لو نهض حاكم ذات صباح، فعزم على أن يبدّل دين قومه، أيكون له ذلك؟ 

يبدو السؤال عبثيًا؛ فالدين ليس ثوبا يُخلع مع ثوب الحاكم، ولا مرسومًا يصدر فيُطاع. ومع ذلك يخبرنا التاريخ أن فلاديمير، أمير كييف، اعتنق المسيحية وجعلها دين دولته في أواخر القرن العاشر، فترسخت بعد أجيال حتى غدت من أركان هوية قومه. وعلى النقيض منه، رفع أخناتون عبادة آتون فوق سائر العبادات المصرية، وسخّر لها سلطان الفرعون، وبنى لها عاصمة جديدة؛ فما كاد يموت حتى انحسر ما أقام، وعادت العقائد القديمة إلى سابق مكانها. 

كان كلاهما حاكما. فلماذا امتد أثر أحد القرارين قرونًا، بينما كاد الآخر يُدفن مع صاحبه؟ 

نرى اسم الحاكم في صدر الرواية، ونعرف تاريخ إعلانه، فيتهيأ لنا أنه صنع التحول كله. غير أن القرار لا ينزل على أرض خالية. قد تكون العقيدة الجديدة عرفت طريقها إلى البلاد قبل الحاكم، وحملها التجار أو المهاجرون، ورأت فيها النخبة سبيلًا إلى حليف قوي أو نظام أوثق للإدارة. ثم يأتي رجال الدين والكتبة والمدارس والأموال، فينقلون ما بدأ في القصر إلى حياة العامة. 

ويأتي الزمن. 

ما يبدأ اختيارًا سياسيًا قد يصبح عادة اجتماعية، ثم جزءًا من هوية الناس. أما القرار الذي لا يجد مؤسسة تحمله، ولا جماعة تتبناه، ولا حاجة يجيب عنها، فقد يختفي حين تختفي اليد التي فرضته. لقد حرّك فلاديمير وأخناتون قوى كانت موجودة، لكن أفعال ألوف ممن لا تحفظ الكتب أسماءهم هي التي أتمت ما بدأه الحاكم أو قاومته أو أعادت تشكيله. 

وهنا نبلغ سؤالًا لا يفارق عمل المؤرخ: أيصنع الناس التاريخ، أم يصنعهم التاريخ؟ 

من الناس من يرى وراء كل تحول قائدًا أو مصلحًا. ومنهم من لا يرى الأفراد إلا أمواجًا صغيرة على سطح تيارات عميقة: الاقتصاد، والجغرافيا، والمؤسسات، والمعتقدات، وتوزيع القوة. غير أن التاريخ لا يرينا فاعلًا دون بنية، أو بنية تفعل فعلها دون فاعلين. البنى تقيد الإرادة، ولا تلغيها. 

ومع ذلك نسأل لماذا لا يظهر حاكم عربي فيقرر أن ينقل بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة، فيقيم العدل ويصلح التعليم ويقضي على الفقر. في السؤال محاسبة مشروعة للسلطة، لكنه يضمر تصورًا للدولة كأنها رجل واحد، وللتنمية كأنها أمر يصدر. الدولة إدارة وقضاء ومدرسة وسوق وشبكات من المصالح والاعتقادات، تراكمت في عشرات السنين. قد يبني الحاكم الجامعات، لكن سوق العمل لا يكافئ المعرفة؛ وقد يسن قانونًا للإصلاح، ثم تفرغه البيروقراطية والنفوذ من مضمونه. 

وفهم القيود يجعل محاسبته أدق، لا أيسر. ما الخيارات التي كانت في متناول يده؟ أي القيود كانت حقيقية، وأيها اتخذها ذريعة؟ هل بنى مؤسسات تبقى بعده، أم جعل كل مؤسسة ظلًا لشخصه؟ 

على أن التاريخ لا تحركه المصالح والقوى وحدها؛ فقد تحركه الأوهام أيضًا. والوهم في السياسة ليس بالضرورة كذبة يتعمدها صاحبها، بل قد يكون اعتقادًا راسخًا يرى العالم من خلاله، وينتقي ما يؤيده، ويطرح ما يخالفه. فإذا استولى الوهم على جماعة صغيرة قريبة من القرار، ووجد دولة تحمله، خرج من عالم الأفكار إلى عالم الوقائع. 

وهنا ينبغي التمييز بين الوهم والاستراتيجية. كلاهما يتحدث عن المستقبل، لكن الاستراتيجية تصل الغاية بالوسائل، وتختبر افتراضاتها، وتقدّر ما يملكه الآخر من قدرة على المقاومة، وتترك للخطأ والاحتمال مكانًا. أما الوهم فيبدأ بالنتيجة المرغوبة، ثم يعاملها كأنها النتيجة الراجحة أو الوحيدة. 

كان غزو العراق ثمرة «وهم العراق»: أن إسقاط النظام يساوي بناء الدولة، وأن المجتمع إذا أزيح عنه الطاغية انتظم من تلقاء نفسه في الصورة التي يرسمها المنتصر. غذّى الوهم مناخ الخوف بعد هجمات سبتمبر، والثقة المفرطة بالقوة الأمريكية، وجماعة ضيقة استبعدت الخبرة المخالفة، ثم أتاحت لها قوة الدولة أن تحوّل تصورها إلى حرب. 

كان وراء الغزو أفراد نعرف أسماءهم، وكانت لهم مسؤولية لا تمحوها الظروف. لكن قراءة الحرب بوصفها مؤامرة مكتملة تحجب حقيقةً أدهى: أن أصحاب القوة وقعوا في أسر أوهامهم، فحسبوا قدرتهم على الهدم قدرةً على البناء. 

عرفت واشنطن كيف تسقط النظام، ولم تعرف العراق الذي ظهر من تحت أنقاضه. 

وفي الحقبة نفسها تقريبًا ظهر «وهم الصين». دفعت الولايات المتحدة، عبر إدارتين متعاقبتين وإجماع واسع، إلى إدماج الصين في منظمة التجارة العالمية. كان الاعتقاد أن السوق لن يغير الاقتصاد وحده، بل السياسة أيضا؛ وأن الثروة وتدفق المعلومات سيقودان الصين إلى الانفتاح؛ وأن الدولة التي تدخل النظام العالمي ستصبح حريصة على النظام الذي أفادها. 

كانت تلك عقيدة عصر. غلب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الظن بأن طريق التاريخ قد اتضح، وأن السوق يحمل في أحشائه نظامًا سياسيًا بعينه. غير أن الوقائع جرت على خلاف ذلك؛ فلم تُذِب السوقُ الدولةَ الصينية، بل سخّرتها الدولة لتعزيز قوتها، ولم يروّض الاندماجُ المنافسَ بقدر ما أمدّه بأسباب القوة. 

في العراق بالغ صانع القرار في قدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل مجتمع. وفي الصين بالغ في قدرة السوق على إعادة تشكيل دولة. أحد الوهمين استعان بالحرب والآخر بالتجارة، لكنهما صدرا عن ثقة واحدة: أن الولايات المتحدة تستطيع أن ترسم للآخرين طريق تحولهم. 

ولا يكفي، بعد انكشاف النتائج، أن نقول: لقد أخطؤوا. السؤال الأجدى: كيف صار الوهم استراتيجية دولة؟ كيف اجتمعت المصالح والمخاوف والأفكار حتى بدا خيار واحد قانونًا من قوانين التاريخ؟ ولماذا عجزت الأصوات التي حذرت منه عن بلوغ القرار أو تغييره؟ 

لهذا يحتاج رجل الدولة إلى التاريخ؛ لا ليجد واقعة ينتزعها من سياقها لتبرير قرار عزم عليه، بل ليميز الممكن من المتمنى، والاستراتيجية من الوهم. ويحتاج إليه المفكر وصانع الرأي لئلا يحولا العالم إلى مسرح بسيط: متآمر يعرف كل شيء، وضحية لا تفعل شيئًا؛ أو حاكم قادر على كل شيء، وشعب ينتظر أمره. 

فلا يكفي أن نسأل: من فعل؟ ينبغي أن نسأل أيضًا: أي عالم من الأفكار والمصالح والمخاوف جعل فعله ممكنًا؟ وما البدائل التي استبعدها الفاعلون؟ وأي نتائج قصدها، وأي نتائج أطلقها ولم يقصدها؟ 

عندئذ تبدأ قراءة التاريخ. 

حمد الغيثي كاتب ومترجم عماني