تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولًا واسعا يجمع بين اتفاقات الدفاع الجديدة والتنافس على الممرات التجارية وخطط تنويع الاقتصادات. وتكشف هذه التحركات عن اتجاه دول المنطقة إلى تقليل اعتمادها على الضمانات الخارجية وبناء قدرتها على حماية أمنها ومصالحها بالتعاون مع محيطها الإقليمي. ومن هذا التحول تتشكل ملامح النظام الإقليمي الجديد.
قام النظام الإقليمي السابق على مركزية الدور الأمريكي الذي امتد من حماية تدفق الطاقة في الخليج وضمان التفوق العسكري الإسرائيلي إلى إدارة توازنات المنطقة وإبقاء صراعاتها دون مستوى الحرب الشاملة. وجعل هذا النظام الجزء الحاسم من قرار الأمن مرتبطا بحسابات القوى الخارجية أكثر من ارتباطه بأولويات دول المنطقة. ثم جاءت حرب غزة واتساع المواجهة مع إيران واضطراب البحر الأحمر ومضيق هرمز لتكشف أن الحماية الخارجية تستطيع إدارة الخطر أحيانا، لكنها لا تمنع نشوءه ولا تضمن احتواءه.
من هذا التصدع تولد التحالفات الجديدة، فاتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يجمع الموارد السعودية بالصناعة الدفاعية التركية والخبرة العسكرية الباكستانية. كما أعادت الهجمات الصاروخية والمسيّرة الاعتبار إلى مفهوم الأمن الجماعي داخل مجلس التعاون. وتتجاوز الدلالة هنا أسماء الدول ونصوص الاتفاقات فالقوى الإقليمية بدأت تتعامل مع الأمن من زاوية كونه وظيفة ينبغي أن تشارك في إنتاجها بعدما تعاملت معه طويلًا كضمانة تحصل عليها من الخارج.
وبذلك تتجاوز الشراكات الجديدة فكرة الانتقال من المظلة الأمريكية إلى مظلة بديلة. ستظل الولايات المتحدة القوة العسكرية الأهم، فيما تبقى الصين شريكًا اقتصاديًا واسع الحضور، والهند شريكًا تجاريًا وتقنيًا، وتركيا مصدرًا متقدمًا للتقنيات الدفاعية. ما يتشكل هو شبكة من العلاقات المتداخلة تمنح دول المنطقة مجالًا للمناورة وتوزيع المخاطر. التحالف في هذا النظام أداة لمهمة محددة وليس تفويضا دائما لحليف واحد بتعريف المصالح والأعداء.
ومع تولي دول المنطقة دورا أكبر في حماية أمنها، يتسع مفهوم القوة ليشمل قدرة الدولة على مواصلة العمل وقت الأزمات، فالأمن يعتمد أيضا على سلامة الموانئ ومحطات الكهرباء والمياه وخطوط الأنابيب وكابلات البيانات، وعلى استمرار وصول الغذاء والدواء، لذلك تكتسب مشروعات الربط الكهربائي والسكك الحديدية والمخزونات الاستراتيجية والموانئ البديلة أهمية أمنية إلى جانب قيمتها الاقتصادية. وقد كشفت أزمة هرمز أن الاعتماد على ممر واحد يجعل الاقتصاد عرضة للتعطل، مهما امتلكت الدولة من موارد مالية.
من هنا أيضا يتغير معنى التنويع الاقتصادي، فاستثمارات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية واللوجستيات تؤدي وظيفة تتصل بالسيادة إلى جانب وظيفتها التنموية. كما يتحول النفط من مورد لتمويل الإنفاق الجاري إلى رأسمال لبناء قدرة تدوم بعد تراجع أهميته النسبية. ويتوقف نجاح هذا الانتقال على التعليم والإنتاجية والقطاع الخاص، لأن الدولة تستطيع شراء التقنيات، بينما تحتاج القدرة الوطنية إلى مجتمع ينتج المعرفة ويديرها. لكن انتقال القوة إلى دول المنطقة لا يقود تلقائيا إلى نظام أكثر استقرارا، فالاستقلال الاستراتيجي يمكن أن يؤسس أمنا جماعيا، ويمكن أن يتحول إلى كتل عسكرية متقابلة. وكلما بُني الردع حول تقسيم المنطقة إلى معسكرات متعادية ازدادت احتمالات أن تصبح الممرات الاقتصادية خطوط مواجهة وأن تستهلك الحماية الموارد التي يفترض أن تمول التنمية.. لذلك تحتاج القدرة الجديدة إلى قواعد سياسية تضبط استخدامها تشمل احترام السيادة وحرية الملاحة وعدم الاعتداء وآليات دائمة لمنع التصعيد.
وتحتاج هذه القواعد إلى شرعية سياسية تبدأ من معالجة الصراع الذي ظل مصدرا رئيسيا لاضطراب المنطقة. وهنا تصبح فلسطين الاختبار الأوضح لجدية التحول الجاري. فقد أظهرت حرب غزة أن النظام الذي يحمي طرق التجارة ويتجاهل أصل الصراع ينتج استقرارا هشا. امتدت الحرب إلى لبنان والبحر الأحمر والعراق والخليج، لأن القضية الفلسطينية تقع في صميم شرعية النظام الإقليمي. ومن دون مسار موثوق ينهي الاحتلال ويحقق حق الفلسطينيين في دولتهم ستظل كل هندسة أمنية معرضة لانفجار سياسي يتجاوز حدودها.
ستحدد طريقة استخدام هذه القوة شكل الشرق الأوسط المقبل، فإذا وظفت دول المنطقة هذه القوة في ردع الاعتداءات وفتح مسارات الدبلوماسية وحماية مشروعات التنمية فقد تضع أساسا لنظام إقليمي أكثر استقرارا، أما إذا انحصر التحول في إنشاء تحالفات متنافسة وزيادة الإنفاق العسكري فسوف تنتقل أزمات النظام القديم إلى قوى إقليمية جديدة. ويُقاس استقلال المنطقة بقدرتها على منع الحروب وتسوية أسبابها وجعل القوة وسيلة لحماية المستقبل.