اعتدنا أن نبحث عن قوة الاقتصاد في الأشياء التي نستطيع رؤيتها وقياسها ماديًا وفي حجم ما تنتجه الدول وتصدره، ولكن جزءا متزايدا من القيمة في الاقتصاد الحديث بات يتكون في مكان آخر، في أصول لا يمكن حملها أو وزنها وربما لا تظهر حتى في الميزانيات، حيث بات من الممكن لبرنامج طوره فريق صغير قد يستخدمه الملايين، واسم تجاري تم بناءه خلال سنوات أن يصبح أثمن من المصانع التي تنتج السلعة نفسها، كما يمكن لقاعدة بيانات أو تصميم أو براءة اختراع أن تمنح شركة صغيرة قدرة على المنافسة في عشرات الأسواق. 

هذه هي الأصول غير الملموسة ماهي إلا عالم واسع يضم برمجيات وقواعد بيانات وجهود من البحث والتطوير والتصميم والملكية الفكرية والعلامات التجارية والمعرفة التنظيمية، وهي أصول تشترك في أنها تتطلب استثمارا اليوم وتستطيع إنتاج قيمة لسنوات لاحقة تماما كما تفعل الآلة في المصنع، لكن الفارق أن الآلة مصنوعة من الحديد بينما تصنع هذه الأصول من المعرفة والأفكار والعلاقات. 

ومن هنا يفتح عددنا هذا ملف الاقتصاد غير الملموس ليتتبع القطاعات التي تعمل أحيانا تحت سطح الأرقام، ويناقش كيف تغير مفهوم رأس المال حين أصبحت الأفكار والبيانات والسمعة والمعرفة أصولا اقتصادية، وكيف تستطيع الدول والشركات قياس ثروة لا يمكن رؤيتها بالعين، كما نتطرق لقيمة البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية و العلامات التجارية والسمعة وما تضيفه إلى قيمة الشركات، بالإضافة للبيئة التي تسمح بتحويل المعرفة إلى ابتكار، كما ويحضر القطاع الخاص في هذا النقاش بوصفه أحد الأماكن التي تتحول فيها المعرفة إلى منتجات وأسواق، وننظر إلى تجربة فيتنام التي تحاول اليوم نقل شركاتها المحلية إلى قطاعات أعلى قيمة مثل أشباه الموصلات والبنية الرقمية والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم، مع توجيه مزيد من الموارد نحو العلوم والتكنولوجيا والابتكار. 

وعن سلطنة عمان، يفتح العدد في كل موضوع نافذة على سؤال مفاده: كم من القيمة التي نملكها اليوم تختبئ في علامة بنيناها أو معرفة تراكمت عبر سنوات أو نموذج عمل طورناه أو بيانات نملكها أو خبرات اكتسبناها، وكيف يمكن تحويل هذه الأصول غير الملموسة إلى قيمة اقتصادية أكبر، وإلى أفكار ومنتجات وخدمات قادرة على المنافسة والانطلاق للأسواق العالم. 

رحمة الكلبانية محررة الملحق