لم يكن بيننا الكثير يا نظيرة، القليل من اللقاءات المخطوفة هنا وهناك. لكننا في هذا الصيف تعاهدنا بأن نخرج إلى جبال عُمان معا في الشتاء، ولكنكِ -وفي غفلة منا جميعا- ذهبتِ قبل الشتاء!
لم أفهم عندما قالت سوزان سونتاج بأنّ الفوتوغرافيا «فنٌ رثائي» إلا وأنا أعود بألمٍ حادٍ لتفقد وجودكِ في الصور والفيديوات كقوة مضادة لرعب الفناء.
كنتُ مشدودة إليكِ، وأعرف أنّ جزءا من ذلك يرجعُ لأنّكِ من أولئك الحالمين القليلين الذين جعلونا ننظرُ لحياة غير داجنة، قريبين من عالمٍ غير منسوخ، تُحررنا فيه مشاهدتكِ -تعتلين شساعة الفراغات اللامحدودة- من عزلة غرف الأسمنت الكئيبة.
فضاءٌ مفتوحٌ على جبال عُمان وجبال العالم. القمم والحواف الحادة والمسننة التي انتظرتكِ طويلا، ذلك التسجيل الدؤوب لحياة مُفارقة لرفاهية العيش، للفندقة والمطاعم والثياب، لـ اللقطة المصنوعة التي تغزو العالم بسيلانٍ مُفزع.
لا يمكنني حقا تصور أي روح سكنت ذلك الجسد الضئيل المُشبع بالتمني. كيف كان يمضي حاملا روحه بين يديه. كيف يمضي مُسرنما.. جامحا.. رغم أنّي في المرات القليلة التي رأيتكِ فيها كنتِ شديدة الانزواء والصمت. ولعل البعض لا يفهم أنّ هذه طريقة تخص المرء وحده. وقد يُفسر فيكتور فرانكل الأمر في كتابه البحث عن المعنى: «ففي لحظة ما، ينبتُ احتياجٌ عارمٌ بضرورة وجود غاية تُعطي المعاناة معنى».
لقد وجدتِ نفسكِ في تلك الغاية. كنتِ تعرفين ذلك أكثر من كل المُنظرين البائسين. ولذا يتفاجأ البعض من مقدار حزننا والحقيقة أنّه حزنٌ على نُدرة الحالمين في حياتنا.
نفتحُ صفحتكِ، نرقبُ المشي فوق صلابة جليد أو صخر. جسدٌ منفكٌ من قيوده، في تضاد مع سيلان الخراب اليومي والشر المُمنهج. في تضاد مع انعدام الرأفة والوحشية البشرية. شيءٌ أقرب لما نظنه إنسانيا في زمن التهافت على التقليد ومغادرة كل ما هو أصيل فينا.
كانت نظيرة تهبنا شيئا من السحر الخالص لانفكاك ما، وإن بدا محفوفا بالمخاطرة. شيء لا نرومه ولكننا نحلم به ونفتن ونتوق، ربما لأنّه في مكان ما يُماثلُ الكثير من الآمال الأخرى المؤجلة لدينا! لا سيما النساء المُسيجات بالمفاهيم الجاهزة. هكذا كانت تضع نفسها في رهانات مُذهلة خارج الأنموذج الذي يحبسنا في الجسد والمكياج والثياب. ونحن نحبُّ الحالمين لأنّهم يمثلون في لحظة ما، خيط نجاتنا من فقر أمانينا، المعول الذي نكسر به أوهام حدود أجسادنا وعقولنا.
تشرحُ لنا نظيرة علاقتها بالتفاصيل الصغيرة في محك الحياة والموت. كفاءة الرئتين، النبض، الأدوية، الليالي القاتلة، خيانة الطقس، والجثث التي عبروا فوقها يوما ما. كل هذا في سبيل بلوغ ما تسميه «ثمين». وكأنّ محرض نزقها الحي يتضجُ من اقتباسها لـ فلوبير في صفحتها: تمر معظم أوقات الحياة والناس تقول «لم يحن الوقت» ثمّ «فات الأوان»!
أعرف جيدا أنّ الصورة تُخفي أكثر مما تُبدي. فنحن نُراقب تحضيرات الرحلة والابتهاج بالوصول ورفع الأعلام فوق القمم، لكن في الطبقات السرية ثمّة معاناة ويأس مُضنٍ ومشقة وربما رغبة في البكاء والنكوص.. ورغم ذلك تضعنا الفوتوغرافيا في نغمة عالمكِ الفريد يا نظيرة.. ذلك الذي قال مالارميه عنه: «كان كل شيء يوجد لينتهي في كتاب، واليوم كل شيء يوجد لينتهي في صورة فوتوغرافية». حتى الغياب يا نظيرة، بدا جزءا من لقطة الحداد، عارمة السواد، في انطواء شبحي، في فراغ هائلٍ من الابيضاض الكثيف!
أفهمكِ يا نظيرة في العبارة التي تصدرت كتاب المصور والكر إيفانز: «لا ينتابني الشك أنّ عظمة وجمال العالم كامنان في كل ذرة منه»، وهذا ما كان يشد فضولكِ، كل ما هو مخفي وراء المدن المُتعبة. ذلك السعي الحثيث لقصّة دبيب الحياة المتواري خارج كل ما هو مصقول.
في هذا العالم المكسو بالنسيان، سنتذكرُ حرارة خدش الواقع المُسمن بالادعاء بذلك الصدق وتلك العزيمة الصلبة لصعود القمم واقعا ومجازا، وعندما سننظرُ لصوركِ سنذهل بشيء من الغواية والافتتان، سنتذكرُ ابتسامتكِ العذبة وقدميكِ الذهبيتين الصاعدتين.. سأتذكرُ على نحو شخصي رسالتكِ الأخيرة لي بمشاركة الرحلة في شتاء مُقبل.
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»