رام الله - محمـد الرنتيسي
هل استقرت غزة مع دخول "قوة الاستقرار" حتى يبدأ الاحتلال محاولات تفجير الأوضاع في الضفة الغربية؟.. سؤال يُطرح مع بدء عملية انفلات إسرائيلي واسعة في قرى ومخيمات الضفة الغربية، في ظل تهديدات حكومة الكيان الإسرائيلي باجتياح وهدم مخيم جديد، وإلحاق قرى فلسطينية ببيت لاهيا وبيت حانون وجباليا بقطاع غزة.
أكثر من اجتياح، وأقل قليلاً من عملية عسكرية، ذلك الذي شهده مخيم قلنديا بين القدس ورام الله.. مشاهد العدوان هي ذاتها، هدم للمنازل، واعتقالات في صفوف الشبان، واعتداءات بالضرب على المارّة، وقطع طرق، وتحويل منازل إلى ثكنات عسكرية، واحتجاز عائلات في غرف منفردة، وإخضاعها للتحقيق الميداني.
مظاهر التنكيل بالمواطنين، هي ذاتها التي مارسها جنود الاحتلال في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، في خضم حرب الإبادة على غزة، في محاولة لكسر إرادة المواطنين، الذين لم تثنهم قوة بطش الجنود وقسوتها، عن مواصلة الصمود في "محطات انتظار العودة" فهم كما أشجار الزيتون المُعمّر، التي لا تهزها الرياح ولا العواصف.
أكثر من 25 ألف فلسطيني في مخيم قلنديا، عاشوا في قبضة حصار مطبق، وقد أعربوا عن استهجانهم لهذه الحملة العسكرية الواسعة على المخيم، إذ لا يوجد ما يبرر هذا الهجوم، وفق شهاداتهم، فلا خلايا مسلحة كما يزعم الاحتلال، ولا حتى اشتباكات، فقط بعض الفتية كانوا يقذفون الحجارة على الجنود المدججين بكل أدوات القتل.. هي عملية "سياسية" أكثر منها عسكرية.
ويحيط بمخيم قلنديا حاجز عسكري، يفصل بين مدينتي القدس ورام الله، ويسلكه سكان جنوب الضفة الغربية (الخليل وبيت لحم) وهو محاط بأبراج مراقبة وحراسة، ويسعى كيان الاحتلال لجعله من أكبر المعابر الإسرائيلية التي تفصل المدينة المقدسة عن الضفة الغربية.
تهجير المُهجّرين..
على بعد خطوة من القدس المحتلة، مارس جنود الاحتلال القمع والإرهاب بحق الفلسطينيين في مخيم قلنديا، بعد عزله عن محيطه، تنفيذاً للمخطط الإسرائيلي الرامي لجعل سكان المخيم يعيشون اللجوء والتهجير مرتين، وكي يحلو لجيش الاحتلال السيطرة على مطار القدس الواقع بجوار المخيم، والمحتل منذ العام 1967.
وبعد أكثر من (78) عاماً على الاحتلال، لا زال أهالي مخيم قلنديا، يستذكرون ما ألمّ بهم، حين هجّرتهم العصابات الإسرائيلية (الهاجاناة، والإرجون، وشتيرن، والبالماخ) وفي أذهانهم قراهم التي هُجّروا منها عنوة، وما زالت المشاهد المفزعة تطرق ذاكرتهم، فيما الاحتلال المتوحش يلاحق أحفاد اللاجئين، فيجبرهم على إخلاء منازلهم، تمهيداً لتسويتها بالأرض، وتواصل أنياب الجرافات هدم صفيح المخيمات!.
وما زال في المخيم من يحفظ عن ظهر قلب، أبشع المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق عائلاتهم في دير ياسين، والتي أدت إلى سقوط العشرات من الشهداء الأبرياء، فضلاً عن تشريد المئات من العائلات، والتي حطت رحالها في مخيم قلنديا، الذي أصبح ملاذاً للمقدسيين المُهجّرين، واليوم أصبح شاهداً على نكبة تتجدد.
وما يعكس مدى المعاناة التي تعرض لها مخيم قلنديا، هدم جيش الاحتلال 7 منازل، وإصراره على هدم مقارّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وكل ما يرمز للاجئين وعودتهم، كمعهد قلنديا للتدريب المهني، وهذا جزء من سياسة التهويد وفرض السيطرة الإسرائيلية، كما يقول مواطنون.
وفق المواطن حسن عساف، تعددت ممارسات جنود الاحتلال القمعية ضد سكان المخيم، ويبرز أخطرها في اقتحام المنازل ليلاً، وإرهاب الأطفال والنساء وكبار السن، وشن حملات الإعتقال التي طالت نحو 70 مواطناً، فضلاً عن عزل منازل المخيم عن بعضها، ومنع الأطقم الصحافية والطبية من دخوله.
انتخابات بالدم..
من الوجهة السياسية، يرى مراقبون أن جيش الاحتلال عندما سارع لعدوانه على مخيم قلنديا، فلأنه يعمل على تحويل الضفة الغربية إلى "برميل بارود" قد ينفجر بأي لحظة، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، التي باتت على خط الإقتراع.
فيرى المحلل السياسي محمـد دراغمة، أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أراد إطلاق حملته الانتخابية من الضفة الغربية، بدءاً من قرية تل جنوب نابلس، ومروراً باطلاق يد المستوطنين في قرى المغير ودير جرير وسنجل قرب رام الله، ووصولاً إلى شن عملية عسكرية في مخيم قلنديا.
بينما يعتبر الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، أن التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية لم يأت من فراغ، فالاحتلال ينزع باتجاه القوة المفرطة، وإشاعة أجواء التوتر، وإطلاق يد الجيش والمستوطنين على حد سواء، قتلاً وتدميراً، وهذه السيناريوهات "تبقى صالحة" حتى الإنتخابات الإسرائيلية، بحسبان نتائجها سيكون لها أثر كبير في تحديد مسارات التسوية أو التصعيد.
هو تحول خطير في المواجهة في عموم أرجاء الضفة الغربية، ينذر بحدوث انفجار وخروج عن السيطرة.. جيش الاحتلال يتخذ اجراءات جديدة، ويشدد الخناق على المواطنين بالحواجز العسكرية والبوابات الحديدية، والمستوطنون يستبيحون الأرض ومن عليها، وثمة حكومة يمينية متطرفة تعدّ لتكرار هدم قرى ومخيمات على غرار ما جرى في شمال الضفة الغربية.
"إلى التصعيد دُر" هكذا تتجه الأوضاع في الضفة الغربية، تُغذيها أطماع إسرائيلية بفرض الهيمنة، ويستمر رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، في تصدير أزماته الداخلية، وفك الحبال التي تطوّق عنقه، كي يشد بها وثاق الفلسطينيين، فما يحدث لم يعد مجرد انفلات لجيش متعطش للدم، أو مستوطنون يتلذذون بالعبث بأمن المواطنين، بل هو توزيع أدوار ممنهج، للإبقاء على جذوة النار مشتعلة.