العُمانية/ يواجه الشباب تحديًا متزايدًا في الحفاظ على التوازن النفسي والذهني في ظل التسارع الرقمي والتدفق المعلوماتي المستمر، وقد ظهرت توجهات شبابية تدعو إلى الهروب المؤقت من ضجيج الحياة اليومية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى فترات من الهدوء والسكينة.
وأسهم التنوع البيئي والجغرافي للطبيعة العُمانية، في توجيه العديد من الشباب إلى استثمار أوقات الفراغ عبر أنشطة مختلفة كالتخييم والاستجمام في المناطق الباردة والنائية بعيدًا عن ضوضاء المدن؛ وذلك بهدف إعادة شحن الطاقات، وبناء السلام الداخلي وتعزيز الصحة النفسية.
في البداية تتحدث بدرية بنت حمد المشرفي باحثة في قضايا المواطنة، عن كيفية تقييم المجتمع العُماني لتوجه الشباب نحو العزلة المؤقتة والبحث عن السكينة، وقالت: يتقبل المجتمع العُماني حاجة الشباب للعزلة المؤقتة بسبب ضغوط العصر الرقمي المتسارع، وضغوط الحياة المختلفة المهنية منها والشخصية والأسرية والصحية والنفسية والاقتصادية، وتعد الخلوة ظاهرة صحية؛ إذ يجد الشباب فيها متنفسًا وتجديدًا لنشاطهم النفسي والروحي والبدني، فمنهم من يملؤها بالقراءة والكتابة والرحلات في الطبيعة العُمانية بين تلك الجبال الشاهقة والسهول الهادئة والبحار الصافية والرمال الذهبية، وممارسة الرياضة والهوايات المختلفة، بعيدًا عن صخب العالم الافتراضي وضجيج الحياة.
**media[3477692]**وأضافت: لتكون هذه الخلوة مفيدة وتترك أثرًا إيجابيًّا على صحة الشباب النفسية والجسدية، لابد من التخطيط المسبق لها، ويشمل ذلك تحديد الهدف من العزلة والمدة الزمنية والابتعاد عن المشتتات الرقمية مثل الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية، إضافة إلى تقييم أثر العزلة بشكل دوري وتنويع أنشطة العزلة وملؤها بالهوايات المختلفة، لتتحول العزلة إلى تجربة إبداعية لها طابعها الخاص.
وأكدت على أن عملية البحث عن السكينة والسلام الداخلي وفترات الهدوء للشباب، وزرع بذور الإيجابية في حياتهم، أصبحت مهارة حياتية ضرورية لا تقل أهمية عن المهارات الأخرى التي يجب تعلمها وإتقانها، وممارستها كعادات يومية من أجل حياة أكثر استقرارًا وسعادة.
وفيما يتعلق بالقيم والعادات في التراث العُماني التي تعزز فكرة التأمل والارتباط بالأرض والهدوء، أوضحت أن التراث العُماني حافل بالعديد من القيم والعادات المعززة للتأمل والتفكر والصفاء الداخلي، والارتباط الوثيق مع الأرض، والانسجام مع الطبيعة الغناء في القرى والواحات والجبال.
وأشارت إلى أن التنوع الجغرافي الذي تتميز به البيئة البحرية العُمانية وفّر مساحات مثالية للتأمل والخلوة في الطبيعة، فممارسة أنشطة الغوص العميق أو الإبحار الطويل أو السفر الشراعي تحتاج إلى اندماج كامل مع حركة الأمواج والتيارات البحرية وبالمثل فإن المكوث في الصحراء لأيام أو أسابيع يمنح الإنسان عزلة خاصة، تدفعه للتأمل في النجوم ومراقبة الكثبان الرملية، ليشعر بالسكينة المطلقة والاسترخاء.
وفيما يتعلق بقدرة الشباب على تحقيق التوازن بين التزاماتهم الاجتماعية ومسؤولياتهم، وبين حاجتهم الشخصية للهدوء، قالت بدرية المشرفية: يعد تحقيق التوازن بين الالتزامات الاجتماعية والحاجة الشخصية للهدوء أمرًا مهمًّا، ما يؤثر بشكل كبير على جودة حياة الشباب، ويمنع ما يسمى بـ "الاحتراق الاجتماعي"، ويحافظ على صحتهم النفسية والعقلية، ويخفف من مستويات الإرهاق والتوتر، ويعزز الرفاه النفسي والشعور بالسعادة والرضا، والتحفيز والطاقة الإيجابية؛ والتي تنعكس إيجابيًّا على أدائهم المهني.
**media[3477693]**من جانبها، قالت ريم بنت حمد الرواحي، أخصائية إرشاد وتوجيه نفسي: "تمثل فترات الهدوء والابتعاد المؤقت عن المؤثرات الرقمية إحدى الممارسات الداعمة للصحة النفسية، لا سيما في ظل نمط الحياة المتسارع، وإذا أردنا أن نفهم أثر هذه الفترات علميًّا، فعلينا في البداية أن نفهم كيف يتعامل الدماغ البشري مع المثيرات المتلاحقة؛ فالاستقبال المستمر لهذا الكم الهائل من الإشعارات والمعلومات الرقمية قد يفرض عليه عبئًا معرفيًّا متزايدًا ومع استمرار هذا النمط، قد يظل الجهاز العصبي في حالة من التأهب، وهو ما قد يؤثر في القدرة على التركيز وتنظيم الانفعالات واتخاذ القرارات".
وأضافت: "من خلال عملي في مجال الإرشاد الطلابي والنفسي، أجد أن كثيرًا من الشباب، ولا سيما طلبة الجامعة، لا يعانون من كثرة المسؤوليات بقدر ما يعانون من كثرة المثيرات المحيطة بهم، فالعقل الذي لا يجد فرصة للراحة الذهنية يصبح أكثر عرضة للتشتت والإجهاد النفسي، حتى وإن لم يكن صاحبه يواجه ضغوطًا استثنائية".
وأضافت: توضح نظرية استعادة الانتباه في علم النفس، أن قضاء الوقت في أماكن طبيعية وهادئة يساعد على تقليل الإرهاق المعرفي، واستعادة القدرة على التركيز، وزيادة الصفاء الذهني، كما أن الابتعاد المؤقت عن المؤثرات الرقمية يخفف الضغط الناتج عن تدفق المعلومات المستمر، ويمنح الإنسان فرصة لإعادة ترتيب أفكاره واستعادة توازنه النفسي، والتعامل مع الضغوطات بمرونة أكبر.
وفي الحديث عن مدى قدرة الشباب على التمييز بين العزلة الإيجابية الداعمة للنمو والعزلة السلبية التي قد تقود إلى الانسحاب الاجتماعي، أوضحت الرواحية: من الناحية النفسية لا تقاس العزلة بعدد الساعات التي يقضيها الإنسان بمفرده، بل بالغاية منها والأثر الذي تتركه في حياته، فالعزلة الإيجابية هي مساحة يخصصها الفرد لنفسه ليهدأ ويراجع أفكاره، ويستعيد توازنه النفسي، ثم يعود بعدها أكثر قدرة على التواصل والإنجاز والتعامل مع تحديات الحياة، أما العزلة السلبية، فهي انسحاب تدريجي من العلاقات والأنشطة لتجنب مشاكل الحياة أو صعوبة التعامل معها، و مع مرور الوقت قد تؤدي إلى الشعور بالوحدة، وضعف الشغف وتراجع الإحساس بالانتماء.
وأشارت إلى أن بعض الشباب يخلطون بين حاجتهم إلى فترات من الهدوء واستعادة التوازن وبين الانسحاب من العلاقات والمسؤوليات، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى لحظات يخلو فيها بنفسه لكن هذه اللحظات ينبغي أن تمنحه طاقة للعودة إلى الحياة بدلاً أن تقطعه عنها.
وبيّنت أن الشاب الذي يجد أن عزلته التي تجعله أكثر هدوءًا ووضوحًا في أفكاره وإقبالاً على مسؤولياته، فهي غالبًا تكون عزلة صحية، أما إذا صاحبها الإهمال في الدراسة أو العمل، أو الابتعاد عن الأسرة والأصدقاء، أو فقدان الرغبة في الأنشطة التي اعتاد الاستمتاع بها، فهنا يجب علية التوقف والانتباه؛ فقد تكون هذه العلامات تدل على ضغوط نفسية وتستدعي طلب الدعم من المختصين.
وترى الرواحية أن تخصيص أوقات منتظمة للابتعاد عن الشاشات، وممارسة النشاط البدني، وقضاء بعض الوقت في الطبيعة، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية الداعمة، كلها أساليب تدعم التوازن النفسي، مضيفة أنه من المهم أيضًا أن يمنح الإنسان نفسه فرصة لمراجعة أولوياته وقيمه؛ لأن وضوح المعنى والغاية يعزز من القدرة على التكيف مع الضغوط، ويدعم شعوره بالرضا والاستقرار النفسي.
وأشارت إلى أن الشباب لا يحتاجون اليوم فقط إلى البحث عن حياة خالية من الضغوط فهذا أمر مستحيل، بل هم بحاجة ضرورية إلى تعلم المهارات التي تساعدهم على استعادة هدوئهم كلما تسارعت وتيرة الحياة، وترى أن السلام الداخلي ليس محطة نصل إليها، بل أسلوب حياة نبنيه بممارسات واعية ومنتظمة تجعلنا أكثر قدرة على الحفاظ على توازننا مهما تغيرت الظروف.
وقال عبدالله بن يوسف البلوشي مدرب وصانع محتوى تقني عن الواقع الرقمي: "الحل ليس في الابتعاد الكامل عن المنصات، لأن التقنية أصبحت جزءًا من الدراسة والعمل والتواصل، وإنما في بناء علاقة متوازنة معها، ومن المهم أن يراجع الشخص مدة استخدامه أسبوعيًّا، وأن يلاحظ التطبيقات التي تستهلك وقته، ثم يضع لنفسه حدودًا واقعية قابلة للتطبيق".
**media[3477691]**وأشار إلى أن ممارسة الرياضة والقراءة واللقاءات المباشرة والهوايات المختلفة تعيد للإنسان قيمة الشعور بالوقت وتمنحه التجارب الحقيقية التي يستمد منها أفكاره، وبالنسبة لصانع المحتوى تحديدًا، فإن الحياة خارج الإنترنت ليست عائقًا أمام الإنتاج، بل هي المصدر الأساسي للتجارب والقصص والمعرفة التي تجعل المحتوى أكثر قيمة وتأثيرًا حقيقيًّا ومستمرًّا.
وبيّن أن العالم الرقمي مساحة كبيرة للتعلم والعمل وبناء الفرص، لكنه لا يجب أن يسيطر على حياتنا حيث إن النضج الرقمي هو أن تستخدم التقنية لخدمتك، لا أن تصبح أنت خاضعًا لها، وأن تحقق توازنًا حقيقيًّا بين حضورك على الشاشة وحضورك في حياتك الواقعية.
وفي الحديث عن البُعد البيئي والسياحي، وكيف تسهم البيئة الجغرافية والتنوع الطبيعي في سلطنة عُمان في توفير بيئة مثالية للاسترخاء، قال جهاد خالد الفارسي، مهتم بالحياة الفطرية: تتميز جغرافية سلطنة عُمان بتنوع بيئي وتضاريسي استثنائي، فهي تجمع بين الجبال الشامخة والصحاري الواسعة والسهول والأودية والسواحل الممتدة والبيئات الموسمية الخضراء، وهذا التنوع لا يصنع مشاهد طبيعية آسرة فحسب، بل يسهم في توفير مساحات هادئة تمنح الشباب فرصة للابتعاد المؤقت عن صخب المدن والتسارع الرقمي وكذلك تمكنهم من الانخراط في تجارب تأملية تعيد التوازن النفسي والذهني وتساعدهم على تجديد الطاقة واستعادة صفاء الذهن.
**media[3477689]**وفيما يتعلق بكيفية تحويل العودة إلى الطبيعة إلى أسلوب حياة مستدام لدى الشباب، يرى الفارسي أن ذلك يتطلب تبني مفهوم السياحة المسؤولة والأثر الصفري، فالعزلة الإيجابية لا تعني الانفصال عن المسؤولية تجاه المكان، بل تعني بناء علاقة أكثر وعيًا واحترامًا مع البيئة ويبدأ ذلك بالالتزام بمبدأ لا تترك أثرًا سوى خطواتك، ولا تأخذ من الطبيعة سوى الصور والذكريات، عبر جمع المخلفات وإعادتها، وتجنب رمي النفايات أو حرقها، وعدم الاحتطاب أو الإضرار بالأشجار البرية المعمرة، وتجنب إزعاج الحيوانات البرية أو الاقتراب من مواقع تكاثرها، واختيار مواقع التخييم المسموح بها، والالتزام بتعليمات الجهات المختصة.
وأكد أن الطبيعة العُمانية ليست مجرد مكان نزوره حين نحتاج إلى الراحة، بل هي نظام حي نحن جزء منه، ومسؤولون عن حمايته واستدامته وكلما ارتبط الشباب بالطبيعة بوعي واحترام، تحولت رحلاتهم إلى الجبال والشواطئ والصحاري من لحظات استجمام مؤقتة إلى سلوك حضاري يعزز الانتماء للوطن، ويحافظ على ثرواته الطبيعية للأجيال القادمة.