أعاد خبر وفاة المتسلقة العُمانية نظيرة الحارثية إلى الذاكرة خبر وفاة المهندس خالد بن سليمان السيابي قبل سنوات، والذي لم يكن موته مجرد رحيل لمغامرٍ وصل إلى قمة إيفرست. في الحالتين، شعر كثير من العُمانيين وكأنهم فقدوا شخصا يعرفونه، رغم أن معظمهم لم يلتقِ بهما يوما. 

فما الذي يجعل المجتمع يحزن بهذا العمق على أشخاص لا تربطه بهم علاقة شخصية؟ الإجابة لا تكمن في الموت وحده، بل في القصة. 

خالد السيابي لم يكن أول عُماني يصعد إلى قمة إيفرست فحسب، بل كان أول من أثبت أن العُماني قادر على الوصول إلى ما كان يبدو مستحيلاً. وعندما التقت به نظيرة الحارثية، لم تكن متسلقة جبال، بل كانت معلمة جغرافيا اكتشفت شغفها في رحلة إلى كليمنجارو. وكان خالد هو من ألهمها لتبدأ رحلة انتهت بأن أصبحت أول امرأة عُمانية تصل إلى قمة إيفرست، ثم واصلت تحقيق إنجازات غير مسبوقة على عدد من أعالي قمم العالم. لهذا، فإن قصة نظيرة لم تبدأ منها، بل كانت امتداداً ملهماً لقصة خالد. 

نحن لا نتعلق بالإنجازات وحدها، بل بمن يمثلون ما نطمح إليه. نسقط عليهم أحلامنا، ونرى في نجاحهم دليلاً على أن حدودنا ليست ثابتة؛ يصبحون رمزا لما يمكن أن يكون عليه الإنسان عندما يقترن الحلم بالإصرار. 

وهناك سبب آخر يجعل الحزن مضاعفا؛ فكلاهما ترك بصمة ارتبطت بأسمى أشكال الشغف والإصرار. وهذا يثير في داخلنا شعورا متناقضا؛ فنحن نحزن على رحيلٍ جاء في ذروة العطاء، لكننا نملك احتراماً عميقاً لمن عاش حياته متسقاً مع طموحه، ولم يؤجل حلمه إلى وقت قد لا يأتي. وربما أيضاً لأن المجتمع العُماني بطبيعته يميل إلى الاحتفاء بالنماذج الهادئة. خالد ونظيرة لم يصنعا شهرتهما عبر الضجيج أو الظهور المستمر، بل عبر العمل والإنجاز. لذلك، حين غابا، لم يشعر الناس أنهم فقدوا شخصين مشهورين، بل فقدوا نموذجين للأمل والانضباط والتواضع. 

ومن اللافت أيضاً أن نظيرة كانت تتحدث دائماً عن أن الوصول إلى القمم ليس إنجازاً شخصياً، بل رسالة تحمل اسم عُمان. كما كان خالد يقول دائما، لذلك رأى كثيرون في إنجازاتهما نجاحاً وطنياً قبل أن يكون نجاحاً فردياً. ربما لهذا السبب كان الحزن عليهما مختلفاً، فنحن لا نحزن فقط لأن شخصين رحلا، بل لأنهما كانا يذكراننا بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من نقطة عادية جداً، ثم يصل إلى قمة يظن الآخرون أنها بعيدة المنال. 

قد تنتهي حياة الإنسان في لحظة، لكن الأفكار التي زرعها في الآخرين قد تستمر لعقود. ولعل هذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه خالد السيابي، ثم واصلته نظيرة الحارثية: أن القمم ليست أماكن جغرافية فقط، بل حالات إنسانية، يصل إليها كل من يجرؤ على أن يحلم، ويثابر، ويترك أثراً يجعل الغياب مؤلماً، والحضور خالداً. 

 حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية