العامل الأكثر تأثيرًا في عدد ساعات العمل لا يتمثل في مستوى الثراء أو التقدم التقني، وإنما في الخيارات الاجتماعية التي تتخذها الدول، مثل سياسات التعليم الخاصة بالشباب، وأنظمة التقاعد لكبار السن، إضافة إلى القواعد التنظيمية وسياسات دعم الدخل بالنسبة لبقية الفئات.
وتحمل هذه النتائج دلالات مهمة لفهم الكيفية التي تتشكل بها أنماط العمل حول العالم؛ إذ يفترض كثير من الاقتصاديين أن ساعات العمل تعكس قرارًا فرديًا بالدرجة الأولى، بينما تشير البيانات إلى أن تنظيم العمل هو في الواقع نتاج تفاعل معقد بين الخيارات الثقافية والاجتماعية التي تجسدها السياسات العامة، بما يشمل قوانين العمل، والنظام الضريبي، وسياسات التعليم، ومزايا التقاعد.
صورة عالمية
يمثل وقت العمل أحد المحددات الأساسية للإنتاج الاقتصادي والرفاهية ومستويات عدم المساواة، ولذلك تغطي قاعدة البيانات العالمية الجديدة، والمنشورة ضمن ورقة بحثية على موقع صندوق النقد الدولي، معظم سكان العالم، وتوفر صورة أكثر دقة لاختلاف ساعات العمل بحسب العمر والنوع الاجتماعي ومستوى الدخل والقطاع الاقتصادي والسياق المؤسسي، كما تتضمن سلاسل زمنية تمتد لعقود في عدد كبير من البلدان بمستويات تنموية مختلفة، بما يتيح فهمًا أشمل لاتجاهات العمل على المستوى العالمي.
واستندت الدراسة بصورة رئيسية إلى مسوح الأسر الميدانية التي تجريها منظمة العمل الدولية والبنك الدولي بالتعاون مع الأجهزة الإحصائية الوطنية، وهي مسوح تتضمن بيانات تفصيلية عن ساعات العمل الفعلية إلى جانب معلومات تتعلق بالعمر والنوع الاجتماعي وقطاع التوظيف والأجور.
ولتعزيز هذه القاعدة، استعنا أيضًا بمسوحات مكملة من مصادر دولية ووطنية متنوعة، ما أتاح بناء قاعدة بيانات متاحة للعامة تضم تقريبًا جميع مسوح القوى العاملة المنفذة على مستوى العالم، وتشمل 160 دولة تمثل نحو 97% من سكان العالم، فيما تمتد السلاسل الزمنية لأكثر من عشرين عامًا في 86 دولة من مختلف مستويات التنمية.
كما تستند قاعدة البيانات إلى المعايير الدولية في قياس ساعات العمل الأسبوعية؛ إذ تشمل جميع الأنشطة التي تسهم في الإنتاج الاقتصادي، ولذلك يُحتسب العمل الزراعي غير مدفوع الأجر؛ لأنه ينتج سلعًا تدخل ضمن المقاييس التقليدية للناتج الاقتصادي، في حين تُستبعد الخدمات المنزلية غير مدفوعة الأجر، مثل أعمال التنظيف والطهي ورعاية الأطفال أو كبار السن داخل الأسرة؛ لأنها لا تدخل ضمن هذا التعريف. وتبين النتائج أن 59% من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر يشاركون في القوة العاملة على مستوى العالم، ويبلغ متوسط ساعات عمل المشتغلين منهم 43 ساعة أسبوعيًا، وهو ما يعني أن متوسط ساعات العمل لجميع البالغين، بمن فيهم غير العاملين، يبلغ نحو 25 ساعة أسبوعيًا.
غير أن هذا المتوسط العالمي يخفي تباينات كبيرة ترتبط بالعمر والنوع الاجتماعي؛ إذ تتبع ساعات العمل بوضوح مراحل دورة الحياة، فتكون منخفضة بين المراهقين، ثم ترتفع سريعًا خلال سنوات البلوغ المبكرة، وتبلغ ذروتها في الفئة العمرية الأساسية للعمل، قبل أن تنخفض بصورة حادة بعد سن الستين،
**media[3478024]**كما تظهر فروق واضحة بين الرجال والنساء؛ إذ ينجز الرجال نحو ثلثي إجمالي ساعات العمل في العالم، بينما لا تتجاوز مساهمة النساء الثلث، ويعود ذلك في المقام الأول إلى اختلاف معدلات المشاركة في سوق العمل، وليس إلى اختلاف عدد ساعات العمل بين من يشغلون وظائف بالفعل، فالفجوة الحقيقية لا تكمن في ساعات العمل، وإنما في فرص المشاركة في سوق العمل من الأساس.
التنمية وساعات العمل
يُعتقد على نطاق واسع أن سكان البلدان الأكثر ثراء يعملون لساعات أقل، لكن البيانات تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا؛ إذ ترتبط ساعات العمل الفعلية للفرد البالغ بمتوسط نصيب الفرد من الدخل بعلاقة تأخذ شكل منحنى جرسي، فتكون ساعات العمل في أدنى مستوياتها في البلدان الفقيرة والبلدان الغنية، بينما تبلغ ذروتها في الاقتصادات متوسطة الدخل، ومع ذلك فإن مستويات الدخل لا تفسر سوى جزء محدود من التفاوتات العالمية؛ إذ تسجل بعض الدول المتباينة في مستوياتها الاقتصادية، مثل فرنسا وجنوب إفريقيا وأفغانستان، من بين أقل ساعات العمل في العالم، في حين تظهر أطول ساعات العمل في دول مثل مدغشقر وفيتنام والصين، وهو ما يؤكد أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تفسر الاختلافات الكبيرة بين البلدان المتقاربة في مستويات الدخل.
وتعود العلاقة الجرسية بين التنمية وساعات العمل أساسًا إلى عدد ساعات العمل لكل عامل، وليس إلى معدلات التوظيف، ففي البلدان متوسطة الدخل، مثل الهند وباكستان، يتجاوز متوسط ساعات العمل لأصحاب الوظائف 45 ساعة أسبوعيًا، ويرتبط ذلك بالدور الذي يؤديه التحول الهيكلي للاقتصاد؛ إذ يصاحب التوسع السريع في قطاعي الصناعة التحويلية والخدمات ارتفاع الطلب على العمالة وزيادة ساعات العمل، أما في الاقتصادات مرتفعة الدخل فتؤدي التشريعات التنظيمية الأكثر صرامة، وارتفاع معدلات العمل في القطاع الرسمي، وتغير الأعراف الاجتماعية، إلى تقليص ساعات العمل تدريجيًا، حتى مع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النمط من استثناءات واضحة؛ إذ تسجل بعض الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وسنغافورة، ساعات عمل مرتفعة مقارنة بنظيراتها، وهو ما يشير إلى أن التنمية الاقتصادية ترفع الإنتاجية وتوسع الخيارات المتاحة، لكنها لا تفرض بصورة تلقائية عددًا معينًا من ساعات العمل.
**media[3478022]**الشباب وكبار السن
يتراجع وقت العمل بصورة ملحوظة بين الشباب وكبار السن كلما ارتفع مستوى التنمية، وقد يبدو هذا التراجع في ظاهره انعكاسًا لازدياد الثروة وتفضيل أوقات الفراغ، غير أن البيانات تشير إلى أن العامل الحاسم هو التغير في المؤسسات والسياسات العامة، فكلما ارتفعت معدلات الالتحاق بالتعليم بين الشباب انخفضت ساعات العمل؛ إذ يؤدي الاستثمار في التعليم إلى انتقال المراهقين من سوق العمل إلى مقاعد الدراسة، أما بالنسبة لكبار السن، فيرتبط انخفاض ساعات العمل بتوسع أنظمة التقاعد العامة التي تتيح لهم مغادرة سوق العمل دون فقدان جزء كبير من دخولهم.
وبمجرد إدخال معدلات الالتحاق بالتعليم ومدى تغطية أنظمة التقاعد في التحليل، يتراجع أثر الدخل القومي إلى حد كبير في تفسير ساعات العمل لدى هاتين الفئتين، فالشباب وكبار السن في البلدان الأكثر ثراء لا يعملون لساعات أقل بسبب ارتفاع مستويات الدخل، وإنما لأن الحكومات اختارت الاستثمار بصورة أكبر في التعليم وأنظمة التقاعد، وهو ما يعكس دور السياسات العامة في تشكيل أنماط العمل عبر مراحل العمر المختلفة.
إعادة توزيع الأدوار
حسب النوع الاجتماعي
على الرغم من التغيرات الاقتصادية الكبرى التي شهدها العالم، ظل إجمالي ساعات العمل بين البالغين في سن العمل الأساسية، أي بين 20 و59 عامًا، ثابتًا بصورة لافتة عبر مختلف مستويات التنمية وعلى امتداد فترات تاريخية طويلة، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بلغ متوسط ساعات العمل لهذه الفئة، بما في ذلك غير العاملين.
نحو 30 ساعة أسبوعيًا عام 1900، وهو مستوى قريب من المعدل المسجل اليوم، ويُعد الانخفاض الحاد الذي شهدته ساعات العمل خلال فترة الكساد الكبير استثناءً بارزًا عن هذا النمط، كما تكشف البيانات عن اتجاه مماثل في أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء واسعة من آسيا.
**media[3478023]**غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي تحولًا عميقًا في توزيع العمل بين الرجال والنساء، فمع تقدم التنمية تتراجع ساعات عمل الرجال في الوظائف مدفوعة الأجر، في مقابل ارتفاع ساعات عمل النساء نتيجة زيادة مشاركتهن في سوق العمل، وفي كثير من مناطق العالم تتوازن هاتان الحركتان بصورة تكاد تكون كاملة، فيظل إجمالي ساعات العمل عند مستويات مستقرة رغم تغير توزيعها بين الجنسين.
وبالنسبة للرجال، يعكس هذا التحول انخفاض عدد ساعات العمل، أما بالنسبة للنساء، فهو يعكس ارتفاع معدلات التوظيف مع تراجع العوائق التي كانت تحد من مشاركتهن في القوة العاملة، وبذلك لا تؤدي التنمية إلى تقليص حجم القوى العاملة في سن العمل الأساسية، وإنما تعيد توزيع العمل بين الرجال والنساء، وهو ما يسهم تدريجيًا في تقليص فجوة عدم المساواة بين الجنسين في ساعات العمل على المدى الطويل.
الضرائب والقواعد التنظيمية
تشير البيانات إلى وجود انخفاض في ساعات العمل في العديد من البلدان التي بلغت مراحل متقدمة من التنمية الاقتصادية، وغالبًا ما يرتبط ذلك بتوسع أنظمة الرعاية الاجتماعية التي قد تحد من عرض العمل، وهو ما يفسر جزئيًا ارتفاع ساعات العمل الفعلية في الولايات المتحدة مقارنة بمعظم الدول الأوروبية.
وعند المقارنة بين البلدان، يتبين أن ارتفاع الضرائب المفروضة على العمل يرتبط بانخفاض ساعات العمل، فالبلدان ذات الضرائب المنخفضة، مثل الهند، تسجل في العادة ساعات عمل أطول، بينما يعمل الأفراد في البلدان مرتفعة الضرائب، مثل فرنسا، لساعات أقل بكثير، وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى دليلًا على أن الضرائب تقلص عرض العمل.
غير أن التحليل الأكثر عمقًا يكشف صورة مختلفة، فعند أخذ القواعد التنظيمية لسوق العمل وارتفاع معدلات التوظيف الرسمي في الاعتبار، يتلاشى الأثر المباشر للضرائب على ساعات العمل؛ إذ تقترن الأنظمة الضريبية المرتفعة عادة بقوانين أكثر صرامة لتنظيم ساعات العمل، وبانتشار أوسع لعقود العمل الرسمية، ويبدو أن هذه العوامل هي الأكثر تأثيرًا في تفسير انخفاض ساعات العمل في الاقتصادات الأكثر تقدمًا.
وبذلك يتضح أن تقليص ساعات العمل يعكس في جوهره خيارات تتعلق بكيفية تنظيم سوق العمل، أكثر مما يعكس استجابة الأفراد للحوافز الاقتصادية، فالحدود القصوى لساعات العمل، وقواعد العمل الإضافي، والإجازات مدفوعة الأجر، وأنظمة التقاعد، تؤدي جميعها دورًا أكبر من الضرائب وحدها في تشكيل الأنماط الوطنية للعمل.
وتشير نتائج الدراسة في مجملها إلى أن الخيارات الثقافية والاجتماعية التي تتبناها الحكومات من خلال سياساتها العامة تؤثر في ساعات العمل الفعلية بدرجة أكبر من تأثير التنمية الاقتصادية وحدها؛ فالتوازن بين العمل ووقت الفراغ ليس مجرد انعكاس لتفضيلات الأفراد، بل هو حصيلة عملية تفاوض جماعية تتجسد في المؤسسات، وقوانين العمل، والأعراف الاجتماعية، والخيارات التي تتخذها المجتمعات بشأن تنظيم العمل والحياة.
أموري غيثين باحث في مجموعة أبحاث التنمية بالبنك الدولي ومنسِّق مختبر عدم المساواة العالمي في كلية باريس للاقتصاد.
إيمانويل سايز أستاذ الاقتصاد ومدير مركز ستون للثروة وعدم المساواة في الدخل بجامعة كاليفورنيا، بيركلي.
صندوق النقد الدولي.