أطلقت وزارة التراث والسياحة، بالتعاون مع شركة النقل الوطنية العُمانية "مواصلات"، مبادرة "رحلة المذاق العُماني"، التي نُفذت خلال الفترة من 24 إلى 30 يوليو، وتتواصل في مرحلتها الثانية من 8 إلى 14 أغسطس 2026، بالتزامن مع فعاليات موسم خريف ظفار.
وتتجه سلطنة عُمان إلى توظيف المطبخ العُماني وفنون الطهي كأحد مكونات المنتج السياحي، لما تزخر به سلطنة عمان من تنوع في الموروث الغذائي والبيئات الطبيعية والمواسم. وفي هذا الحوار، تستعرض أميرة بنت إقبال اللواتي، مستشارة الوزير لتطوير التجارب السياحية، رؤية الوزارة لتطوير سياحة المذاق وفنون الطهي، والفرص الاستثمارية المرتبطة بها، والتحديات التي تواجه تحويل الموروث الغذائي إلى منتج سياحي، والمشروعات التي يمكن أن تقود سلطنة عُمان خلال السنوات المقبلة إلى مكانة عالمية في هذا المجال.... فإلى تفاصيل الحوار:
بدايةً، أصبح الحديث عن سياحة المأكولات يتردد كثيرًا عالميًا، فكيف تُعرّف الوزارة هذا المفهوم؟ وما الذي يجعل سلطنة عُمان مؤهلة للمنافسة فيه؟
أبدأ من فكرة بسيطة؛ تتلخص في أن سياحة المذاق ليست أن يجلس الزائر في مطعم ويجرب طبقا محليا وينتهي الأمر، بل ننظر إلى الموضوع كرحلة كاملة تبدأ من المصدر؛ المزرعة أو البحر أو الواحة أو السوق، وتمر بطريقة الإعداد والتقديم وتنتهي بالقصة التي يحملها الطبق: من طبخه؟ ومن أين جاءت مكوناته؟ ولماذا يُقدَّم في هذه المناسبة تحديدا؟ هذه القصة هي جوهر التجربة.
وهذا الرأي تشاطره معنا منظمة الأمم المتحدة للسياحة حيث تعرّف سياحة فنون الطهي بأنها نشاط تتمحور فيه تجربة الزائر حول المأكولات وما يرتبط بها من منتجات وممارسات وتعتبرها أداة حقيقية لتنويع العرض السياحي وإشراك المجتمعات والمنتجين في سلسلة القيمة. والأرقام توضح أن أكثر من ثلث إنفاق السائح الدولي يذهب إلى المأكولات، ونحو واحد وثلاثين بالمائة من الوظائف السياحية في العالم مرتبطة بهذا المجال وأن القطاع ينمو بمعدلات سنوية تتراوح بين أربعة عشر واثنين وعشرين بالمائة وفق تقديرات أبحاث السوق العالمية. ووفقًا لذلك فإن سياحة المذاق وفنون الطهي تعتبر أسرع الأنماط السياحية نموًا.
أما لماذا عُمان مؤهلة؟ لأن سلطنة عمان تملك في بلد واحد أصولا طبيعية مختلفة: بحر وجبل وصحراء وواحات وخريف وتاريخ بحري ربطنا بشرق إفريقيا والهند وبلاد فارس. هذا التنوع أنتج موائد مختلفة من محافظة إلى أخرى وطرقا وأساليب في الطهي والحفظ والتجفيف والشواء. والأجمل من ذلك كله أن مطبخنا حي ومستدام بمعنى أن الأطباق نفسها تُطهى في البيوت والمناسبات إلى يومنا هذا وليست شيئا نستعيده من الذاكرة لنعرضه على الزوار. مهمتنا أن نحوّل هذه الأصالة إلى تجارب عالية الجودة يمكن حجزها وتسويقها دون أن تفقد صلتها بالإنسان والمكان العماني.
ما الأسباب التي دفعت وزارة التراث والسياحة إلى اعتبار المطبخ العُماني أحد مكونات المنتج السياحي الوطني، وليس مجرد عنصر ثقافي أو تراثي؟
السبب ببساطة أن المطبخ العُماني يملك كل مواصفات المنتج السياحي المتكامل والتجربة السياحية المتكاملة. فكّر معي: السائح قد يزور القلعة مرة واحدة في رحلته، لكنه يجلس إلى المائدة ثلاث مرات في اليوم. هذه فرصة تتكرر يوميا لنقدّم هويتنا وندعم منتجنا المحلي، ونترك أثرا في ذاكرة الزائر. البيانات العالمية تؤكد ذلك على سبيل المثال نتيجة مسح إحصائي أجرته شركة أمريكان إكسبريس وجد أن واحدًا وثمانين بالمائة من المسافرين يتطلعون إلى تجارب المأكولات في رحلاتهم، وأن نصفهم تقريبا يحجزون المطاعم قبل حجز تذاكر الطيران، وواحدًا من كل خمسة يبني رحلته كاملة حول تجربة مذاق محددة. فحين نتعامل مع المطبخ كعنصر تراثي يُحفظ في الكتب فقط نضيّع كل هذه الفرص، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الخدمة والتجربة. الوجبة التي تُقدَّم بلا قصة ولا سياق تبقى خدمة ضيافة عادية ولكن حين يعرف الزائر مصدر المكونات ويزور المزارع أو الصياد ويشارك في الإعداد، تتحول الوجبة إلى تجربة سياحية قيمتها أعلى بكثير.
والأهم أن المطبخ يفتح كل الأبواب دفعة واحدة. فهو يلتقي بالسياحة الثقافية من خلال الحكاية والهوية والتبادل الحضاري، وبالسياحة الزراعية من خلال المزارع والأفلاج ومواسم الحصاد، وبالسياحة البحرية من خلال أسواق السمك وقرى الصيادين ورحلات الصيد، وبالسياحة الريفية من خلال البيوت المنتجة والمطابخ المحلية، وبالسياحة الإبداعية حين يشارك الزائر في الطهي بدل أن يكتفي بالمشاهدة، ويمتد إلى سياحة الفعاليات والمهرجانات، وسياحة العافية والاستشفاء بمكوناتها الطبيعية والموسمية، وحتى سياحة الحرفيات عبر الفخار والسلال وأدوات المائدة. لهذا نقول إن المطبخ العماني بوابة تنشّط سلسلة واسعة من المنتجات والأنشطة والتجارب السياحية.
ماذا عن الاستراتيجية التي تعمل عليها الوزارة لتسويق المطبخ العُماني إقليميًا وعالميًا، وما أبرز مستهدفاتها خلال السنوات المقبلة؟
القاعدة التي ننطلق منها واضحة نبني منظومة متكاملة بدءًا من توثيق المطبخ العماني وبناء المرجعية الوطنية وكتاب توثيق المطبخ العُماني الذي أعددناه مع جامعة السلطان قابوس مرجع مهم نبني عليه في المحتوى والتدريب والتسويق. ثم ننتقل إلى تطوير تجارب سياحية أصيلة قابلة للحجز مثل يوم مع صياد عُماني ينتهي بإعداد صيده وتذوقه أو زيارة مزرعة ليمون أو رمان أو المواسم الزراعية المختلفة أو جولة في سوق محلي بصحبة طاهٍ عماني، أو ورشة شواء عُماني وخبز تقليدي أو مائدة موسمية في قرية عمانية وفي ضيافة عمانية.
وبالتوازي نبني هوية واضحة للمطبخ العماني لأن عشرات الأطباق بلا قصة ولا سردية لا تصنع وجهة سياحية، الهوية تقوم على الكرم والضيافة والتنوع الجغرافي والتقاليد البحرية والتواصل الحضاري وارتباط المائدة بالمواسم والمناسبات. ونعمل كذلك على رفع حضور الأطباق العمانية في الفنادق والمطارات والمقاهي والاهتمام بجودة الإعداد والسرد.
ويبقى العنصر البشري في جوهر الخطة: الطهاة والمرشدين السياحيين و منظمي الرحلات وصناع المحتوى لتقديم المطبخ العماني باحترافية تضمن استدامته. ثم يأتي الحضور الدولي المنتقى في المعارض والمنتديات المتخصصة، ومنها المنتدى العالمي لسياحة فنون الطهي الذي تنظمه الأمم المتحدة للسياحة. كما نربط كل مبادرة بمؤشرات قياس اقتصادية واجتماعية لقياس الأثر. أما المستهدف خلال السنوات المقبلة فهو الانتقال من مرحلة التعريف بالمطبخ العُماني إلى مرحلة الطلب عليه ليصبح سببا يدفع الزائر لاختيار عُمان، وتمديد إقامته والتنقل بين المحافظات وتذوق المطبخ العماني في منبعه وفي المناسبات الاجتماعية.
تمتلك كل محافظة في سلطنة عُمان أطباقًا وموروثًا غذائيًا خاصًا بها، فكيف تعمل الوزارة على إبراز هذا التنوع ضمن التجربة السياحية؟
لا يراد تقديم التنوع كقائمة أطباق طويلة وإنما نريد بناء ما أسميه جغرافيا أو أطلس المذاق لسلطنة عمان . كل مكان عنده قصة مذاق وفنون للطهي مرتبطة ببيئته؛ المحافظات الساحلية قصتها البحر والصيد والتمليح والتجفيف، والمحافظات الزراعية قصتها الأفلاج والنخيل والعسل والمواسم الزراعية، والمناطق الجبلية قصتها الورد والرمان والعنب والأعشاب، وظفار عالم قائم بذاته مع الخريف واللبان وجوز الهند ومنتجات الألبان.
والفكرة العملية هو تطوير بصمة مذاق خاصة بكل محافظة تجمع مكوناتها المميزة وأطباقها ومشروباتها ومواسمها وأسواقها ومزارعها وموانئها وحرفها وحكاياتها وقبل كل شيء التجارب القابلة للحجز فيها ومن يستطيع تقديمها من أسر ومنتجين. وهذا مهم لأنه يفتح الباب لمسارات تمتد أياما بدل أن تقتصر على فعالية عابرة. تخيّل مسارا يبدأ بسوق محلي ثم مزرعة أو ميناء ثم تجربة طهي ثم زيارة حرفي يصنع أدوات التقديم وينتهي بوجبة مرتبطة بالمكان نفسه. والبيانات العالمية تدعمنا في ذلك وتنسجم مع هذا التوجه في توزيع الزوار خارج المراكز التقليدية ودعم التنمية الإقليمية والمشاركة الاقتصادية للمجتمعات.
إلى أي مدى يمكن لسياحة المأكولات أن تسهم في زيادة مدة إقامة السائح ورفع متوسط إنفاقه داخل سلطنة عُمان؟
التأثير يمس ثلاثة أشياء: مدة الإقامة، ومتوسط الإنفاق، وتوزيع هذا الإنفاق على أكبر عدد من المستفيدين. على سبيل المثال حين تُقدَّم الوجبة كخدمة يدفع الزائر ثمنها وينتهي الأمر. لكن حين تتحول إلى تجربة سياحية رحلة صيد ترفيهي مثلا فهو يدفع مقابل القارب والمرشد والبحّار والمعدات وإعداد الصيد ثم يشتري منتجات بحرية أو حرفية قبل أن يغادر، وجبة واحدة تحولت إلى سلسلة اقتصادية كاملة. يعني العلاقة الاقتصادية تستمر إلى ما بعد الوجبة نفسها.
ثم إن سياحة المذاق تحرّك الزائر جغرافيًا. من يريد اكتشاف منتجات الجبل والمأكولات البحرية ومطبخ ظفار الموسمي يحتاج برنامجا يمتد أياما وليست زيارة قصيرة لمدينة واحدة. ويتضاعف الأثر حين تكون التجارب السياحية قابلة للحجز الرقمي وواضحة السعر والمدة ومرتبطة بالإقامة والنقل ومتاحة خارج المواسم التقليدية. هنا من المهم أن نستذكر حجم المنافسة الدولية فالمجلس العالمي للسفر والسياحة توقع وصول إنفاق الزوار الدوليين في الشرق الأوسط إلى تقريبًا مائة وأربعة وتسعين مليار دولار في عام ألفين وخمسة وعشرين، عليه فإن السباق والمنافسة اليوم ليست على أعداد الزوار فقط ولكن على نصيب كل وجهة من هذا الإنفاق وسياحة المذاق وفنون الطهي من أقوى أدواتنا في هذا السياق.
كيف تعمل الوزارة على توثيق الوصفات والأطباق العُمانية والمحافظة على أصالتها، مع تشجيع الابتكار والتطوير في الوقت نفسه؟
للتوضيح فإن التوثيق ليس تجميدا للمطبخ والابتكار لا يعتبر تشويها للوصفة. نحن نبحث عن توازن بين الأصل الموثق والتطوير المسؤول. فالتوثيق يتجاوز تسجيل الوصفة إلى توثيق اسم الطبق ومسمياته المحلية وبيئته ومكوناته الموسمية وأدوات إعداده ومناسبته الاجتماعية ومن يحفظون معرفته حتى الحكايات والمصطلحات المرتبطة به. ومن المهم عدم الاكتفاء بالأطباق الشهيرة فقط ولذلك نهتم أيضًا بإبراز المأكولات المهددة بالاندثار وأكلات البحّارة والرعاة والمزارعين وطرق الحفظ التقليدية. وبالمناسبة هذا التنوع أصل تنافسي وليس عبئًا، فالدراسات تبيّن أن اثنين وثمانين بالمائة من السياح المهتمين بفنون الطهي يفضّلون الأطباق التقليدية على المأكولات العامة المكررة.
أما الابتكار المسؤول فله مساحات واسعة. يمكن أن نبتكر في التجربة بتحويل الوصفة إلى ورشة أو مسار سياحي ويمكن أن نبتكر في طرق التقديم دون طمس هوية الطبق، ويمكن أن نبتكر في المنتج بتحويل المكوّن المحلي إلى سلعة قابلة للتصدير، ويمكن أن نبتكر في المنصات الإلكترونية وفي نموذج الأعمال وفي الاستدامة بتقليل الهدر والاستفادة من المواسم.
والحل العملي الذي يجمع بين الاثنين هو التصنيف الواضح. هل هذا الطبق تقليدي موثق؟ أم مستوحى من التراث؟ أم معاصر بمكونات عُمانية؟ أم ابتكار جديد؟ بهذا نحمي الأصالة ونعطي الطهاة حرية الإبداع ولا نربك الزائر بتقديم المستحدث على أنه وصفة تاريخية.
ما أبرز الفرص الاستثمارية التي تراها الوزارة في قطاع سياحة المأكولات، سواء للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أو لرواد الأعمال؟
الفرص هنا أوسع بكثير من فتح مطعم. نتحدث عن سلسلة كاملة تمتد من الإنتاج إلى التجربة إلى التقنية إلى المحتوى. هناك جولات المذاق في الأسواق والأحياء القديمة وقرى الصيد مع مرشدين متخصصين في التاريخ الطهوي، وهي بالمناسبة النشاط الأسرع نموا في القطاع عالميا. وهناك المزارع السياحية بتجارب الحصاد والتذوق والإقامة الريفية والمطاعم القائمة على منتجات المزرعة نفسها. وهناك البحر والصيد الترفيهي، من الرحلات المنظمة إلى جولات الموانئ وأسواق السمك وتجارب المأكولات البحرية الساحلية.
وتوجد فرصة جميلة في التجارب المنزلية والمطابخ المجتمعية حيث تقدم الأسر ضيافة أصيلة محدودة العدد ومرتفعة القيمة ضمن أطر واضحة للسلامة والجودة والرقابة الصحية. وهناك المهرجانات الموسمية المرتبطة بالحصاد ومواسم الصيد بدل الفعاليات العامة المتشابهة، والمنتجات الغذائية السياحية من تمور وعسل وتوابل وحلوى ومنتجات بحرية مجففة مع تطوير التعبئة والهوية، وحرف المائدة من فخار وسلال ومباخر وأدوات حفظ وتقديم.
ولمن يميل إلى التقنية وريادة الأعمال الرقمية، الباب مفتوح على مصراعيه: منصات الحجز والدفع والخرائط التفاعلية وربط الفنادق بالمزارعين وتوثيق مصدر المكونات، إضافة إلى المحتوى الإبداعي من تصوير وأفلام وبودكاست، والابتكار الطهوي في المطابخ التجريبية والحاضنات وحلول تقليل الهدر. ومما يشجع على ذلك أن حوالي نصف الحجوزات في هذا القطاع عالميًا تتم إلكترونيًا. والرسالة المهمة هنا هي تشجيع المؤسسات الصغيرة على أن تتحول إلى شريك دائم في سلسلة القيمة السياحية والابتكار السياحي.
كيف يجري تأهيل الطهاة العُمانيين لتمثيل المطبخ العُماني في المحافل الدولية؟ وهل توجد برامج أو شراكات متخصصة لتحقيق ذلك؟
الطاهي الذي يقف باسم سلطنة عمان في محفل دولي لا يمثل مهارته فقط، هو يمثل هوية وثقافة ومجتمعا كاملا. لذلك التأهيل الذي نتحدث عنه يتجاوز تقنيات المطبخ. نريد طاهيا يعرف تنوع محافظاتنا ويروي قصة الطبق بمختلف اللغات ويفهم مصادر المكونات ومواسمها ويجيد التقديم الحي أمام الجمهور والإعلام ويلتزم بمعايير السلامة وبمدونة مهنية واضحة ويبتكر دون أن يفرط في الأصالة.
والفكرة أن يكون التأهيل بمستويات متعددة تشمل الطهاة المحترفين والطهاة الشباب وطهاة المجتمع المحلي ومقدمي التجارب المنزلية، حتى لا تُحصر معرفة المطبخ العماني في الفنادق وحدها. وهذا يحتاج شراكات مع مؤسسات التعليم والفنادق والجمعيات المهنية والطهاة الدوليين. فبناء القدرات هنا استثمار مباشر في التشغيل الوطني وليس مجرد برنامج تدريبي.
ما دور المزارعين والصيادين والحرفيين ومنتجي الأغذية المحليين في بناء منظومة متكاملة لسياحة المأكولات؟
دورهم هو الأساس كله. لا يمكن بناء السياحة الثقافية المبنية على المذاق وفنون الطهي إذا بدأنا من المطعم حيث إن البداية هي من التربة والبحر والمنتِج. المزارع ليست موردًا فقط بل مضيفًا يشرح للزائر الأفلاج وأساليب الري والمواسم ثم يشاركه إعداد وجبة من إنتاج مزرعته. والصياد يحمل معرفة بالبحر والرياح والمواسم وأنواع الأسماك وهذه المعرفة تتحول إلى رحلات صيد ترفيهي وجولات في الموانئ وورش لتجهيز المأكولات البحرية مع احترام الضوابط البيئية ومواسم الصيد.
والحرفيون يكملون الحكاية فلا نفضل فصل الطبق عن الوعاء الفخاري والسلة والمجلس والبخور وطريقة التقديم وهي كلها معًا تصنع تجربة الضيافة العُمانية. أما منتجو الأغذية المحليون فهم من يمدّد العلاقة مع الزائر إلى ما بعد الرحلة حيث يتذوق المنتج في التجربة، ثم يشتريه هدية ثم يطلبه إلكترونيًا بعد عودته إلى بلده. و تؤكد منظمة الأمم المتحدة للسياحة أن تقوية الروابط بين الزراعة وفنون الطهي والسياحة من أنجح وسائل دعم التنمية الريفية وتمكين المجتمعات والمنتجين.
إلى أي مدى تسهم المبادرات المرتبطة بسياحة المأكولات في تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل للمجتمعات في المحافظات؟
ما يميز سياحة المذاق أنها توزع العائد والاستفادة على أوسع قاعدة ممكنة. تجربة واحدة يستفيد منها شريحة واسعة من الأطراف ذات العلاقة؛ المزارع والصياد والطاهي والمرشد والسائق والحرفي والمصور ومنتج الأغذية ومنصة الحجز. والجميل أن العديد من هذه الفرص لا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وإنما تحتاج إلى تنظيم ومعايير وتأهيل وتسويق. ولهذا فهو مناسب جدًا لتمكين المرأة والشباب والأسر المنتجة وسكان القرى والمجتمعات المحلية.
وحتى يكون الأثر حقيقيًا وملموسًا فلا نكتفي بإشراك المجتمع في فعالية مؤقتة ثم ينتهي كل شيء. المطلوب هو نماذج أعمال مستدامة بعقود توريد منتظمة مع الفنادق والمطاعم، وإدراج التجارب السياحية في برامج منظمي الرحلات ومنصات حجز مباشر، وقياس الإيرادات التي تبقى فعلًا داخل المجتمع المحلي والوظائف المباشرة وغير المباشرة في التصميم والتعبئة والنقل والتقنية والمحتوى، فهي جزء أصيل من هذا الاقتصاد.
ما أبرز التحديات التي تواجه تطوير سياحة المأكولات في سلطنة عُمان، سواء على مستوى التشريعات أو الاستثمار أو التسويق أو الكفاءات؟
التحدي الأول أن إرث المطبخ العماني واسع جدًا لكن ما تحول منه إلى تجارب سياحية منظمة ما زال محدودًا، ووجود طبق متميز لا يعني تلقائيًا وجود منتج سياحي. والتحدي الثاني أن سياحة المذاق تقع عند تقاطع جهات كثيرة: السياحة والزراعة والثروة السمكية والصحة والبلديات والتجارة والثقافة وهذا يتطلب حوكمة واضحة وتنسيقًا مستمرًا.
على المستوى التنظيمي، نحتاج أطرًا مرنة وآمنة للتجارب المنزلية والمزارع السياحية والصيد الترفيهي دون تحميل المشاريع الصغيرة متطلبات لا تناسب حجمها. وهناك تحديات عملية نعرفها مثل تفاوت الجودة والسلامة، ومحدودية قابلية بعض التجارب للحجز، وضعف التغليف والتعريف بالمنتجات، ونقص المرشدين المتخصصين في الثقافة الطهوية، ومحدودية حضور المطبخ الهعماني في بعض الفنادق والميل إلى التركيز على الأطباق الشهيرة وإهمال التنوع المحلي، وضعف استمرارية بعض المبادرات بعد انتهاء الفعالية.
تشهد دول عديدة منافسة قوية في هذا المجال، فما الميزة التنافسية التي يمتلكها المطبخ العُماني مقارنة بوجهات سياحة المأكولات الأخرى؟
لن أقول لك إن مطبخنا لذيذ ومتنوع فكل وجهة في العالم تقول العبارة نفسها. الميزة الحقيقية يجب أن تكون محددة وقابلة للتحويل إلى تجربة سياحية. عندنا أولا التقاء البيئات: مطبخ البحر والجبل والصحراء والواحة والخريف في زيارة واحدة، وقليل من الوجهات يستطيع ذلك. وعندنا تاريخ بحري حمل مؤثرات من بلدان مختلفة لكن المطبخ العماني أعاد صياغتها بشخصية عُمانية واضحة.
وعندنا الضيافة كممارسة اجتماعية فالمائدة العُمانية نظام كامل من الترحيب والمشاركة واحترام الضيف وهذا وحده يصنع تجربة إنسانية يفتقدها كثير من المسافرين. وأطباقنا تُطهى في البيوت والمناسبات كل يوم، فأصالتنا حية وليست للعرض السياحي فقط. ومنتجاتنا مرتبطة بمواسم زراعية وبحرية حقيقية وهذا بالضبط ما يبحث عنه السائح المعاصر الذي يريد معرفة المصدر والموسم.
والميزة السادسة وهي من أقوى ما نملك: الهدوء فنستطيع تقديم تجارب صغيرة وعميقة وليست بالضرورة تجارب جماهيرية مزدحمة لذلك ننافس بتقديم نموذجنا الخاص: من البحر والأرض إلى المائدة، بصحبة المجتمع العُماني والضيافة العمانية الأصيلة.
كيف تستفيد الوزارة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية وصناع المحتوى في الترويج للمطبخ العُماني والوصول إلى أسواق سياحية جديدة؟
التقنية ليست أداة ترويج فقط فهي تطوير لرحلة الزائر كاملة من اكتشاف التجربة إلى الحجز والدفع، إلى التقييم وإعادة شراء المنتجات بعد العودة. تخيّل خريطة رقمية للمذاق تحدد المزارع والأسواق والموانئ والمنتجين حسب المحافظة والموسم وحجزا فوريا لورشة طهي أو زيارة مزرعة أو رحلة صيد بمعلومات واضحة عن السعر والمدة واللغة، وسردا رقميا بالفيديو والواقع المعزز يعرّف بقصة المنتج والطاهي والحرفي، ورموزا لتتبع مصدر العسل والتمور والأسماك بحيث تزيد الثقة والقيمة، وذكاء اصطناعيًا يقترح على الزائر تجارب تناسب تفضيلاته وميزانيته واحتياجاته، وتحليل بيانات يخبرنا أين يتردد الزائر وأين يتوقف قبل إتمام الحجز.
والأرقام تثبت أن هذا المسار هو ضرورة حتمية حيث إن حوالي نحو نصف الحجوزات في القطاع تتم عبر منصات السفر الإلكترونية، وأكثر من خمسة وسبعين بالمائة من مسافري جيلي الألفية وزد يسعون خلال رحلاتهم لتجربة أصناف انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. المحتوى الرقمي اليوم من أقوى ما يحرك اختيار الوجهات.
أما مع صناع المحتوى، فنريد الانتقال من نموذج تذوّق وصوّر ومقاطع عابرة إلى القصة المتكاملة: من أين جاء المكوّن؟ ومن أنتجه؟ وما علاقته بالموسم؟ وكيف يُطهى؟ ومن يستفيد من شرائه؟ هذه القصة هي التي تبني الوجهة السياحية.
إذا نظرنا إلى المشهد بعد خمس سنوات، كيف تتطلع الوزارة إلى أن تكون مكانة سلطنة عُمان على خريطة سياحة المأكولات عالميًا؟ وما المشروعات أو المبادرات التي ستقود هذا التحول؟
طموحنا أن ننتقل من بلد يملك إرثًا غنيًا في المأكولات وفنون الطهي إلى وجهة معترف بها عالميا بتجربة مذاق متكاملة. نريد أن يعرف العالم أن في كل محافظة عُمانية مذاقا مختلفا وتجربة يمكن حجزها والاستمتاع.
وسيقود هذا التحول حزمة مشروعات مترابطة نعمل عليها: خريطة وطنية لسياحة المذاق توثق الأصول والتجارب في كل المحافظات، ومسارات مذاق تربط المدن والقرى والأسواق والموانئ، وبرنامج للمزارع السياحية يربط الزراعة بالأفلاج والحصاد والإقامة الريفية، وبرنامج من البحر إلى المائدة يجمع الصيد الترفيهي وقرى الصيادين والاستدامة البحرية، وبرنامج سفراء المطبخ العُماني لتأهيل الطهاة والمضيفين والمرشدين، وعلامة جودة لتجارب المذاق تضمن الأصالة والسلامة ومشاركة المجتمع، ومختبر ابتكار لفنون الطهي يربط الطهاة بالمزارعين والمصممين ورواد الأعمال، ومواسم مذاق في المحافظات مرتبطة بالمنتجات الحقيقية لا فعاليات عامة، ومنصة رقمية موحدة للاكتشاف والحجز والشراء، ومرصد اقتصادي يقيس الإنفاق والقيمة المحلية وفرص العمل، إضافة إلى تعزيز حضور المطبخ العماني في المنشآت السياحية وبرنامج دولي للدبلوماسية الثقافية عبر فنون الطهي.
وكيف سنعرف أننا نجحنا؟ ليس فقط بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بعدد التجارب عالية الجودة ومستوى الإنفاق السياحي وانتشار منتجاتنا المحلية وعدد رواد الأعمال ومدى استفادة المحافظات والمجتمعات من هذا النمو.
الاتجاهات العالمية التي ينبغي أن تستجيب لها التجربة العُمانية
ذائقة المسافر تتغير حول العالم ومن المهم أن نفهم هذه التحولات ونحن نطور تجربتنا. السائح اليوم يبحث عن أصالة غير مصطنعة ويريد لقاء الناس الحقيقيين والأماكن التي يأكل فيها السكان، ويريد أن يشارك لا أن يكتفي بالمشاهدة، أن يعجن ويطبخ ويحصد ويصطاد ويتعلم.
ونلاحظ كذلك نمطًا متصاعدًا على التجارب الصغيرة محدودة العدد التي تتيح تواصلا مباشرا مع المضيفين، وتجارب تجمع المذاق بالطبيعة والصحة والهدوء، وهو ما يفتح بابًا لربط الأعشاب والمنتجات المحلية بسياحة العافية والاستشفاء والسياحة العطرية. بحيث يصبح موسم الحصاد أو الصيد هو سبب اختيار توقيت الرحلة، وهذا يساعدنا على معالجة الموسمية وتوزيع الطلب على مدار العام.
وهناك ثلاث حقائق علينا استشعارها. الأولى أن المسافر يريد الاستدامة ويريد دعم المجتمع وتقليل الأثر البيئي مع سهولة الحجز وقيمة واضحة. والثانية أن قابلية التجربة للسرد والتصوير أصبحت جزءًا من تنافسيتها بشرط ألا تتحول إلى مظهر بصري بلا مضمون. والثالثة أن أنجح التجارب في العالم لم تعد تقدم المذاق كبرنامج مستقل وإنما برنامج مدمجة مختلفة مع المشي والمغامرة والبحر والحرف والتسوق مع تخصيص واضح يراعي الخيارات الصحية والنباتية دون التأثير في هوية المطبخ.