أكد مختصون اجتماعيون أن الأسرة تمثل الركيزة الأولى في بناء شخصية الأبناء وتشكيل وعيهم، مشيرين إلى أن الحوار والقدوة الحسنة والمتابعة المستمرة تسهم في تنمية الثقة بالنفس، وترسيخ القيم، وتعزيز القدرة على تحمل المسؤولية، وحماية الأبناء من المشكلات السلوكية والتحديات المرتبطة بالتقنيات الحديثة.
وأوضح المختصون أن دور الأسرة لم يعد مقتصرًا على توفير الاحتياجات المعيشية والتعليمية؛ إذ امتد مع التطورات المتسارعة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي ليشمل تنمية الوعي، وتعزيز الهوية، وترسيخ ثقافة الحوار، ومساعدة الأبناء على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وبناء شخصية متوازنة قادرة على التعامل مع متطلبات الحياة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور خليفة بن سالم الصارمي أستاذ مساعد بجامعة نزوى: إن معظم الأسر تدرك أهمية دورها التربوي في بناء شخصية الأبناء، إلا أنها تواجه عددًا من التحديات، من بينها الانشغال بالعمل، وكثرة استخدام الهواتف الذكية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي تقلل الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أبنائهما.
وبيّن أن مواجهة هذه التحديات لا تتطلب إجراءات معقدة، وإنما تبدأ بخطوات يومية بسيطة، مثل تخصيص وقت للحوار، وتناول وجبة مشتركة مع أفراد الأسرة، وتشجيع الأبناء على القراءة، وممارسة الأنشطة الجماعية، وتعزيز القيم الأخلاقية من خلال المواقف والتعاملات اليومية.
خط الدفاع الأول
من جانبه، لفت زكريا بن سعيد الخروصي الأخصائي الاجتماعي بمدرسة الشيخ حمدان بن خميس اليوسفي بمحافظة مسقط، إلى أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في حماية الأبناء من المشكلات السلوكية، موضحًا أن العلاقة القائمة على الاحترام والحوار تقلل من احتمالات انجرافهم نحو السلوكيات السلبية.
وذكر أن متابعة الأبناء والتعرف على أصدقائهم وتنظيم استخدامهم للأجهزة الإلكترونية أصبحت من أبرز مسؤوليات الأسرة، إلى جانب الاهتمام بصحتهم النفسية من خلال التشجيع والكلمة الطيبة وإتاحة المجال أمامهم للتعبير عن أفكارهم ومشكلاتهم دون خوف أو تردد.
من جهتها، أوضحت الريان بنت يحيى الخروصي معلمة الرياضيات بمدرسة أم حكيم بولاية العوابي، أن الطالب الذي يحظى بمتابعة أسرية مستمرة يظهر التزامًا وثقة أكبر بالنفس، ويتفاعل بصورة إيجابية مع معلميه وزملائه، في حين قد يعاني الطالب الذي يفتقد الاهتمام الأسري من ضعف الدافعية أو بعض المشكلات السلوكية.
وأكدت أن التعاون بين الأسرة والمدرسة يمثل أساسًا لنجاح العملية التعليمية، وأن غرس قيم الصدق والاحترام والانضباط يبدأ من المنزل، مشيرة إلى أن القدوة الحسنة تعد من أكثر الوسائل تأثيرًا في تربية الأبناء؛ إذ يكتسب الطفل كثيرًا من سلوكياته من خلال ملاحظة تصرفات والديه والمحيطين به.
دور الأسرة والمسجد
وتناول عبدالسلام بن ناصر الشريقي إمام جامع صنيبع، أهمية تكامل أدوار الأسرة والمسجد في بناء شخصية الأبناء وغرس القيم الدينية والأخلاقية لديهم، موضحًا أن الشراكة بينهما تسهم في ترسيخ السلوك الإيجابي وتعزيز الوعي والانتماء لدى النشء.
وبيّن أن المسجد يؤدي دورًا تربويًا من خلال الدروس والمحاضرات والبرامج التوعوية التي تغرس مبادئ الاحترام والتعاون، فيما تبقى الأسرة الشريك الأساسي في متابعة الأبناء وترجمة هذه القيم إلى ممارسات يومية.
ولفت إلى أن هذا التكامل يسهم في إعداد جيل واعٍ متمسك بدينه وقيمه، وقادر على مواجهة تحديات العصر والإسهام في خدمة مجتمعه ووطنه.
من جانبه، أوضح حمد بن عبدالله الشريقي أحد أولياء الأمور، أن تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، مشيرًا إلى أهمية تخصيص وقت يومي للحوار معهم والاستماع إلى آرائهم واحتياجاتهم.
وأضاف: إن الحوار والإقناع أكثر فاعلية من العقاب المستمر في بناء شخصية مستقلة قادرة على اتخاذ القرار، كما يسهمان في تعزيز الثقة بين الأبناء ووالديهم، ويجعلانهم أكثر تقبلًا للنصيحة والتوجيه.
تشجيع الأبناء
ووصفت غنية بنت ناصر الريامي الأسرة بأنها مدرسة للحب والرحمة والاحترام، ولا يقتصر دورها على توفير الاحتياجات المادية للأبناء، موضحة أنها تحرص على إشراك أطفالها في بعض الأعمال المنزلية لتنمية قدرتهم على تحمل المسؤولية، وتشجعهم على القراءة والمشاركة في الأنشطة المختلفة.
وأشارت إلى أن تشجيع الأبناء والإشادة بإنجازاتهم، مهما كانت بسيطة، يعززان ثقتهم بأنفسهم ويدفعانهم إلى مواصلة التعلم وتحقيق مزيد من النجاح.
بدوره، ذكر حذيفة بن أحمد البحري طالب بجامعة السلطان قابوس، أن أسرته أدت الدور الأكبر في نجاحه؛ إذ شجعه والداه منذ الصغر على القراءة والمناقشة وإبداء الرأي، ومنحاه الحرية في اختيار مساره الدراسي مع استمرار التوجيه والمتابعة.
وأوضح أن هذا الأسلوب ساعده على اكتشاف قدراته، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية قدرته على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، مؤكدًا أن دعم الأسرة كان دافعًا أساسيًا في مسيرته الدراسية.
وتظل الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معاني الحب والاحترام والانتماء والمسؤولية، ومع تكامل دورها مع المدرسة والمسجد تتعزز مقومات بناء شخصية الأبناء، ويظل الحوار والقدوة الحسنة والاهتمام المستمر من أبرز الركائز التي تسهم في إعداد جيل واعٍ قادر على مواجهة تحديات الحياة والمشاركة الفاعلة في خدمة وطنه ومجتمعه.