**media[3476330]**

في زمننا الراهن ومع التحولات الهائلة في مجال التكنولوجيا الرقمية، تغلغلت تلك المستحدثات وأحدثت تغييرات واسعة، فيها ما هو إيجابي ونافع، وفيها ما يتسبب في إحداث تشوهات ملحوظة على صعيد الأسرة والحياة الاجتماعية وخاصة في أوساط الجيل الشاب الذي انغمس في هذا العالم الافتراضي البديل وذهب بعيدا وأسرف في ذلك وخاصة وسط أجيال المجتمعات الغربية وصار سؤال الذات والهُوية سؤالا مريرا لا يجد له مكانا وسط الطوفان الهائل الذي يعصف بالذات الهشة ويحول جيلا كاملا أو جزءا كبيرا منه إلى جيل إشكالي.
يتصدى المخرج البولوني المبدع جان كوماسا لهذه الإشكاليات مجتمعة ليقدم فيلما من إنتاج بولوني – بريطاني يشارك في إنتاجه سينمائيان مهمان ولهما منجز واسع وهما كل من البريطاني جيرمي توماس والمنتج والمخرج البولوني جيرزي سكوليموفيسكي الذي سبق وان أتحف السينما بأفلامه:"هاملت الصغير ومصادر بريئة والحدود والمغادرة، والصرخة وضوء القمر والقتل الضروري و11 دقيقة وغيرها".
أما المخرج كوماسا فهذا هو فيلمه الثامن وهو يعني بما هو مخفي ومؤثر من التداعيات الاجتماعية وحياة المراهقين والانحرافات السلوكية والتشوهات التي تطال الشخصيات التي يعنى بالتركيز عليها. في هذا الفيلم سوف يبدأ بالأجواء الصاخبة لشباب ومراهقين غارقين في عالمهم الذي يختلط فيه العنف والتنمر بصخب النوادي الليلة بتعاطي المخدرات وبالعلاقات التي تتسم بالأنانية والاستغلال. ومن بين هذا كله ينقلنا إلى نموذج صارخ وعينة محددة وهو الشاب تومي - الممثل انسون بون وهو في لغته الشوارعية الفجة وانفعالاته وفوضويته لا يكاد يفرق بين أصدقائه من هو معه ومن هو ضده وهي في تلك الفوضى وشبه فقدانه الوعي بسبب المؤثرات العقلية يتم اختطافه لننتقل نقلة حادة وصادمة إلى عالم آخر.
في منزل ضخم في وسط حدائق وحقول يعيش كريس -الممثل ستيفن غراهام مع زوجته كاثرين - الممثلة اندريا ريسنبروغ وابنهما الصغير الذي هو دون سن المراهقة وها هو كريس يجري مقابلة مع مدبرة منزلية من أوروبا الشرقية لكي تقوم بانتظام بتنظيف المنزل وترتيبه في مقابل عقد عدم الإفشاء بأي شيء يخص العائلة ومن في المنزل.
هذا التحول الحاد والاستثنائي ما بين بداية الفيلم الصاخبة وبين رتابة الحياة في ذلك المنزل، لا يبدو سلسا ولا معتادا إذ استطاع المخرج أن يغرس في أذهان المشاهدين أننا سوف نمضي مع ما بدأ به من حياة الليل ومع أولئك الثملين والعبثيين والمتنمرين لكن ها هي عينة منهم من خلال شخصية تومي وهو مربوط من رقبته بواسطة سلسلة مربوطة بالسقف في قبو أسفل المنزل من دون أن يعلم أو يستطيع التمييز في أي مكان هو وأي زمان.
نظام صارم سوف يخضع له تومي وهو على الرغم من طبعه العنيف والعدواني يفشل في جميع محاولاته لفك قيوده والهرب لكنه سوف يخضع إلى برنامج إجباري يظهر انحرافاته السلوكية وقلة أدبه وهزال تربيته، فيخضع إلى جلسات إجبارية لمشاهدة مقاطع فيديو لسلوكياته التي صار بالتدريج يسأم منها لأنها كانت تتم وهو في خارج وعيه وهو خلال ذلك يقرأ الكتب التي خصصت له ويقيم علاقة ودية مع الطفل ولا يتوقف عن محاولة الهرب والتخلص من المأزق الذي هو فيه.
يقدم لنا المخرج الشخصيات الثلاثة على أنها شخصيات سايكوباثية بل ويوحي لنا بشكل ما انهم ليسوا إلا قتلة متسلسلين وخاصة شخصية كريس المنضبطة الذي يدقق في أبسط التفاصيل ويخضع تومي لنظام صارم ومحكم في تطويقه من دون أن يفهم لماذا وما هي مشكلة تلك الزوجة غريبة الملامح الكئيبة والمنعزلة.
على صعيد السدر الفيلمي سوف نمضي مع بناء درامي متقن وخطوط سردية شديدة التماسك تسير بالشخصيات إلى نهاياتها تتجلى من خلال المشاهد اليومية المتتابعة التي لا تخلف وراءها روتينا ما وتترك أسئلة تتعلق بالذات والجوانب السلوكية وكيف سوف تطرأ على شخصية تومي تغييرات بعد انقطاع أسباب الإفراط في المؤثرات العقلية وعدم وجود كائنات هشة يتنمر عليها ويعنفها.
من جانب آخر، حظي الفيلم باهتمام من لدن العديد من النقاد، وفي هذا الصدد كتبت الناقدة هانا تايلورفي موقع فيلموتومي " إنه تحفة فنية وصياغة مبدعة لقصة إثارة مقلقة تحمل رسالة هامة. هذا العمل ذو سردية مظلمة ومعقدة وتمت معالجته ببراعة فائقة، فهو قصة تستحق بشدة أن تُروى على الشاشة الكبيرة. ويحمل الفيلم في طياته رسائل قيّمة عديدة، بعضها يُطرح بأسلوب ضمني وبعضها الآخر بوضوح تام. وتتمحور هذه الرسائل حول قضايا مثل الأخلاق، والانضباط، وإعادة التأهيل، والأهم من ذلك كله: الفرص الثانية. وتتضافر هذه المحاور الرئيسية لتشكل رسالة شاملة حول "الجيل زد" وسلوكياتهم، وكيف تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل حياتهم".
أما الناقدة جوردين سيرليس في موقع روجر ايبيرت فقد كتب " يُعد هذا الفيلم عملاً يجمع بين الكوميديا ​​السوداء والإثارة، ويقدم مزيجًا بينهما، حيث يشكل زوجان متقلبا المزاج نسخة مظلمة من الأسرة التقليدية، ويُخفي أفراد الأسرة، خلف أدبهم الجم وسلوكهم المهذب للغاية، منظومةً أخلاقية صارمة يأملون في غرسها لدى الضحية. لكن مع مرور الوقت، تتخلى الأسرة عن حذرها وتكشف عن مدى تعلقها به واهتمامها بأمره؛ وهنا تحديداً تبدأ القصة في فقدان تماسكها؛ إذ يبدو أن الفيلم يصب تركيزه على إضفاء طابع مشؤوم ومثير للريبة أكثر من اهتمامه بتعميق ديناميكيات العلاقات داخل المنزل".
ومع مضي المخرج في إعادة تشكيل شخصية تومي العنيفة كعينة من جيل زد نجده وهو يحاول التمسك بصورة الشاب المشاكس، لكنه في المقابل يجد قلبه يلين كلما توطدت علاقته بجوناثان، الطفل ذي العشر سنوات.
خلال ذلك تبرز إشكالية قضايا الشباب المضطربين في المجتمع وصورة جيل ضائع في عالم وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما عني به المخرج والذي سبق له تناول موضوعات مشابهة تتعلق بعزلة الشباب ومخاطر منصات وسائل التواصل الاجتماعي وحيث يلفت نظر كريس ما يقوم به تومي من تصرفات طائشة ومخربة.
ويضعنا المخرج أمام أسئلة إشكالية خلاصتها أن هناك دائماً سببا وراء سلوكيات البشر؛ وفي حالة "كريس" و"تومي"، تنشأ ديناميكية مذهلة قائمة على الشد والجذب، يضفي عليها الممثلان حيوية استثنائية، حيث ينجح كل منهما في نقل الشخصية من النص المكتوب إلى الشاشة ببراعة إلى ما هو واقعي وجدير بالمتابعة والاهتمام مع مساحة متماسكة من التشويق.
والحاصل أن الرسالة الجوهرية للفيلم تكتسب أهمية بالغة من خلال ملامسته واقع مجتمعنا المعاصر بشكل مباشر؛ إذ يتيح لنا الفيلم الاطلاع على وجهتي نظر مختلفتين تمثلان جيلين متباينين يسيران باتجاه قناة مشتركة: هي ضرورة استعادة حياة تستحق العيش.

**media[3476332]**


................
إخراج: جان كوماساسيناريو: بارتيك بارتوسيكتمثيل: ستيفن غراهام، اندريا ريسبوروغ، انسون بون، كيت راكوسين، مونيكا فراجيزيك، سافانا ستين
إنتاج: جيرزي سكوليموفيسكي وجيرمي توماس وآخرون
مدير التصوير: مايكل ديميكموسيقى: أبيل كورزونوفيسكيالميزانية: 6 ملايين دولار
بوكس اوفس: 15 مليونا و600 ألف.