هناك قاعدة اقتصادية مهمة، حتى وإن لم تكن مكتوبة، تحدد تنافسية أيَّ اقتصاد وأيَّ ميناء وأيَّ مطار، وهي في نظر رجال الأعمال والشركات العالمية مفتاحَ ازدهار الأعمال، هذه القاعدة هي: الوقت، وقديما قالوا: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، وفي العصر الحديث تم التعبير عن أهمية الوقت بالعديد من العبارات من أبرزها: «Time is Money»، وترجمتها: الوقتُ مالٌ، وهذا يعني أن الوقت أصبح أصلا اقتصاديا وليس مجرد زمن يبدأ في ساعة معينة وينتهي في أخرى، وكثيرا ما تقاس تنافسية أي اقتصاد بمدى سهولة تأسيس الأعمال، والوقت الذي يحتاج إليه المستثمر لإنجاز معاملاته، والوقت الذي يستغرقه المشروع حتى يبدأ الإنتاج، والوقت الذي تستغرقه البضاعة في الوصول إلى وجهتها النهائية، وهكذا يصبح الوقت موردا اقتصاديا يمكن من خلاله استقطاب الاستثمارات الدولية وتشجيع رؤوس الأموال المحلية على توطين مشاريعها في البلاد. 

وعندما نتحدث عن الموانئ فإن عامل الوقت هو أحد أبرز عناصر تنافسيتها وليس الرسوم المنخفضة، فالمستثمر عندما يختار هذا الميناء أو ذاك فإنه يبحث عن كفاءة التخليص الجمركي وكفاءة المناولة وسرعة وصول البضائع إلى وجهاتها النهائية سواء في الأسواق المحلية أو الدولية، وهذا يعني أن الموانئ لم تعد مجرد مرافق لاستيراد وتصدير البضائع، بل أصبحت مراكز للتنافسية الاقتصادية، تقاس قيمتها بقدرتها على اختصار الوقت، وخفض التكاليف، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وجذب الاستثمارات، فكل ساعة يتم توفيرها في الميناء تعني تكلفة أقل للمستثمر، وكفاءة أعلى لسلاسل التوريد، وجاذبية اقتصادية أكبر. 

قد تكون مشكلتنا الأساسية هي أن كثيرا من المختصين في العديد من الشركات والجهات الحكومية المعنية بتطوير الموانئ وتعظيم مكاسبها الاقتصادية والإشراف على مختلف الأعمال فيها يتناسون أهمية الوقت في إدارة المنظومة مركزين فقط على الترويج للموانئ وإمكانياتها والموقع الاستراتيجي دون النظر إلى الأبعاد الاقتصادية الأخرى لأي بضاعة تصل إلى الموانئ أو تغادر منها، ولهذا فإن اهتمامهم ينصب على الميناء أكثر مما يشمل باقي أجزاء المنظومة، وما دام تركيزنا في هذا المقال على «الوقت» فإن الفكرة الرئيسية التي نود تسليط الضوء عليها هي أن الميناء لم يعد نقطة عبور للبضائع، بل أصبح جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة تُدار بالوقت؛ بمعنى أن أهمية الوقت في أيّ ميناء لا تقتصر على سرعة رسو السفن أو تفريغ الحاويات ومناولة البضائع، بل تمتد إلى كل حلقة من حلقات سلسلة الإمداد، بدءًا من دخول السفينة إلى الميناء، مرورًا بالمناولة والتخليص الجمركي والتخزين والنقل البري، وانتهاءً بوصول البضائع إلى المصانع والأسواق والمستهلكين، وعلى المستوى المحلي فإن حلقات سلسلة الإمداد تبدأ من المصانع والمحاجر التي تصدر بضائعها إلى الأسواق الإقليمية والدولية وكل تأخير في إحدى هذه الحلقات ينعكس على بقية أجزاء المنظومة ويرفع بالتالي تكاليف النقل والتخزين ويؤخر عمليات الإنتاج والتوزيع ويؤثر في قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها تجاه زبائنها. 

وانطلاقا من هذه الفكرة فإن الميناء لا يمكنه أن يعمل وحيدا وبمعزل عن باقي أجزاء المنظومة؛ لأنه - ببساطة - يمثل حلقة الوصل الرئيسة بين المنتجين والمصدرين من جهة، والمستوردين من الشركات والمصانع والأفراد في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية من جهة أخرى، فنجاح الميناء لا يقاس بعدد السفن التي يستقبلها أو حجم البضائع التي يناولها فحسب، 

**media[3477918]**

بل أيضا بدوره في ضمان انسيابية حركة التجارة، استيرادا وتصديرا، عبر مختلف المرافق اللوجستية المرتبطة به، ولهذا فإن الموانئ الحديثة أصبحت اليوم تقود منظومات لوجستية متكاملة ولديها فريق عمل نشط يركز على تعزيز دور الميناء في الحركة الاقتصادية محليا وإقليميا ودوليا ولديه علاقات مع مختلف أجزاء المنظومة ويعقد اجتماعات عديدة مع الجهات الحكومية المعنية والشركات المحلية والدولية والمصدرين والمستوردين وخطوط الشحن لتعظيم المكاسب الاقتصادية للميناء، هذا بالإضافة إلى خطط شركة الميناء لتطوير مرافق الشحن والتخزين ومناولة البضائع والحاويات وتقديم التسهيلات التي يحتاج إليها المصدرون والمستوردون وتنمية قدرات الموارد البشرية العاملة لديها وتعزيز كفاءتهم وخبراتهم، والهدف من هذا كله ليس مجرد تسريع حركة البضائع، وإنما اختصار الزمن وإدارة الوقت في جميع مراحل سلسلة الإمداد؛ انطلاقا من الفكرة المحورية التي نناقشها في هذا المقال وهي أن القيمة الحقيقية للميناء تكمن في الدور الذي يقوم به لتعزيز النمو الاقتصادي وتنمية القطاعات الاقتصادية المرتبطة بسلاسل الإمداد؛ استيرادا وتصديرا وتسهيل انتقال البضائع إلى وجهاتها النهائية، وعندما تنجح الموانئ في إدارة الوقت بكفاءة، فإن انعكاسات ذلك لا تقتصر على الإيرادات التي تحققها شركة الميناء فقط وإنما تُسهم أيضا في دعم تنافسية الصناعات الوطنية وتمكين المصدرين العمانيين من الوصول إلى الأسواق العالمية في المواعيد المحددة، وفي الوقت نفسه توفر للمستوردين من المصانع والشركات العمانية احتياجاتهم دونما تأخير، وهي - أي شركة الميناء – في كل هذا تساعد الشركات على خفض تكاليفها التشغيلية وتقليل حجم المخزون وتعزيز دور التصنيع، وهكذا؛ فإن إدارة الوقت والاهتمام به من قبل الموانئ ينعكس إيجابا على مختلف القطاعات الاقتصادية وليس فقط القطاعات المرتبطة بالموانئ فقط. 

إن نجاح الموانئ في إدارة الوقت في هذه السلسلة المترابطة لا يقتصر فقط على ما تقدمه لتنمية التجارة المحلية وتنشيط الصناعات التصديرية واستقطاب الاستثمارات فقط، بل يشمل أيضا دورها لتنمية قطاع إعادة التصدير «الترانزيت» نظرا لما تمتلكه من إمكانيات عديدة لتفعيل هذا القطاع وتعظيم مكاسبه الاقتصادية، وكما نعلم فإن قطاع إعادة التصدير أصبح أحد أبرز مجالات التنافس بين الموانئ العالمية، فشركات الشحن العالمية لا تختار موانئ «الترانزيت» بناء على الموقع الجغرافي وحده، بل تنظر أيضا إلى قدرة الموانئ على إنجاز عمليات التفريغ والمناولة وإعادة الشحن في أقصر وقت ممكن، وكلما انخفض زمن بقاء السفن والحاويات داخل الميناء ارتفعت جاذبيته لشركات الملاحة وتعززت فرصه في استقطاب المزيد من الخطوط الملاحية وتنشيط تجارة «إعادة التصدير» بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني. 

وبناء على ما ناقشناه في هذا المقال فإن هناك حقيقة لا يمكن الجدال بشأنها وهي أن السرعة أصبحت أهم من التكلفة، فما جدوى أن تكون رسوم المناولة والتخزين منخفضة إذا كان تخليص البضائع يستغرق وقتا أطول من المعتاد أو أن السفن تظل على رصيف الميناء لعدة أيام أو أن المصدّرين لا يجدون خطا مباشرا إلى الأسواق المستهدفة، والمستوردون يعانون من بطء الإجراءات في الميناء؟! وباختصار فإن الوقت الذي يضيع في أي حلقة من حلقات سلسلة الإمداد يعني ارتفاع التكلفة على المستوردين والمصدرين وقد يؤثر على خطط الشركات الملاحية لاعتماد الميناء ضمن خطوطها المباشرة وتوصياتها للمتعاملين معها. 

إن المكاسب المتوقع تحقيقها من إدارة الوقت في قطاع الموانئ عديدة ولا يمكن حصرها في مجال واحد كما أشرنا إلى ذلك في هذا المقال، وهذا يتطلب مزيدا من الاهتمام بإدارة الوقت في هذا القطاع الحيوي؛ انطلاقا من حقيقة راسخة هي أن الوقت أصبح موردا اقتصاديا ولم يعد مجرد زمن، فالساعةُ التي يتم إهدارها في أي حلقة من حلقات سلسلة الإمداد تعني الكثير لدى المستوردين والمصدرين بعد أن أصبح «الوقت» هو الذي يحدد توجهات المستثمرين والشركات الملاحية، وإذا أردنا تعظيم مكاسب موانئنا فعلينا أن نولي هذا الأمر مزيدا من العناية والاهتمام في عالمٍ يسابق الزمنَ ويرفض تأجيل عمل اليوم إلى الغد. 

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية