يتذكر جيل الثمانينيات من العراقيين صوت داود القيسي جيدًا، لا لأنه كان مطرب الحيّ الأشهر وفنان المرحلة الممثل للشجن العراقي الخاص، كما يمكن القول عن سعدون جابر أو فؤاد سالم أو حسين نعمة في تلك المرحلة على سبيل المثال، ولا لأنه كان نقيب الفنانين العراقيين و«منشد البعث» كما لقَّبه صدام حسين، بل لأن صوته ما زال يذكر ذلك الجيل بطبول الحرب مع إيران. كل الرجال الذين ودَّعوا أهاليهم وذهبوا إلى الحرب كانوا قد استمعوا لأغنيته الأشهر التي غنَّاها عام 1981 في شريط دعائي لرفع معنوياتهم على الجبهة:
«دايمين ودايم وطنا بيكم
دايمين وعالي بيرقنا بيكم
يا سباع وِلد سباع
صنتوا شرف هالكاع...»
لا تبدو البدلة العسكرية غريبة المقاس والهيئة على القيسي وهو يؤدي الأغنية الحماسية في ذلك الشريط المتاح بالأبيض والأسود، خاصة بالنظر إلى قَصَّة شاربه الكثيف التي لطالما ميَّزت البعثيين العراقيين باعتبارها شارة رُجولة. والبدلة العسكرية ليست غريبة على القيسي لسبب آخر أكثر وجاهةً من شاربه البعثي، حين نعلم أنه كان قد تطوَّع للمشاركة في حرب «تشرين» عام 1973، كما تقول المواد الشحيحة المتاحة عنه، وتقديرًا لمشاركته تلك فقد مُنح رُتبةً عسكرية فخرية (ملازم أول). أما المشهد الذي يظهر فيه الفنان و«الملازم الفخري» وهو يُذخّر المدفع ويطلق قذيفته وسط مجموعة من الجنود العراقيين، فقد يبدو تمثيلية دعائية مضحكة ومبتذلة بعيون اليوم. لكنها على الأرجح كانت مقنعة إلى حد ما بالنسبة للسيد الرئيس «المهيب الركن أبو عُدي» الذي تهتف الأغنية به بحرارة وتعده بالنصر القريب في «قادسيته».
في سياق بحثي عن ذكريات الحرب العراقية الإيرانية، بين أفلام وأغنيات ومذكرات جنود، دلتني الخوارزميات على صفحة متنائية على الإنستجرام لشاب عراقي اسمه يوسف الزيباري. يتضح من اسمه العائلي أنه ينتمي إلى القبيلة الكردية المشهورة المنسوبة إلى منطقة زيبار بكردستان العراق. فهل في الأمر أي غرابة أو سوء فهم في أن يخصص هذا الشاب صفحته «للمهتمين بتاريخ الجيش العراقي السابق وبطولات جنوده وضباطه» كما يُعرِّفها، دون أن يتعارض حنينه الواضح إلى تلك المرحلة مع هويته الكردية؟
صفحة كاملة يكرسها الزيباري لذكرى الحرب العراقية الإيرانية، ويعمرها بصور وبطاقات هوية لجنود وضبَّاط عراقيين لم يعودوا من أغنية داود القيسي: «دايمين ودايم وطنا بيكم...». لم يرجعوا إلى أمهاتهم وإلى زوجاتهم منذ أن اختطفتهم شاحنات الجنود من شهر العسل واتجهت بهم صوب الحدود الإيرانية. هناك أطفال كبروا في الحرب ثماني سنوات، وشبَّوا بعد غزو العراق للكويت عام 1990، ثم شاهدوا اجتياح القوات الأمريكية للبلاد عام 2003، دون أن يعرفوا أي شيء عن مصير آبائهم حتى اليوم.
بيد أن القيمة النادرة لهذا المتحف الافتراضي الذي يؤثثه الزيباري تكمن في تلك المقاطع القصيرة التي ترينا بقاع تلك الحرب المهجورة بعد نحو خمسة وأربعين عامًا على اندلاعها، ملتزمًا بخلفية موسيقية واحدة، هي أغنية: «دايمين ودايم وطنا بيكم...».
تأخذ الأغنية طقسًا آخر في تلك المشاهد. بقايا الطلقات الفارغة والخوذ المثقوبة الصدئة التي ترسَّب عليها الطين. وزمزميات الجنود الملقاة على الأرض كما لو أنهم كلهم قد ماتوا من العطش. حطام الرجال القتلى وعظامهم الباقية خلف البدلات الزيتونية المهترئة. الدم الذي شربته الأرض ودارت عليه دورة الطبيعة. آثار بساتين النخيل المجرّفة في مسارح أكثر المعارك ضراوة، حيث التحم العراقيون والإيرانيون بالسلاح الأبيض قبل سنوات قليلة فقط من دخول العالم في القرن الحادي والعشرين وبداية حروب المسيرات. كل تلك الأطلال التي يصورها الزيباري تصويرًا مرتجلًا بكاميرا هاتفه تشحن الأغنية بلوازم الحنين والعبرة، وتنسينا ذلك «الفيديو كليب» الركيك.
هالة للخراب المثير للشجن، حيث يمكنك أن تتذكر زمانًا لم تعشه، لكنك ورثت أطلاله صورًا وأغاني مدججة بحماسة الذاهبين إلى حتفهم وكأنهم يمشون في أحلامهم. نرى بقاياهم على ضفتي نهر جاسم شرقي البصرة، وخلف السواتر الترابية والخنادق المنهارة قريبًا من منفذ الشلامجة الحدودي، وعلى التخوم المحيطة بحقل البزركان النفطي، وهي المسارح التي يناشد يوسف الزيباري تحويلها إلى متحف مفتوح قبل أن يمحو آثارها توسع العمران.
ولكن ماذا حلَّ بالمغني بعد الحرب؟ هل ابتلعت الأغنية مغنيها؟ في الثامن عشر من مايو عام 2003، أي بعد شهرين من الغزو الأمريكي للعراق، نشرت وكالة الصحافة الفرنسية نبأ من العاصمة العراقية عن اغتيال نقيب الفنانين العراقيين داود القيسي في منزله ببغداد. قال أحد جيرانه إنه شاهد في تلك الليلة سيارة «بيك أب» تحوم في الحي بصورة مريبة، وبعد دقائق ترجل منها شخصان توجها إلى منزل الفنان ليطرقا الباب متظاهرين بالسؤال عن أمر ما. فتح القيسي الباب فأشهر أحدهما مسدسه بكل برود وأطلق عليه رصاصة اخترقت رأسه. كان داود القيسي أول فنان يُقتل انتقامًا من النظام البعثي بعد سقوطه.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني