**media[3477934]**

في مطلع الثمانينيات كان مقر بنك «سيتي بنك» في نيويورك يعج بمئات المبرمجين أمام شاشات خضراء تومض بأسطر من الشيفرة، كانوا يبنون أنظمة لإدارة الحسابات ومعالجة المعاملات وتتبع الأموال عبر القارات، أشبه بمصنع ضخم من الأفكار والأوامر الرقمية لا من الفولاذ والخرسانة، وفي الوقت نفسه كانت «مايكروسوفت» في سياتل لا تزال شركة صغيرة نسبيًا حتى إن عدد موظفيها كان أقل من عدد مبرمجي سيتي بنك وحده، لكن الفارق بينهما لم يكن في عدد المبرمجين أو كفاءتهم بل في طبيعة ما ينتجونه. 

كان مبرمجو سيتي بنك يبنون أنظمة يستخدمها البنك داخليًا لتسريع المعاملات وتنظيم بيانات العملاء وتحسين عملياته، بينما كان مبرمجو مايكروسوفت يصنعون منتجات يمكن نسخها وبيعها لملايين المستخدمين، جهد يبذل مرة واحدة ثم تتضاعف قيمته مع كل نسخة جديدة، وهنا ظهرت المفارقة؛ فالعمل الذي أنجزه مبرمجو سيتي بنك كان يصنف محاسبيًا في جانب كبير منه باعتباره مصروفًا تشغيليًا مثل الكهرباء أو صيانة المباني، وكأن الأنظمة التي استغرق تطويرها سنوات تنتهي قيمتها بانتهاء الفترة التي دفعت فيها تكاليفها. 

في المقابل كانت مايكروسوفت تبني منتجات يمكن بيعها مرارًا بتكلفة إضافية محدودة وتتزايد معها قيمة الشركة، فلم تكن بحاجة إلى فروع في كل مدينة أو أصول مادية ضخمة لأن جزءًا كبيرًا من قيمتها كان يأتي من شيء لا يمكن لمسه، البرمجيات والمعرفة والأفكار. 

ولم تكن هذه المفارقة محصورة في الشركتين، ففي الفترة نفسها كان الاقتصاديون يواجهون لغزًا أكبر، إذ كانت الشركات الأمريكية تضخ مليارات الدولارات في الحواسيب والبرامج وقواعد البيانات وشبكات المعلومات بينما لم تظهر أرقام الإنتاجية تحسنًا يوازي حجم هذه الاستثمارات، وبدت المليارات وكأنها تختفي من الأرقام الرسمية رغم أن الحواسيب أصبحت في كل مكان، ولخص الاقتصادي روبرت سولو هذه الحيرة بقوله: «يمكنك أن ترى عصر الحاسوب في كل مكان إلا في إحصاءات الإنتاجية». 

لم تكن المشكلة في الحواسيب ولا في جدوى الاستثمار فيها بل في العدسة التي كان الاقتصاد ينظر بها إلى الثروة، فالمقاييس التي صممت في القرن العشرين نشأت لعالم يصنع الفولاذ والسيارات والثلاجات، عالم يمكن فيه عد رأس المال ووزنه ورؤيته على خطوط الإنتاج، حيث الآلات واضحة والمصانع مرئية والإنتاج قابل للقياس. 

لكن ماذا يحدث حين يصبح رأس المال بلا وزن، حين يكون فكرة في عقل مبرمج أو تصميمًا على شاشة أو نظامًا يعمل في خوادم بعيدة، وكيف نقيس قيمة شيء لا يمكن لمسه أو الإشارة إليه، حيث لم تكن أدوات القياس القديمة مهيأة لرصد هذا النوع من الثروة، لذلك ظلت الأصول غير الملموسة خارج الصورة لفترة طويلة رغم أنها كانت تنمو تدريجيًا لتصبح جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الحديث. 

الأصل الذي لا تراه الميزانية 

تخيل شركة تشتري آلة إنتاج بمليون دولار ستعمل لعشر سنوات وتدر أرباحا طوال هذه الفترة، محاسبيا يسجل المبلغ كاستثمار وتوضع الآلة ضمن أصول الشركة ثم تخصم نسبة من قيمتها سنويا عبر الاستهلاك، لكنها تظل أصلا له قيمة ويمكن بيعه أو رهنه، والآن تخيل الشركة نفسها تبني نظاما برمجيا معقدا وتوظف مبرمجين لسنوات وتنفق على الأجهزة والتدريب والاختبار، وبعد اكتماله سيعمل النظام لعشر سنوات ويحسن الكفاءة ويوفر الوقت ويقلل الأخطاء ويفتح المجال لخدمات جديدة. 

اقتصاديا تبدو الحالتان متشابهتين، لكن محاسبيا كان التعامل معهما مختلفا، فالآلة استثمار يبقى في الميزانية بينما كانت نفقات تطوير البرمجيات تسجل في حالات كثيرة كمصروفات تشغيلية تختفي في السنة التي أنفقت فيها، ولا يتعلق الفارق بالمنطق الاقتصادي، فكلاهما استثمار ينتج قيمة لسنوات، بل بإرث محاسبي نشأ في اقتصاد كانت فيه الأصول الأكثر وضوحا هي الأشياء التي يمكن رؤيتها ولمسها، وهذا التمييز الذي يبدو تقنيا أخفى لسنوات جزءا متناميا من الاقتصاد؛ فالشركات كانت تطور البرامج والأنظمة وقواعد البيانات التي تنتج قيمة فعلية بينما لا تظهر قيمتها كاملة في الحسابات المستخدمة لقياس الاقتصاد. 

في عام 1999 اتخذ مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي خطوة مهمة حين اعتمد البرمجيات رسميا كأصل استثماري ضمن حسابات الناتج المحلي الإجمالي، فلم يعد الإنفاق عليها يعامل باعتباره مصروفا عابرا بل استثمار في أصل يمتد أثره لسنوات، ولم يتغير الاقتصاد الأمريكي في تلك اللحظة ولم تبن مصانع أو تنتج سلع جديدة، ما تغير هو طريقة قياس ما كان موجودا بالفعل، وعندما أعيد احتساب الأرقام بالطريقة الجديدة ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنحو 1.1 بالمائة، ولم تكن تلك ثروة ولدت فجأة. 

**media[3477935]**

بل قيمة كانت موجودة لكنها غير مرئية في المقاييس الرسمية، وهنا تظهر أهمية القياس الاقتصادي، فما لا يظهر في الأرقام يصعب أن يحتل موقعا متقدما في السياسات والاستثمار وتحديد الأولويات. 

حين كانت البرمجيات أقل ظهورا في الحسابات الاقتصادية كان حضورها في السياسات أضعف، ومع تحولها إلى أصل معترف به أصبحت جزءا أوضح من النقاش حول الاستثمار والتعليم والنمو، فالقياس لا يصف الاقتصاد فقط بل يؤثر في الطريقة التي نفهم بها مصادر قيمته. 

القوى الخمس التي غيرت كل شيء 

لكن لماذا انتقل العالم خلال عقود قليلة من التركيز على المصانع والآلات إلى الاستثمار المتزايد في البرمجيات والأفكار والمعرفة، ولماذا أصبحت الأصول غير الملموسة مصدرا متناميا للقيمة. الرواية الشائعة تنسب التحول إلى الإنترنت وحده، لكنه كان مسرعا ضمن تحول أوسع قادته مجموعة من القوى الاقتصادية التي رفعت العائد على الاستثمار في المعرفة وجعلت امتلاكها أكثر ربحية. 

القوة الأولى: التكنولوجيا 

لم تخلق التكنولوجيا المعرفة بقدر ما جعلت الاستثمار فيها أكثر إنتاجية، فقبل منصات مثل GitHub كان تطوير البرمجيات أكثر عزلة وكان المبرمجون يعيدون بناء حلول متشابهة، أما اليوم فيمكن كتابة حل مرة واحدة ومشاركته واستخدامه على نطاق واسع. 

وهذا ليس جديدا، فالطباعة رفعت قيمة المعرفة المكتوبة والتلغراف رفع قيمة المعلومات السريعة والإنترنت ضاعف قيمة كل ما يمكن رقمنته ونسخه ونقله بتكلفة منخفضة، وهكذا أصبح الاستثمار في المعرفة قادرا على تحقيق عوائد متزايدة على نطاق يصعب تحقيقه في كثير من الأصول المادية. 

القوة الثانية: العولمة 

تزداد قيمة العلامة التجارية حين تنتقل من سوق محلي إلى جمهور عالمي، والأمر نفسه ينطبق على البرمجيات التي يمكن تطويرها في مكان واستخدامها في أسواق عديدة دون الحاجة إلى إعادة إنتاجها ماديا في كل مرة. 

أما الأصول المادية فتظل مرتبطة بتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين والجمارك، ولهذا استفادت الأصول غير الملموسة من اتساع الأسواق العالمية بدرجة أكبر، فكل سوق جديد يمكن أن يضيف مستخدمين وعوائد دون زيادة مماثلة في تكلفة إنتاج الأصل نفسه. 

القوة الثالثة: المنافسة جعلت التميز أكثر أهمية 

يمكن للمنافس شراء الآلات نفسها وبناء مصانع مشابهة وتوظيف مهندسين بالمؤهلات ذاتها، لكن تقليد ثقافة المؤسسة ومعرفتها المتراكمة ومنهجيتها في العمل وطريقتها في التصميم واتخاذ القرار أكثر صعوبة. 

وحين تصبح التكنولوجيا المادية متاحة للجميع ينتقل مصدر التميز من الأشياء التي تمتلكها الشركة إلى المعرفة التي تعرف كيف تستخدمها، ولهذا يمكن أن تكون الميزة القائمة على الأصول غير الملموسة أكثر صعوبة في التقليد من تلك القائمة على المعدات وحدها. 

القوة الرابعة: السياسات تفتح الطريق للابتكار أو تغلقه 

الابتكار لا يحتاج إلى الأفكار وحدها بل إلى القدرة على التجربة وإعادة تنظيم العمل وتغيير العمليات واختبار نماذج جديدة، وكلما ارتفعت تكلفة التجربة أصبح الاستثمار في المعرفة أكثر صعوبة. 

ولهذا تؤثر قوانين العمل وحماية الملكية الفكرية والبيئة التنظيمية للشركات الناشئة في حجم الاستثمار غير الملموس، فالبيئة التي تجعل التجربة والابتكار أسهل تستطيع جذب المزيد من الاستثمار بينما قد تدفع القيود المرتفعة الشركات إلى الاكتفاء بتطبيق أفكار موجودة بدلا من تطوير أخرى جديدة. 

القوة الخامسة: البحث الحكومي يجذب الاستثمار الخاص 

حين تستثمر الحكومات في الجامعات والمختبرات والبحث العلمي فإن أثر هذا الاستثمار لا يتوقف عند المؤسسات العامة، فالمعرفة الناتجة عنه تنتشر إلى الاقتصاد وتتحول إلى قاعدة يمكن للشركات البناء عليها وتطوير منتجات وتقنيات جديدة انطلاقا منها. 

لهذا لا يعني الاستثمار الحكومي في البحث بالضرورة مزاحمة القطاع الخاص، بل يمكن أن يحفزه عبر توفير المعرفة والبنية العلمية التي تقلل تكلفة الابتكار، فالدول التي تبني قاعدة قوية للبحث الأساسي تهيئ بيئة أكثر جاذبية للاستثمار الخاص في الأصول غير الملموسة ويصبح الاستثمار العام والخاص قوتين تعزز إحداهما الأخرى. 

إن هذه القوى الخمس ليست مستقلة بل تتفاعل وتعزز بعضها بعضا، فالتكنولوجيا رفعت عائد المعرفة والعولمة وسعت قدرتها على الانتشار والمنافسة جعلت التميز ضرورة بينما حددت السياسات قدرة الشركات على الاستفادة ووفر الاستثمار الحكومي الأساس العلمي للابتكار، وكل قوة جعلت الأصول غير الملموسة أكثر قيمة، وحين تقاطعت هذه القوى خلال الثمانينيات والتسعينيات تسارع التحول نحو اقتصاد أصبحت فيه المعرفة مصدرا متزايدا للقيمة والثروة. ومع دخول بعض هذه الأصول في الحسابات الرسمية أصبحت أكثر وضوحا أمام صناع السياسات والمستثمرين؛ فالقياس لم يخلق قيمتها لكنه ساعد على إظهارها وما يصبح مرئيا يسهل إدخاله في قرارات الاستثمار والسياسات. 

هكذا بدأ الاقتصاد غير المرئي يخرج من الظل ليصبح جزءا أساسيا من الاقتصاد الحديث. 

الرصيف الذي صنع فكرة 

قبل أن يصبح اقتصاد الأفكار موضوعا اقتصاديا كانت جين جاكوبس تراقب شوارع نيويورك وتبحث في الطريقة التي تعمل بها المدن، وفي كتابها «موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى» عام 1961 قدمت ملاحظات ساعدت لاحقا على فهم البيئة التي تولد فيها الأفكار الجديدة. 

كانت جاكوبس تراقب حي غرينيتش فيلدج حيث تختلط المتاجر والمقاهي والمساكن ويلتقي الفنانون والعمال والأطباء والتجار والكتاب في المساحات نفسها، ولاحظت أن هذا الاحتكاك اليومي يخلق لقاءات عفوية بين أشخاص لم يخططوا للقاء. 

قد يلتقي مهندس بنجار في مقهى ويتحدثان عن مشكلة فيقترح أحدهما حلا لم يخطر على الآخر، اللقاء عابر لكن المعرفة انتقلت من مجال إلى آخر وولدت منها فكرة جديدة. 

هكذا لم يكن الرصيف مجرد ممر للمشاة بل مساحة تتقاطع فيها خبرات ومشكلات مختلفة، وكل تقاطع يحمل احتمالا لولادة فكرة. 

لكن هذه البيئة تحتاج إلى شروط محددة أهمها التنوع الذي يجمع أشخاصا من تخصصات مختلفة والكثافة التي تزيد فرص اللقاء والمساحات المشتركة التي تسمح بالتفاعل العفوي ثم الثقة التي تجعل الناس أكثر استعدادا لتبادل المعرفة والأفكار. 

الفكرة التي وصلت إليها جاكوبس بسيطة: الابتكار لا يولد من المعرفة وحدها بل من الطريقة التي نرتب بها البيئة التي تسمح للمعارف المختلفة بأن تلتقي. 

في الفترة نفسها تقريبا كان عالم الاجتماع ويليام وايت يراقب عالما مختلفا داخل الشركات الكبرى، ولاحظ أن الموظف الذي يتبع القواعد وينفذ المطلوب بدقة يكافأ ويترقى بينما ينظر إلى من يطرح الأسئلة ويتحدى الطرق المعتادة باعتباره مصدر إزعاج. 

وصف وايت هذه الظاهرة في كتابه «إنسان المؤسسة» حيث يتعلم الموظفون أن النجاح يعني الامتثال وأن الأمان يتطلب عدم الخروج عن النظام، وهذه الثقافة قد تنتج الكفاءة والاتساق والقدرة على تنفيذ الخطط المعقدة لكنها في الوقت نفسه قد تخنق الأفكار الجديدة. 

فالنظام الذي يرفع كفاءة التنفيذ إلى أقصى درجاتها قد يقلل المساحة المتاحة للتجربة والتفكير غير المخطط الذي يحتاج إليه الابتكار. 

**media[3477936]**

لم تكن جين جاكوبس ووايت يصفان عالمين منفصلين بل وجهين لظاهرة واحدة، فجاكوبس وصفت بيئة تطلق الأفكار عبر التنوع والاحتكاك والثقة بينما وصف وايت بيئة يمكن أن تغلقها عبر الهرمية والامتثال والخوف من الخروج عن القواعد. 

ومن الملاحظتين تظهر فكرة أساسية وهي أن الابتكار ليس فعلا فرديا يحدث فقط داخل عقل عبقري معزول بل ظاهرة تحتاج إلى بيئة تسمح لأشخاص مختلفين بالالتقاء وتبادل الأفكار وتجربتها دون خوف. 

ما الذي تبيعه فعلا؟ 

بعد عقود أخذ ريتشارد فلوريدا هذه الفكرة إلى سوق العمل وسأل ما الذي يجعل بعض الوظائف والمدن أكثر قدرة على إنتاج القيمة من غيرها، ووجد أن التقسيم التقليدي بين أصحاب الياقات البيضاء والزرقاء لم يعد كافيا لفهم الاقتصاد الحديث لأن الفارق الأهم يكمن في نوع القيمة التي ينتجها الإنسان. 

فالمبرمج لا يبيع ساعات عمله فقط بل طريقة جديدة لحل مشكلة وقد تنتج بضعة أسطر من الشيفرة قيمة تفوق الوقت الذي استغرقته، والمهندس المعماري لا يبيع مخططا فقط بل طريقة مختلفة للتفكير في المكان بينما يضيف المصمم إلى المنتج معنى وهوية تميزه عن عشرات البدائل. 

القاسم المشترك هنا ليس الشهادة أو المهنة بحد ذاتها بل طبيعة العمل ومدى قدرته على إنتاج معرفة أو حلول جديدة بدلا من تكرار معرفة موجودة. 

وهذا يساعد أيضا على فهم لماذا لا يكفي الاستثمار في التعليم والبنية الأساسية وحده لبناء اقتصاد قائم على الابتكار، فالمعرفة مادة خام وتظهر قيمتها الاقتصادية الأكبر عندما يعاد تركيبها لحل مشكلة بطريقة جديدة ثم تتحول إلى نموذج يمكن تكراره أو تعليمه أو بيعه أو تصديره. 

وحين تعمل مع الأشخاص أنفسهم كل يوم فإنكم تتعرضون غالبا للمعلومات والمشكلات والحلول نفسها، وهذا التشابه مفيد للتنسيق والتنفيذ لكنه يقلل فرص الوصول إلى معرفة جديدة. 

أما المعارف العابرة من تخصصات ومجالات مختلفة فيحملون معلومات وخبرات لا توجد بالضرورة في دائرتك، وحين يحدث اللقاء تنتقل المعرفة بين مجالين وقد يستخدم حل من أحدهما لمعالجة مشكلة في الآخر، وهنا تكمن إحدى الآليات المهمة للابتكار، وتزداد قيمة هذه الشبكات لأنها يصعب تقليدها، فالمنافس يستطيع شراء الأدوات وتوظيف أصحاب المهارات نفسها لكنه لا يستطيع بسهولة نسخ شبكة علاقات تراكمت عبر سنوات من المشاريع والمؤتمرات واللقاءات العابرة. 

كما أن تنوع العلاقات يوسع عدد التقاطعات الممكنة بين الأفكار؛ فالمهندس الذي يعرف مهندسين فقط يتحرك داخل مجال معرفي واحد بينما يملك المهندس الذي يتعامل مع مصممين ومبرمجين وأطباء وفنانين فرصا أكبر لربط معارف لم تكن مرتبطة من قبل. 

وهذا يفسر أهمية الكثافة في مراكز الابتكار، فكلما زاد عدد الأشخاص وتنوع تخصصاتهم زادت فرص اللقاء وتدفقت معلومات جديدة بين المجالات وارتفع احتمال ولادة أفكار مختلفة. لهذا لا يكفي بناء مبان تحمل اسم «مراكز الابتكار» بل يجب توفير البيئة التي تسمح بتشكل هذه الروابط عبر مساحات العمل المشتركة والفعاليات والمقاهي والأحياء التي تجمع تخصصات مختلفة؛ فالابتكار كثيرا ما يحدث في المساحات بين المجالات لا داخل كل مجال منفردا. 

**media[3477935]**

عُمان والسؤال الذي لم يُطرح بعد 

حين نقيس تقدم أي اقتصاد نميل إلى ما يسهل عده، كم مصنعا بني وكم طنا صدر وكم وظيفة خلقت، لكنها مقاييس قد تترك خارج الحساب أصولا أقل ظهورا وأكثر تأثيرا في مستقبل الاقتصاد. 

خذ مثلا العلامات التجارية العُمانية التي بدأت تبنى بمعايير عالمية، فقد تنتج شركة صغيرة في مسقط العطور أو الحلويات أو الحرف التقليدية لكنها تستثمر في التصميم والتغليف والقصة والسمعة حتى يصبح اسمها نفسه مصدرا للقيمة، فالعميل لا يشتري المنتج وحده بل يشتري الثقة التي تراكمت حول العلامة، هذه القيمة لا يمكن لمسها أو وزنها لكنها قد تصبح أثمن ما تملكه الشركة، وعند بيعها قد لا يكون المشتري مهتما بالمعدات والمخزون بقدر اهتمامه بالاسم والسمعة والعلاقة التي بنيت مع العملاء. 

وينطبق الأمر نفسه على المعرفة التنظيمية المتراكمة داخل الشركات العُمانية التي عملت لعقود، فالفندق أو المطعم أو المصنع يتعلم مع الوقت كيف يتعامل مع الموردين ويحافظ على الموظفين ويواجه الأزمات ويقرأ تغيرات السوق، وهي معرفة لا توجد بالضرورة في دليل مكتوب ولا يمكن شراؤها جاهزة بل تتكون بالتجربة والخطأ، وهناك أيضا النماذج التشغيلية المحلية التي تنشأ لحل مشكلات خاصة بالبيئة العُمانية، فقد تطور شركة لوجستية مثلا طريقة أكثر كفاءة للوصول إلى المناطق الجبلية والنائية عبر نموذج يناسب التضاريس والمناخ والمسافات، ومع الوقت يمكن أن يتحول هذا النموذج إلى معرفة قابلة للبيع أو التصدير إلى أسواق تواجه ظروفا مشابهة. 

السؤال إذن ليس فقط كم نملك من المصانع والمعدات بل كم نملك من العلامات والمعرفة والنماذج والأفكار التي تستطيع إنتاج قيمة تتجاوز حدودها المحلية. 

والثروة غير المرئية ستكون من العوامل التي تحدد قدرة الاقتصادات على المنافسة في العقود المقبلة، فالأفكار والمعرفة والعلامات التجارية والبرمجيات والشبكات أصبحت تقف إلى جانب المصانع والبنية الأساسية ورأس المال المادي في صناعة القيمة، فالمصانع مهمة والبنية الأساسية مهمة والتعليم مهم لكنها تظل أدوات، وتظهر قيمتها الأكبر حين يستطيع الإنسان استخدامها لإنتاج فكرة أو حل أو نموذج لم يكن موجودا من قبل ثم تحويله إلى أصل يمكن تطويره وتكراره وتصديره. 

وهذا الإنسان لا يعمل في عزلة بل داخل شبكة من العلاقات والمعرفة واللقاءات التي تتراكم لتصبح معرفة جماعية ثم ابتكارا ثم قيمة اقتصادية، لهذا لا تحتاج الدول إلى الشبكات الرقمية وحدها بل إلى الشبكات البشرية أيضا وإلى المساحات التي تسمح للناس المختلفين بأن يلتقوا ويتبادلوا المعرفة ويبنون فوق أفكار بعضهم، ثم إنها ثروة لا تقاس بالأطنان ولا تشحن في الحاويات لكنها تمتلك خاصية مختلفة عن كثير من الأصول المادية، فالمعرفة يمكن أن تنتشر وتتضاعف قيمتها كلما وجدت من يطورها ويبني عليها. 

وهنا قد يكون السؤال الأهم لسلطنة عُمان بالأخص في العقود المقبلة ليس فقط ماذا ننتج بل ما المعرفة التي نملكها نحن وكيف نحولها إلى قيمة لا يستطيع الآخرون إنتاجها بالطريقة نفسها؟ 

بدر الصوافي رائد أعمال ومؤسس « زارق».