غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:
في بقعةٍ تكادُ تكون ملاذَ النزوح الأخير على شاطئ البحر، اقتطعَ جيشُ الاحتلال الإسرائيلي مع ساعاتِ صباحِ الجمعة حيّزًا جديدًا من جغرافية الجنوب. على طريق الرشيد الساحليّ الممتدّ عبر منطقة مواصي رفح، وتحديدًا داخل النطاق الخاضع لسيطرته الميدانية، ارتفعت هيكليةٌ حديديةٌ صفراء اللون. لم تكن مجرد بوابٍة عابرةٍ أُقيمت صمتًا، بل تزامَن نصبُها مع إطلاقِ نارٍ كثيفٍ من آليات الاحتلال نحو خيام النازحين المتراصة؛ مشهدٌ اختزلَ مخاوفَ الفلسطينيين من دخول جنوب القطاع فصلًا أمنيًا وميدانيًا أكثر تعقيدًا وإحكامًا.
طبقًا لشواهد استجمعتها «عُمان»» من شهود عيان في الميدان، يعيدُ هيكلُ البوابة الجديدة إلى الأذهان ذات الهندسة التي يعتمدها الاحتلال عند مدخل كلّ مدينة وبلدة في الضفة الغربية المحتلة. ورغم حجب السلطات الإسرائيلية دوافع هذا التثبيت الميدانيّ وطبيعة التدابير المترتبة عليه، فإن السلوك الميدانيّ المتمثل في الاستهداف المباشر لمواصي رفح برصاصٍ لا يهدأ تقريبًا، يعزز القناعة بأن شريط الساحل يُعاد تشكيله ليصبح بيئةً محكومةً بآلياتِ ضبط جديدة.
لم ينفصل نصبُ البوابة عن سيلٍ من التسريبات المتعلقة بترتيباتٍ تُطبخُ لجنوب غزة. تتحدثُ تلك المعطيات المتداولة عن مقترحٍ لإنشاء «منطقة إنسانية تجريبية» في رفح، صُمِّمت لضمّ عشرات الآلاف من الفلسطينيين الشاردين من أتون الموت، شرطَ خضوعِ كلّ من يحاول الدخول لحاجزِ تدقيقٍ أمنيّ مشدد. ضمن هذا التصور، تتجاوزُ البوابة صفة الممر العابر لتستحيلَ أداةَ فرزٍ وسيطرةٍ مبكرة، وسط حالة من الإبهام الشديد حول الجهة الميدانية التي ستؤول إليها إدارةُ المكان وتوظيفُ معطياته.
تتجاوزُ الرواياتُ المترددةُ نطاق الفرز الأمني لتصلَ إلى طرح المنطقة كمنصة انطلاقٍ لترتيبات إدارية وميدانية انتقالية أوسع، تُعنى بتسيير الشؤون اليومية لغزة فيما بعد انجلاء المعارك. وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذا الطرح في الأوساط المحلية، فإنه يندرجُ حتى اللحظة تحت خانة التسريبات غير المكتملة؛ ما يستدعي قراءتَهُ بحذر بالغة ودون البناء عليه كمعطى سياسي ناجز.
النماذج الدولية والشكوك الشارعية في هذا السياق المتقلب، تكشف وكالة «فرانس برس» نقلاً عن مسؤول في ما يعرف بـ«مجلس السلام»، عن تفاصيل موازية؛ إذ يُطرح مشروعُ المنطقة التجريبية في رفح ليكون مقرا لعمل لجنة فلسطينية تسند إليها إدارة شؤون القطاع اليومية خلال مرحلة انتقالية تُعقب الحرب، وذلك في إطار خطة أمريكية أوسع تتألفُ من عشرين بندًا. يوضح المسؤول ذاته أن هذا المقترح يعتمد على حماية تؤمنها قوةٌ متعددة الجنسيات تتبع لـ«قوة الاستقرار الدولية» (ISF)، ليصحب هذا الشريط الإنساني المفترض بمثابة منطقة عازلة تفصل السكان المدنيين عن تشكيلات الجيش الإسرائيلي.
غير أن تلك الهندسة النظرية يصطدم تطبيقها بجدار صلْب من الشكوك الفلسطينية. فالواقعُ الميداني يشيرُ إلى أن توليد البوابة جرى في قلب نقطة اشتعالٍ تشهد تحركات عسكرية مكثفة واحتكاكًا ناريًا دائمًا. يدفع هذا التناقضُ محللين إلى ترجيح قراءةٍ أكثر سوداوية: الاحتلالُ لا يبحث عن إغاثة، بل يعيد رصفَ المجال الأمني في رفح ويُغلف أدوات السيطرة بطابعٍ تنظيمي أو غطاءٍ إنساني.
توظيف الإغاثة لفرض السيطرة الميدانية
تفكيكًا لهذه الدوافع، يشير المحلل السياسي الفلسطيني خالد السوسو إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستنسخُ أدواتٍ غير مباشرة للسيطرة؛ حيث تُسخَّر العناوين الإنسانية كستارٍ لفرض الواقع الأمني، وذلك بالاعتماد على ميليشياتٍ أو عناصر مرتزقة تابعة لها. الفكرةُ الأساسية — بحسب السوسو — لا تستهدفُ تقليل معاناة المدنيين أو إيجاد ملاذات آمنة، بل ترمي بالأساس إلى إجهاض أي خطوة أو بناء أمني وإنساني يمكن أن يُسهم في احتواء الكارثة أو يستعيد أدنى قدر من التماسك الداخلي.
ويرى السوسو خلال حديثه لـ«عُمان» أن البنية الميدانية للاحتلال تسعى إلى تقويض الكوادر الشرطية والأمنية في قطاع غزة بشكل متصل، بهدف تفريغ البيئة المحلية من أي هيكل قادٍر على الضبط. ومن هذا المنطلق، تكتسب البوابة الساحلية في مواصي رفح بُعدًا آخر؛ فقد تُشكلُ نقطة غطاءٍ وتحركات لتسهيل عبور مجموعات مُحددة، وتوجيه حركة المنطقة بما يخدم أجندة السيطرة العسكرية دون تحمُّل كُلفة المباشرة.
الفوضى كاستراتيجية والمناورة بالدبلوماسية
المسارُ لا يتوقف عند حدود التمكين الميداني للميليشيات؛ إذ يلفت السوسو إلى أن الاحتلال يرفدُ هذه المجموعات بأساليب تكنولوجية حديثة، ويمنحها التغطية اللازمة لحركتها، بما في ذلك إقامة بوابات ومربعات تمركز تُتيح لها مرونة المناورة داخل الجغرافية المستهدفة. الهدفُ النهائي من هذه الهندسة — وفق تقديره — هو استزراعُ الفوضى الممنهجة، وتفتيتُ الموقف الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، وخلقُ حالةٍ من السيولة الميدانية القابلة للاختراق الدائم.
كما ينبه السوسو إلى بُعدٍ آخر يتعلق بإفشال المسارات التفاوضية؛ فحتى مع افتراض أن البوابة صُممت شكليًا لمواكبة انتشار قوات دولية أو لتأمين مساحة مفترضة، فإن الممارسات الإسرائيلية كفيلةٌ بتحويلها إلى بؤرة توتر دائم. هذا التوتير التعطيلي يهدف بالأساس إلى عرقلة العمل الدبلوماسي، وتأخير تسلُّم «قوة الاستقرار الدولية» لمهامها المفترضة، مما يحفظ الواقع الإنساني والأمني في حالة استنزافٍ وسيولة لا تنتهي.
الحسابات الانتخابية ورزمة الرهانات
تكتمل صورة المشهد عند تقاطعه مع الحسابات السياسية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. يُرجح السوسو أن نتنياهو لا يملك أدنى رغبة في تمرير مخرجاتٍ سياسية أو تسوياتٍ في غزة خلال فترة حكمه، ويتعاطى مع البقاء العسكري المباشر ككارت مناورة في الداخل الإسرائيلي. السعيُ المحموم لتقديم واقٍع أمني يُسيطرُ فيه الجيش على أكثر من 60% من مساحة القطاع يندرجُ — وفق التحليل — ضمن الحملة المبكرة لجولة الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر المقبل، حيث يُسوَّق التواجد العسكري كـ«إنجاز ملموس» بدلاً من الانخراط في حلول جذرية.
تقف «بوابة الشاكوش» في مواصي رفح حادّةَ المعالم؛ إذ تتجاوز مجرد كونها قطعة حديدٍ أو إجراءً هندسيًا عارضًا على الطريق الساحلي. إنها رمز لمرحلة شديدة القسوة؛ مرحلة تتشابك فيها التوترات الميدانية في منطقة الشاكوش، مع تسريبات «المناطق الإنسانية التجريبية»، لتكشف عن محاولةٍ صريحة لإعادة رسم جغرافية جنوب القطاع فرضًا للأمر الواقع.