في مقالي السابق تناولتُ تجربة نجاح الشباب العُماني من خلال «مطاحن وتمور الشرع» كنموذج مُلْهِم في تحويل الطموح إلى واقع اقتصادي مزدهر. واليوم أجد نفسي أمام تجربة أخرى لا تقل إشراقًا عن تلك، وهي فوز زيت الزيتون العُماني بثلاث جوائز ذهبية عالمية، ممّا يثبت أنّ قصص النجاح في عُمان متواصلة، وأنّ الشباب العُماني قادر على أن يقول كلمته متى ما هُيئت له الأسباب، والمنتج المحلي قادر على منافسة أرقى العلامات الدولية، إذا ما التزم بمعايير الجودة والابتكار.
الجوائز الثلاث التي حقّقها زيت الزيتون العُماني جاءت من مشروع الجبل الأخضر، وهي ثلاث ميداليات ذهبية في مسابقات دولية مرموقة؛ اثنتان منها في مسابقتي أبوظبي الدولية وجنيف الأوروبية أما الثالثة فهي المسابقة الإسكندنافية الدولية. وقد سبق أن حققت مزارع شؤون البلاط السلطاني جوائز مماثلة، من خلال حصولها على ثلاث جوائز في مشاركتها بمنتج زيت الزيتون البِكر الممتاز المنتج من مزرعة «رياض الجبل» بالجبل الأخضر، وذلك قبل عدة سنوات ضمن مسابقة زيت الزيتون التي أقيمت في جامعة زيوريخ للعلوم التطبيقية بسويسرا. وإذا ما علمنا أنّ التنافس في مثل هذه المسابقات يكون كبيرًا، ويشهد مشاركة منتجات كثيرة من دول عديدة، أدركنا أنّ الجودة العُمانية في الزراعة أصبحت معترفًا بها عالميًّا، وأنّ هذا الفوز تأكيدٌ عالميّ على أنّ الزيت العُماني أصبح ضمن نخبة الزيوت البكر الممتازة، ويمنح المستهلك المحلي والدولي ثقة أكبر في المنتج، ويفتح أبوابًا جديدة للتصدير ويعزز القيمة الاقتصادية للزراعة العُمانية، كما يحمل قصة الجبل الأخضر وبيئته الفريدة، ليصبح الزيت سفيرًا للهوية العُمانية في العالم، ورمزًا للهوية الوطنية، مثلما أصبح زيت الزيتون الإسباني والإيطالي جزءًا من ثقافة تلك الشعوب واقتصادها.
هذا الإنجاز يمثل - في تصوري - حافزًا للشباب العُماني، إذ يثبت أنّ الزراعة، - التي أهملها العُمانيون وتركوها للوافدين ليعيثوا فيها فسادًا -، يمكن أن تكون مجالًا للابتكار وريادة الأعمال، وأنّ الجمع بين التقنيات الحديثة والتراث المحلي هو مفتاح التميز، وأنّ بناء علامات تجارية محلية قوية مثل «أليو» - التي فازت بالجوائز الثلاث - يبرهن أنّ المنافسة العالمية ممكنة، ويمكن للشباب أن يستلهموا التجربة لتطوير منتجات أخرى من البيئة العُمانية، مثل العسل والتمور والأعشاب الطبية والأسماك وغيرها، ليواصلوا مسيرة تحويل الموارد المحلية إلى علامات تجارية عالمية. ولنا مثل في نجاح الشباب العُماني في تربية الربيان الذي يباع محليًّا، إذ يمكن أن يتطور الأمر إلى التسويق العالمي، خاصةً إذا عرفنا حجم طلب مثل هذه السلعة عالميًّا.
ويعد موسم الزيتون في الجبل الأخضر الآن، من أبرز المحطات الزراعية في سلطنة عُمان، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أنّ إنتاجه من زيت الزيتون تجاوز 10 آلاف لتر، بقيمة تُقدّر بنحو 200 ألف ريال عُماني، في حين بلغ عدد الأشجار المزروعة في الولاية أكثر من 17 ألف شجرة موزعة على نحو 50 فدانًا، ومن المتوقع زراعة خمسة آلاف شتلة جديدة من الأصناف الإيطالية عالية الجودة، التي أثبتت ملاءمتها لمناخ الجبل الأخضر.
وإذا كانت هذه الجوائز في منتج واحد فقط من منتجات الزيتون، فكيف يكون الأمر لو استُغلت كلُّ المنتجات الثانوية لهذه الشجرة المباركة التي يشتهر بها الجبل الأخضر؟ أطرحُ هذا السؤال وأنا أقرأ دراسة عن زراعة الزيتون في الجبل الأخضر، أعدّها الباحث راشد بن عبدالله اليحيائي عميد كلية العلوم الزراعية والبحرية في جامعة السلطان قابوس، ونُشرت في موقع «الخليج أونلاين» العام الماضي. تناولت هذه الدراسة فرص الابتكار في استثمار المنتجات الثانوية، مثل أوراق الزيتون ولب الثمار المعصور (التفلة)، التي تُعد موردًا مهدرًا، يمكن تحويله إلى منتجات غذائية وصحية وتجميلية ذات قيمة مضافة، ما يعزز من الجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية للقطاع، وأنّ استغلال كلِّ ذلك، يمثل خريطة طريق متكاملة لتطوير قطاع الزيتون في عُمان، لا بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي فحسب، بل أيضًا لترسيخ مكانة السلطنة كمشارك رئيسي في سوق الزيتون الإقليمي، وتعزيز دورها في دعم الاقتصاد الوطني عبر قطاع زراعي مستدام ومبتكر يجمع بين البحث العلمي والممارسات الميدانية الحديثة.
ما قاله اليحيائي، يعيدني إلى حكاية سردها لي الرحالة أحمد بن حارب المحروقي، عن أمريكيّ كان يشتري من عنده حليب النوق بكميات كبيرة، فسأله: ماذا تفعل بكلِّ هذا الحليب وأنت هنا في عُمان ليس معك إلا زوجتك؟! فأجاب أنه يصنع من ذلك الحليب في بيته أجود أنواع الصابون والشامبو ويرسلها لأمريكا، وعليها إقبال كبير، معدّدًا له فوائد هذا الحليب، من ضمنها أنه يُصنع منه أدوية منها دواء للصدر.
اختفى الرجل فترة من الزمن ولم يعد أحمد يراه في مسقط، حتى لقيه صدفة في صلالة، فقال له الأمريكيّ: «في مسقط كنتُ أشتري الحليب، أما هنا في صلالة فإني آخذه مجانًا، وقد زاد إنتاجي الآن من الصابون والشامبو والكريمات!!».
ليس النجاح التجاري والاقتصادي صعبًا إذن، إذا ما امتلكنا كلمة السر؛ ألا وهي الثقة في المنتج العماني في المشتغلين عليه، وهو ما أكده غانم بن سالم آل ثاني المدير التنفيذي لشركة الفواح للعطريات المميزة، الذي قال إنّ أكبر تحد واجهه وزملاؤه في الشركة قبل أن تكلل زراعتهم للزيتون بالنجاح والجوائز العالمية، تَمَثّل في بناء ثقة المستهلك العُماني بعلامة تجارية جديدة، والتعريف بزيت زيتون الجبل الأخضر، وإبراز قدرته على المنافسة محليًّا ودوليًّا، من خلال الالتزام بأعلى معايير الجودة في جميع مراحل الإنتاج.
وما يجب قوله في هذا الخصوص، ومن خلال متابعتي للمنتج العُماني، فإنّ هذا النجاح العالمي (الفوز بالجوائز) لا يكتمل إلا إذا انعكس على المستهلك العُماني نفسه؛ فبينما يشهد العالم إنتاجًا يتجاوز ثلاثة ملايين طن من زيت الزيتون سنويًّا ويُباع الكيلوغرام في الأسواق العالمية بأسعار مقبولة، نجد أنّ بعض المنتجات المحلية تُطرح بأسعار مبالغ فيها، ما يجعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من الناس. وإذا أردنا أن يكون زيت الزيتون العُماني قصة نجاح متكاملة، فلا بد أن تتوازن الجودة العالمية مع سياسة تسعير عادلة تتيح للجميع الاستفادة من هذا المنتج، وهذا ينطبق على المنتجات العُمانية كلها.
إنّ فوز زيت الزيتون العُماني بثلاث جوائز ذهبية عالمية هو أكثر من إنجاز زراعي؛ إنه رسالة بأنّ الجودة والالتزام بالمعايير يفتحان أبواب العالم، وهو دعوة للشباب العُماني أن يثقوا بقدرتهم على تحويل مواردهم المحلية إلى قصص نجاح عالمية، ولا داعي للاعتماد على العمالة الوافدة في كلِّ شيء، فمن مطاحن الشرع إلى زيت الزيتون العُماني، تتأكد حقيقة أنّ المستقبل يمكن أن يبدأ من أرض عُمان ويصل إلى أبعد الأسواق.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.