أنفقت كل مدخراتي لشراء جهاز «آيبود تاتش» متصل بشبكة «واي فاي»، قبيل بلوغي الثالثة عشرة. ومن هناك تبدأ ذكريات كثيرة في حياتي؛ فقد كان الجهاز بوابتي إلى التجارب التي أسهمت في تكويني، وإلى خفقان الإعجاب الأول، ثم إلى آخر رسالة نصية أُرسلت عقب انفصالنا.

تعلّمت العلاقات العاطفية عبر الشاشات، وتعرّفت إلى الخطر من خلال لقطات الشاشة. ومثل كثيرين من أبناء الجيل «زد»، أرى علامات التبويب المفتوحة في متصفح «سفاري» امتدادا لأشد زوايا عالمي الداخلي خصوصية.

وبالنسبة إلى معظم أبناء جيلي، غالبا ما تكون إحدى علامات التبويب تلك مفتوحة على روبوت للمحادثة.

عندما أكتب عن الذكاء الاصطناعي والحميمية، يميل الناس إلى تخيّل رفيقات عاطفيات من صنع الذكاء الاصطناعي، أو أشخاص مهووسين بالتكنولوجيا. ويفترض التصور السائد أن مستخدمي روبوتات المحادثة لإدارة حياتهم الاجتماعية والعاطفية لا بد أن يكونوا من الحالات المتطرفة.

لكنني وجدت، من خلال أحاديثي مع أبناء آخرين من الجيل «زد»، أن الشباب يعتمدون عاطفيا على الذكاء الاصطناعي بدرجة تفوق ما ندركه. وهذا الاعتماد يغيّر علاقاتنا بطرائق خفية، ويطاول حتى الأشخاص الذين لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي قط. فعندما يتدفق قدر هائل من الدعم الاصطناعي إلى عوالم المحيطين بنا، تختل الآليات التي نبني بها الحميمية، ويصبح الجميع أكثر شعورا بالوحدة، ولو قليلًا.

وفي أثناء تأليفي كتابا عن الذكاء الاصطناعي والعلاقات الإنسانية، أجريت مقابلات مع أشخاص في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم، من مختلف أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، وسألتهم عن الكيفية التي يستخدمون بها روبوتات المحادثة. وصلت إليهم من خلال دعوات للمشاركة في البحث، ومتابعات مع القراء، ومعارف الأصدقاء. وقد أتاحوا لي الدخول إلى أكثر خبايا نفوسهم حميمية. وفي بعض الحالات، كنت الشخص الوحيد الذي أخبروه يوما باستخدامهم روبوتات المحادثة.

ومع أنهم كانوا يتحدثون إلى روبوتات المحادثة يوميا، حافظ معظمهم على حياة اجتماعية حافلة، بل إن الذكاء الاصطناعي أغنى تلك الحياة بطرائق كثيرة. أخبرني عدد من الذين قابلتهم أنه ساعدهم على التفكير في علاقاتهم بقدر أكبر من الوضوح والتروي.

لكنه بدأ أيضا يشكّل الهيكل الذي تستند إليه قراراتهم المهمة؛ فيشجعهم على إنهاء بعض العلاقات، أو يدفعهم إلى تهدئة خلافات حكم بأنها لا تستحق إهدار وقتهم فيها. قال لي لافيش داكش، وهو شاب في الحادية والعشرين يعيش في ألمانيا: «إذا كنت أكثر عقلانية وأقل عاطفية، فهذا يعني أنني أحسن التصرف». وأضاف أن الذكاء الاصطناعي أتاح له اتخاذ قرارات أكثر اتزانا، لكنه تحدّث أيضا عن رغبته في استبعاد العاطفة من علاقاته بالكامل.

وقال شخص آخر قابلته، وهو بريطاني يبلغ السابعة والعشرين: إنه يستخدم الذكاء الاصطناعي بوصفه «محرك بحث جوجل متقدمًا» لحياته الشخصية، يمتلك القدرة على تذكّر تسلسل مشاعره عندما تنتابه المشاعر نفسها مرة أخرى. وكان يشعر براحة أكبر حين يعرض مشاعره أولًا على «شات جي بي تي»، قبل أن يشاركها مع شخص آخر. فالأفكار الاقتحامية ينبغي تحييدها، أما الأصدقاء فللمرح والضحك.

تُنتج الحميمية الاصطناعية ما يسميه الاقتصاديون «الآثار الخارجية السلبية»، أي التكاليف الخفية التي لا يتحملها صاحب الاختيار، بل تقع على العلاقات المحيطة به، فتغيّرها ولو بدرجة ضئيلة للغاية. أخبرني مايك جيفكوت، وهو معالج نفسي منذ أربعة عشر عامًا، بأنه لا يشارك أصدقاءه المشاعر الصعبة نفسها التي يشاركها مع الذكاء الاصطناعي. فهو يفضّل أن يخوض وحده عملية فهم تجاربه الروحية والعاطفية. وتساءل: «من يستطيع ويرغب في أن يكون صادقًا، وأن يهيئ لك مساحة آمنة، وأن يمتلك الكفاءة للتعامل مع المحتوى المربك الكامن في لاوعيك؟».

تتراكم الحميمية من خلال أفعال متكررة من الانكشاف أمام الآخر، عبر اللمس والمشاعر والأفكار والثقة. إنها رأس مال التواصل الإنساني، ومن خلالها ينقل بعضنا إلى بعض شعورًا بأن الآخر يرانا ويفهمنا وأننا معه في أمان. وفي كل مرة يقدّم فيها روبوت المحادثة بديلًا مصطنعًا لعبارة «أنا أفهمك»، أو «أعتقد أن هذا القرار هو الأكثر تعبيرًا عنك»، تفقد الكلمات التي اعتدنا جميعًا الاعتماد عليها لنقل المعنى الإنساني شيئا من قيمتها، وشيئا من إنسانيتها.

من السهل ألا ننتبه إلى انكفاء أصدقائنا. فالمحادثات الحميمة مع الذكاء الاصطناعي ليست نادرة؛ إذ أفاد قرابة ثلثي المراهقين الذين يستخدمون روبوتات المحادثة، وفقًا لاستطلاع حديث، بأنهم يبحثون فيها أساسا عن الصداقة أو المشورة. ومع ذلك، كثيرا ما يُنظر إلى الاستخدام المتكرر للذكاء الاصطناعي بوصفه من المحظورات الاجتماعية. وأخبرتني امرأة في الرابعة والثلاثين بأنها كانت تخشى أن يُفزع الرجل الذي كانت ترتبط به بحجم استخدامها لروبوت «كلود». وبعد انفصالهما، أنشأت نسخة منه بالذكاء الاصطناعي كي تفهم أسباب انتهاء علاقتهما على نحو أفضل. وقالت لي، بسرية تامة، إذ لم تكن قد أخبرت أي شخص آخر في حياتها: «إنه أداة تساعدني على استيعاب ما حدث»، حتى تتمكن من طي الصفحة وفق شروطها الخاصة.

وإذا كان اقتصاد الانتباه في العقد الثاني من الألفية قد جعل الحياة الحميمة تبدو كأنها معروضة باستمرار على الملأ، فإن اقتصاد الحميمية قدّم وعدا معاكسا؛ علاقات يقيمها المرء مع روبوت المحادثة الخاص به، ولا يراها أي شخص آخر.

أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بمادة تسد الشقوق في علاقات الشباب؛ فيساعد الرجال على التخطيط لبناء حياة أشد رومانسية مما يستطيع منافسوهم تقديمه، ويمنحنا كلمات المواساة التي لم يتمكن أصدقاؤنا من العثور عليها. وفي الآونة الأخيرة، أخذ هذا الدور يخرج من الظل. فقد باتت عبارة «لقد قال لي ذكائي الاصطناعي...» جزءا عاديا من أحاديث أصدقائي.

كتب إليّ أحد أصدقائي بعدما عاد إلى منزله بعد أن قابل خطيبته وكان مفعما بالسعادة ومتلهفا إلى مشاركة ما جرى مع شخص ما. ولأن رفاق سكنه كانوا نائمين، أعطى روبوت المحادثة هذا التوجيه: «تصرّف كأنك زميلي في السكن بعدما عدت للتو من هذا الموعد». أسرعتُ في الرد على رسالته، فتحدث إلي. لكنني لو لم أفعل، لكان ذلك الحوار قد عمّق صلته بـ«كلود» بدلًا مني، وعلى حساب صداقتنا.

تميل التقنيات الجديدة إلى إرباك التوازن الاجتماعي القائم. فبعدما دخلت الهواتف الذكية إلى حياتنا، صار الانتماء إلى مجموعة من الأصدقاء يعني أن تكون متاحا للاتصال بك طوال الوقت، ومشاركا دائما في المحادثات الجماعية. لم يُبطئ الذكاء الاصطناعي وتيرة تواصلنا، لكنه ربما يغيّر مضمون ما نتبادله. والآن، في ظل وجود أداة جاهزة لتنعيم خشونة أفكارنا وإضفاء طابع عقلاني عليها، نجد أنفسنا أقل تلقائية بعض الشيء مع الآخرين، وأقل استعدادا لكشف مواطن ضعفنا أمامهم.

لا أستخدم «كلود» في شؤون حياتي الشخصية. لكنني، مثل معظم أبناء الجيل «زد»، أكثر قابلية للانجذاب إلى إغراءاته مما أتصور. لطالما كان هاتفي جزءًا مني. ومثل كائن سيبراني، لا أتذكر وقتا لم يكن فيه ملازما لجسدي، امتدادا لذاتي ولدماغي، ومستقرا بأمان في جيبي. الشباب أبناء البيئة الرقمية؛ ومن الطبيعي أن نجد في هذا الجهاز الصغير علاجا لما تثيره مشاعرنا من وخز وقلق. وقد تدفع صداقاتنا ثمن ذلك.

أليس لاسمان خبيرة اقتصادية وكاتبة نشرة «اقتصاد الحميمية» على منصة سابستاك.

خدمة نيويورك تايمز