كتب ـ نانسي يوسف وجوناثان ليماير

ترجمة: أحمد شافعي

توشك الولايات المتحدة أن تستنفد صواريخها، فبعد خمسة أشهر من الحرب مع إيران، انخفضت مخزونات الأسلحة بعيدة المدى إلى مستويات شديدة التدني بحسب ما أخبرنا به مسئولو دفاع أمريكيون حاليون وسابقون أعربوا عن اعتقادهم بأن الولايات المتحدة لا تمتلك ما يكفي لمواجهة تهديد في آسيا. والإمدادات المتبقية ـ بحسب نوع الذخيرة ـ منخفضة بنسبة 20% عما يروق للبنتاجون أن يمتلكه ويكون تحت تصرفه. كما أن مخزونات الصواريخ الاعتراضية من قبيل باتريوت وثاد مستنزفة إلى حد لا يسمح بإعطاء أسلحة لأوكرانيا أو بيعها لها، ولا يسمح فعليا بالدفاع في مواجهة صواريخ إيران الباليستية. فحتى عندما يرى أفراد القوات الأمريكية صواريخ إيران وهي تقترب يكونون مرغمين على أن يقرروا في غضون ثوان أينفقون من العدد المحدود من الصواريخ الاعتراضية أم يكتفون بتمني الخير، وذلك وفقا لما أخبرنا به مسئولو الدفاع.
ناشد وزير الدفاع بيت هيجسيث هذا الأسبوع الجمهوريين في الكونجرس تخصيص مليارات الدولارات لتعويض مخزونات الصواريخ وغيرها من الذخائر المستنفدة بصورة خطيرة. وقد جاءت مناشدة هيجسيث بصبغة حزبية سافرة ـ إذ تجاهل المشرعين الديمقراطيين تماما ـ لكنها أيضا جاءت متأخرة للغاية.
منح البنتاجون هذا العام عقودا بعشرات مليارات الدولارات لتعويض هذه الترسانة. لكن توقيع العقود أمر وتسلم الصواريخ أمر آخر. فسوف تنتج هذه العقود الذخائر خلال سنوات قادمة، لا خلال أشهر. وقد استثمرت إدارة ترامب في القاعدة الصناعية الدفاعية لتسريع الإنتاج، مثلما فعلت إدارة بايدن، لكن ليس من المتوقع، بالنسبة لأنظمة الأسلحة الحاسمة من قبيل باتريوت، أن يفي الإمداد بالطلب حتى عام 2030. في الوقت نفسه زادت إيران من إنتاج مسيراتها الهجومية وصواريخها الباليستية، وعززت قدراتها. والحرب الآن يصوغها الإمداد الصناعي والاعتبارات اللوجستية بقدر ما تصوغها الاعتبارات الاقتصادية وسياسة انتخابات التجديد النصفي المنتظرة.
غضب الرئيس ترامب من تقديرات فريق الأمن الوطني التي تسلمها يوم الجمعة الماضي في كامب ديفيد وأظهرت أن الجيش الأمريكي يوشك أن يستنفد الذخائر اللازمة لقيام ترامب بالتصعيد ضد إيران بحسب ما أخبرنا به مسئول رفيع في الإدارة مطلع على الاجتماع. فلو وجهت الولايات المتحدة ضربة، من المرجح أن تطلق إيران وابلا من الصواريخ والمسيرات على جيرانها في المنطقة وعلى القواعد الأمريكية المستضافة فيها.
صاح الرئيس في مساعديه واستعمل كلمات حادة مع قيادات وزارة الدفاع. (وقد أخبرنا مسئولون في البيت الأبيض أنه لا يدرس حاليا تغييرات في الفريق). ازداد ترامب إحباطا من عجزه عن الهروب من جمود الحرب، وغضبا من تأثيرها على الاقتصاد، وتوقا إلى المضي قدما. وفي منشور له على موقع تروث سوشيال اليوم، قال ترامب إن تقارير نقص الذخيرة مزيفة وأن كثيرا من هذه "التسريبات" أعمال خيانة. فالمصنعون يشحنون "كميات هائلة" من الذخائر "اللازمة" كما كتب.
يشعر كثير من المساعدين في البيت الأبيض بالقلق من فقدان ترامب نفوذه في الصراع. فقد هدد إيران مرات كثيرة لكنه نادرا ما نفذ وعيده، وطهران تعلم هذا. وتعلم أيضا أن الولايات المتحدة تستنفد ذخائرها برغم ما يقول هيجسيث والرئيس في العلن. والنفوذ العسكري لا يعتمد ببساطة على قدرة الولايات المتحدة على الضرب ولكن على قدرتها عل الدفاع في مواجهة الرد الإيراني. ولقد أبدت إيران ثقة في فرض مزيد من الاختبارات على الولايات المتحدة بالهجوم على سفن في مضيق هرمز. وقد ظل البيت الأبيض مصرا على أن إيران سوف تواجه عما قريب وضعا اقتصاديا شديدة الصعوبة من شأنه أن يرغم النظام الحاكم فيها على التفاوض، وظلت تقارير المخابرات الأمريكية تشير إلى أن إيران تعاني. ولكن إدارة ترامب اندهشت من صمود طهران، ولم تعد على يقين من أن النظام سوف يصل إلى نقطة يصبح التفاوض فيها هو خياره الوحيد.
في غضون خمسة أشهر منذ بداية الحرب، لم يواجه الرئيس قط موقفا بمثل هذا الضعف. فنقص الصواريخ الاعتراضية يجعل التصعيد خطيرا. وتوسيع الضربات لا يضمن أن ترجع طهران إلى الطاولة.
قد يؤدي هذا إلى أن تكون الدبلوماسية والتنازل هما الخيار الأقل خطورة لدى الإدارة. فقد قال ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو مرارا إنه لن يتم السماح مطلقا لإيران بالسيطرة على أي جزء من مضيق هرمز. لكن ترامب ينظر الآن في أمر اتفاقية تمنح إيران بعض السيطرة على الممر البحري. والاتفاقية المقترحة بين سلطة عمان وإيران، وتنتظر الموافقة الأمريكية والخليجية، سوف تعيد فتح المضيق بوضع إطار عمل مشترك الإدارة للنقل البحري التجاري. ومن شأن هذه الاتفاقية أن تمنح إيران الإشراف على الممر المائي الحيوي الذي تشعر أنها استحقته من جراء الحرب، مع احترام إصرار عمان على حفظ حرية الملاحة.
منذ سنين تعاني المخزونات الأمريكية من ضغوط، لكن ذلك بات واضحا وضوحا أليما بعد أن قامت روسيا بغزو أوكرانيا في عام 2022. إذ أطلقت الولايات المتحدة مئات الصواريخ، التي تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات، خلال حملة إدارة ترامب التي استمرت ثلاثة وخمسين يوما العام الماضي ضد الحوثيين في اليمن. ثم أعقب ذلك أسبوعان تقريبا من الضربات الأمريكية والإسرائيلية لإيران وللصواريخ الاعتراضية والمسيرات الإيرانية الموجهة إلى إسرائيل. وخلال الأيام الثمانية والثلاثين الأولى من حرب إيران أطلقت الولايات المتحدة آلافا من الذخائر.
وقد أنكر هيجسيث مرارا أي نقص، منها مرات في حضور ترامب، بحسب ما قال أحد المسئولين الأمريكيين. وفي الكونجرس، لم يطرح وزير الدفاع طرحا مقنعا بالتمويل الذي يريده، وبخاصة أمام المشرعين الذين يواجهون انتخابات عصيبة بسبب الرفض الشعبي للحرب. وفي ما بين إحباطات الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود ورسائل هيجسيث المتناقضة وعلاقاته السابقة المتوترة بالكونجرس، قال لنا أحد المساعدين في الكونجرس إنه "لا توجد نوايا طيبة تجاه هذه الإدارة في الكونجرس".
ومع ذلك، من المتوقع في نهاية المطاف أن يوفر الكونجرس كثيرا من التمويلات التي يقول البنتاجون إنه بحاجة إليها لتعويض مخزوناته. ولكن ما تحتاج الولايات المتحدة إليه حقا هو الوقت. فبحسب الأسلحة، قد يستغرق الوصول إلى مستوى ما قبل الحرب من الذخائر خمس سنوات بحسب ما قاله لنا مارك كانسيان الذي يرصد مخزونات الذخائر لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
ثم إن ثلاث سنوات أخرى سوف تلزم لوصول المخزونات "إلى مستوى تشعر فيه قيادة الأركان المشتركة المسئولة عن آسيا والمحيط الهادئ بالارتياح" بحسب ما قال كانسيان. وعلى المستوى النظري، يمهل هذا بكين من الوقت الكثير لاستغلال النقص الأمريكي في غزو تايوان على سبيل المثال.
غير أن شين بارنيل المتحدث باسم البنتاجون قال لنا إن "مزاعم نقص الذخيرة الأمريكية كاذبة" وأضاف قائلا "إن لدينا كل ما يلزم للضرب في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس".
والمشكلة أسبق من إدارة ترامب. فبعد الحرب الباردة، قلصت الولايات المتحدة عدد الذخائر الحيوية، وأبطأت إيقاع إنتاجها، ظنا منها بأن فترات السلام الطويلة بين الحروب القصيرة الحاسمة سوف توفر وفرة من القدرة. ولكن الجيش ظل بصورة شبه مستمرة متورطا هنا أو هناك في صراعات تتصدرها الضربات الصاروخية، في ليبيا واليمن وسوريا وإيران ونيجيريا. وقد اتسمت حرب روسيا مع أوكرانيا بتطورات سريعة في الذخيرة. ووقعت إدارة ترامب عقودا لتعويض أسلحة كييف لكنها لم تستطع أن تجاري الطلب حسبما أخبرنا كانسيان.
سارعت الولايات المتحدة إلى استحداث طرق أرخص للتعامل مع المسيرات الإيرانية التي نشرتها روسيا، وحققت بعض التقدم. لكن مخزونات الصواريخ الاعتراضية من قبيل باتريوت وثاد كانت تستنفد بسرعة. وقال لنا كانسيان إنه "لا وجود لبدائل جيدة لإيقاف الصواريخ البالستية...وبدون هذه الصواريخ الدفاعية فإن الصواريخ المهاجمة سوف تصل إلى الأرض. وهذا ما يحدث في أوكرانيا".
وقد كانت الولايات المتحدة قبل غزو روسيا تنتج قرابة ثلاثمئة صاروخ باتريوت في العام، نصفها يذهب إلى الحلفاء. ثم تضاعف الإنتاج منذ ذلك الحين لكنه لا يزال بعيدا عن تلبية الطلب الحربي.
لو كانت حرب إيران قد انتهت في غضون عدة أسابيع، بحسب ما تنبأت به الإدارة في أول الأمر، لما تفاقمت مشكلة الذخائر إلى هذه الدرجة، وكان يمكن تخفيف المشكلة "لو عرفنا متى سوف تنتهي الحرب" حسبما قال لنا أحد مسئولي الدفاع "لكن المشكلة الحقيقية هي أنه لا وجود لاستراتيجية بعيدة المدى، وبهذا لا يمكننا التخطيط".
قبل هذا النقص، كانت الولايات المتحدة تستغل مزاياها التكنولوجية لصياغة استراتيجيتها. لكن تطورات أعدائها التكنولوجية ـ والضغط الذي تفرضه على المخزونات الأمريكية ـ هي التي ترغم واشنطن الآن على إعادة النظر في استراتيجيتها من جديد، وهذه المرة بدون الافتراض القديم بأن قوات الولايات المتحدة تنعم بأي مزايا في ما يتعلق بالذخيرة.
* عن مجلة أطلنطيك