كمختص في علم الاجتماع؛ ومع بدايات توسع استخدام وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كان السؤال الذي يشغلني على الدوام: هل يعكس استخدام الأفراد ونشاطهم وتفاعلهم على هذه المواقع الحقيقة الاجتماعية؛ بمعنى أن دوافعهم وسلوكياتهم وما يقولونه وما يعبرون عنه ومواقفهم تجاه القضايا والتفاعلات والنقاشات والأحداث التي يحملها الفضاء الافتراضي هي انعكاس لطبيعة تفكيرهم وقيمهم وتنشئتهم الاجتماعية (الحقيقة الاجتماعية) أم أن هذه المواقع خلقت (مجتمعًا موازيًا) لا يمكن محاكمة أفراده أو تحليل سلوكهم الافتراضي قياسا بمعايير الحقيقة الاجتماعية، أم في الفرضية الثالثة أن هذه المجتمعات خلق مساحة لما نسميه في علم الاجتماع بـ (التمثلات Representations) بمعنى أن هناك (صورة مقصودة) و(صوة منشودة) يحاول الفرد في تفاعلاته عبر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تصديرها عن ذاته، أو الوصول إليها من خلال مجمل ما يقوم به من تفاعل ونقاش واستعراض لماهيته وتقديم لذاته. 

وأدعي أنني قضيت سنوات في البحث المنتظم تحت مشروع (تمثلات الذات في الفضاءات الافتراضية)، وتكمن أهمية تتبع التمثلات في أنها قد تكون مدخلًا لفهم المجتمع الواقعي نفسه؛ فإذا كانت هي «الصورة التي يُكوّنها الفرد عن نفسه، وعن موقعه وهويته وقيمته داخل المجتمع، كما تتشكل من تفاعله مع الآخرين والمؤسسات والثقافة المحيطة». فمعنى ذلك أن الفرد يبني تصورا قد يكون جديدا عن ذاته، هذا التصور مرتبط بمن هو؟ وإلى أي سياق ينتمي؟ وبأي سياق يعبر؟ وكيف يراه الآخرون؟ وما المكانة الاجتماعية المنشودة التي يريد أن يصدرها عن نفسها؟ وما هي نوعية القيم التي يحاكم بها الظاهرة الافتراضية بوصفها (ظاهرة اجتماعية)؟ كما أن هذه التمثلات تحدد تصور الفرد عن المتوقع منه اجتماعيًا. وبالتالي حتى لو كان الفرد يمارس هويتين مقصودتين (هوية واقعية وأخرى تمثلية افتراضية)؛ إلا أن تلك الهوية التمثلية مرتبطة بشكل أو بآخر بالواقع الاجتماعي (حدوده، مساحاته، قيوده، قيمه، أفكاره، أنماطه، وسلم بناء التوقعات الاجتماعية فيه). 

يلفتني خلال السنوات الأخيرة ظاهرة افتراضية في الفضاء الرقمي العمُاني، - وأقول العُماني لرصدي له، ولربما تكون ظاهرة خليجية أو حتى عالمية - وهي مسألة (التعريض الاجتماعي) في المجتمعات الرقمية - كما أسميه -؛ وهي تحوّل المجال العام الرقمي إلى دورة متصلة من القضايا الصغيرة التي تُستهلك بانفعال كبير ثم تُستبدل بغيرها بدون معيار واضح لأهميتها، أو ضرورة تداولها، أو استهلاكها، وإنما يخلق المشاركون في الانفعال الرقمي (أهمية اجتماعية وقيمية وأخلاقية وربما حضارية) لتلك القضية. كرأي يطرحه شخص، أو سلوك فردي يقدم عليه آخر، أو إجراء معين يتخذ إزاء واقعة بعينها وفي إطار محدود ثم يتحول إلى قضية مجال عامٍ رقمي تستهلك بدون حدود. 

الإشكال في هذه الحالة هو التناسب بين (حجم القضية) و(حجم الانفعال الاجتماعي الرقمي حولها)، وهو ما يُعرف في علم اجتماع الاتصال بـ (تراتبية الاهتمام Hierarchy of priorities)، ويساعد التصميم التقني وآليات اقتصاد الانتباه التي تبنى على الخوارزميات على حشد هذا الانفعال الاجتماعي، كونها تكافئ ما يتداوله الناس حقًا ويهتمون به، وليس بالضرورة ما يستحق أن يُعرف أو ما يستحق أن يناقش. وهكذا تستمر دورة المجال العام تنتقل من قضية إلى أخرى بدون معرفة محركات الاهتمام الفعلية، وما إذا كان مجموع كل تلك القضايا تستحق أن تندفع بهذه الطريقة لمساحات الاهتمام المختلفة. 

في ضوء ذلك تشيع مجموعة من السلوكيات، فيشيع التنمر كحالة اجتماعية رقمية، وبل وتكافئ التفاعلات المتنمرة والساخرة أكثر من التفاعلات المتزنة أو التصحيحية، بل وقد تتحول في بعض الأحيان إلى جزء من الترفيه في المجال العام، تصبح المسألة الأخلاقية في هذه الحالة دورة غير منتهية من الاتهامات والأحكام غير المنضبطة التي تجعل القبض على القيمة الاجتماعية (نسبية). مثل هذا الحشد من الانفعال الاجتماعي يستهلك من (انتباه المجتمع)، ويصرفه عن قضاياه الحقيقية، ويوجه عن السياقات الاجتماعية الأجدر بالمناقشة والتتبع والمراقبة والاهتمام. والسؤال الذي يطرح هنا؛ ما الذي يحفز كل هذا؟ هل حفز تصميم هذه المواقع نفسها هذه الحالة؟ أم أن هناك تغير أسي في قيم المجتمع نفسه ينعكس على تفاعلات وتشكلات الظاهرة الرقمية؟ أم هي مسألة (الهويتين المنفصلتين) اللتين تحدثنا عنهما في بداية المقال؟ 

أيما كان جذر الظاهرة فإن الاستحقاق الأساس هو أن لا تستشري، أو تتحول إلى نمط اجتماعي سائد ومقيم في طبيعة المجتمع أو تتحول من الفضاء الافتراضي إلى الفضاء الواقعي، ذلك أنها تمس التماسك الاجتماعي والهويات الاجتماعية، وتترك فراغات يمكن أن تسلل من خلالها عوامل هدم تلك الهوية. وهنا ينبغي على الدولة بوصفها قائدة لمشروع الهوية الاجتماعية أن تنتبه إلى مثل هذه الظواهر، وألا يتم التعامل معها بوصفها سمات عادية لأي مجتمع رقمي بحكم طبيعته وتداخله، فيمكن التركيز من خلال مراحل التعليم الأولى على فكرة «المشاركة الرقمية المسؤولة» لدى الطلبة، التي تهتم بمسألة حفظ الخصوصية، وعدم المشاركة في حملات التشهير، وعدم الانسياق خلف موجات التعريض الاجتماعي، ووقف التنمر. ويقابل ذلك على المستوى الوطني وضع مسارات قانونية سريع واستثنائية لإيقاف حملات الإساءة والتشهير الجماعي غير المسؤولة، وعدم السماح بتعريض الحياة الشخصية تعريضًا اجتماعيًا رقميًا، وفرض حقوق التصحيح الرقمي الملزم، كما يمكن تصميم حملات محلية تنبه الأفراد العموم حول فكرة التنبه قبل إعادة إرسال محتوى مسيء أو شخصي، أو المشاركة الرقمية غير المسؤولة بكافة أشكالها وأنماطها. 

لا يمكن عزل امتداد ما يحدث في المجتمعات الرقمية عن المجتمعات الواقعية، وفي تقديرنا فإن هناك حالة تبادل مستمرة، فثمة ظواهر وقيم وتفاعلات تنشأ في المجتمعات الرقمية، وتمتد لاحقًا لتتحول إلى حقيقة اجتماعية (في المجتمع الواقعي). كما أن المجتمعات الافتراضية تحمل في طبيعتها وتركيبها بعض الامتدادات للقيم والقناعات والأفكار الاجتماعية الواقعية، التي ربما تحدها الكثير من القيود في الواقع لتمارس أو لتظهر، فتجد في لا حدود التواصل الافتراضي بيئة خصبة لتنمو وتتمدد. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان