ينتاب المرء شعورٌ عميق بالرضا الداخلي والبهجة حينما يرى الأمنيات التي سعى لإنجازها تتحقق أمامه في الواقع الملموس. ويزداد هذا الشعور ألقًا عندما يكون الطموح موجهًا لخدمة الآخرين ولغايات ثقافية وإبداعية بحتة، تسهم في صناعة الوعي وبناء الفكر.

وهذا تمامًا ما تجسد في الأسابيع الماضية بمحافظة ظفار، التي شهدت نشاطا أدبيًا استثنائيًا عكس التعاون المثمر بين المؤسسات الحكومية وبين مؤسسات المجتمع المدني في الارتقاء بالمحتوى الثقافي العُماني.

وقد أثمر التعاون في إقامة عدة أنشطة ثقافية ضمن فعاليات «خريف ظفار 2026»، إذ نفذت الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع بلدية ظفار حلقتي عمل متخصصتين في الكتابة الروائية على مدار ستة أيام، احتضنها مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة.

وقد أشرف على الحلقتين والمحاضرتين؛ كاتبان من قامات الكتابة الروائية في الوطن العربي، حيث قدم الحلقة الأولى الكاتب والروائي الكويتي القدير سعود السنعوسي، فيما قدم الحلقة الثانية الكاتب والروائي العراقي الدكتور سنان أنطون، أستاذ الأدب العربي بجامعة نيويورك. كما قدم الضيفان محاضرتين استعرضا خلالهما تجاربهما الإبداعية في كتابة الرواية، تعرّف الحضور على العوالم الروائية، وخلق الشخصيات ورسم الأحداث وإخراجها من مجرد أفكار إلى أحداث وحيوات على الورق.

ندرك أن مخرجات الكتابة الإبداعية لا تتجسد في كتابات قصصية وروائية تثري الساحة الأدبية، بل بصناعة محتوى ثقافي يسهم في الارتقاء بالذوق الجمالي، وتشكيل الوعي المجتمعي. ولكن مع هذه الجهود المبذولة والنجاحات المتحققة، يتحتم علينا بكل شفافية ذكر بعض التحديات التي واجهت هذه الفعاليات.

مثل عزوف شريحة من الجمهور عن حضور المحاضرات الثقافية، وفي مقدمتهم بعض الكتاب والشعراء والأدباء، وهم الفئة المستهدفة والأجدر بالتعرف على تجارب هذه الشخصيات والصعوبات التي اعترضت سُبل نجاحاتهم. يضاف إلى ذلك تسجيل بعض المشاركين في الدورتين ثم الغياب أو الانسحاب، وهو ما يحرم مشاركين آخرين من فرص المشاركة والاستفادة.

بعد تقييم الحلقتين واستعراض آراء المشاركين والجمهور والمتابعين للفعاليات في وسائل التواصل الاجتماعي، فإننا وبكل موضوعية نُقدم الثناء والتقدير لبلدية ظفار الجهة المشرفة على فعاليات وأنشطة «خريف ظفار 2026» على التعاون الملموس مع الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء لإقامة فعاليات ثقافية مستدامة. وهنا نأمل في تحقيق المزيد من الطموحات كبعث مهرجان ظفار الثقافي وإدراجه ضمن أنشطة خريف ظفار خلال الأعوام القادمة، أُسوة بالمهرجانات الدولية التي ترعاها البلدية كمهرجان ظفار المسرحي ومعرض ظفار الدولي للنحت.

وتقوم جمعية الكتاب والأدباء بتنفيذه عبر جلسات شعرية ومحاضرات فكرية، وحلقات عمل في النقد الأدبي والكتابة الإبداعية، وغيرها من الأنشطة التي تثري الساحة الثقافية. ويمكن توسيع المشاركة في المهرجان للجمعيات الثقافية الخليجية واتحادات الكتاب الخليجيين لاستضافة النخب الفكرية والمؤثرة لتعزيز الوعي المجتمعي ومواصلة التبادل الثقافي والتكامل بين أبناء المنطقة.

ختامًا نُدرك أن نتائج حلقات العمل في الكتابة الإبداعية لا تكمن في لحظتها، بل بالاستثمار الطويل الأمد في الوعي الفردي. كما أن نتاجها المعرفي قد لا ينحصر في مجال السرد الروائي أو القصصي، بل قد يمتد أثره في حقول إبداعية أخرى. فالمعرفة المكتسبة من حلقات العمل الإبداعية تسهم في إثراء المجال الثقافي العام، وتبرز العديد من المفردات والموضوعات الثقافية التي تستحق الكتابة عنها وتصديرها إلى العالم.