لندن"د. ب. أ": منذ دخول وقف إطلاق النار بقطاع غزة حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، ركز مجلس السلام بصورة أساسية على نزع سلاح حركة حماس، باعتباره مفتاح الطريق أمام تنفيذ العناصر الأخرى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المؤلفة من 20 نقطة.


وتشمل هذه العناصر دخول اللجنة الوطنية التكنوقراطية لإدارة غزة، إلى القطاع، ونشر قوة الاستقرار الدولية، والشروع في جهود إعادة الإعمار التي تشتد الحاجة إليها.


وحال التركيز على نزع السلاح دون إجراء أي نقاش بشأن انسحاب إسرائيل من القطاع. وبدلا من ذلك، وسعت إسرائيل نطاق سيطرتها على غزة بصورة كبيرة منذ بدء وقف إطلاق النار، من نحو 53% من مساحة القطاع في أكتوبر - المنطقة التي تحددها ما يُعرف بـ "الخط الأصفر"- إلى قرابة 70% حاليا.


وتقول الدكتورة جولي نورمان- وهي زميلة مشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالمعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)- إن إعلان الرئيس ترامب مؤخرا أن حماس وافقت على خطته لنزع السلاح أدى إلى تغيير هذه المعادلة.


وأضافت نورمان في تحليل نشره "تشاتام هاوس"، أنه من خلال "إحراج إسرائيل وإجبارها عمليا على كشف مدى جديتها في التمسك بمواقفها، قد تؤدي خطوة حماس إلى ممارسة ضغوط خارجية على إسرائيل بشأن غزة للمرة الأولى منذ شهور. ويبقى السؤال هو ما إذا كان مجلس السلام بصفة عامة، وترامب بشكل خاص، على استعداد لممارسة الضغط اللازم على الطرفين لتجاوز حالة الجمود الراهنة".


-ليس من المرجح حدوث تغير -
وتعتقد الدكتورة نورمان أنه ليس من المرجح الاتفاق في أي وقت قريب على جدول زمني لتفكيك الأسلحة، أو خفض أعداد القوات.


كما رجحت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سوف يسعى إلى إطالة أمد أي مفاوضات مقبلة إلى أقصى حد ممكن، "حيث إن آخر شئ قد يريده مع اقتراب انتخابات أكتوبرهو ممارسة الولايات المتحدة ضغوطا عليه للانسحاب من غزة. وأي إشارة علنية من نتنياهو إلى أن إسرائيل سوف تقلص سيطرتها على غزة، أو تقدم تنازلات لحماس، من المرجح أن تؤدي إلى خسارته قاعدته الانتخابية." وبعيدا عن قبول انسحاب إسرائيل من القطاع، أعلن وزراء إسرائيليون يمينيون بالفعل خططا لإقامة مستوطنات جديدة في غزة.


وترى نورمان أن إطالة أمد العملية يصب في مصلحة حماس، "ومن المرجح أن تكون موافقة الحركة على خطة ترامب خطوة براجماتية من جانب زعيم حماس الجديد خليل الحية: فهذه الموافقة تبقي الحركة طرفا حاضرا في النقاش بشأن مستقبل غزة، وقد تعزز موقفها في مواجهة مجلس السلام، وربما تنقل حتى مسؤولية التعنت إلى إسرائيل. لكن حماس تدرك أن التفكيك الفعلي لترسانتها من الأسلحة لن يكون فوريا".


وفي الواقع، من المرجح أن يتمسك الطرفان أكثر بمطالب تتعلق بترتيب الخطوات، وهي المطالب التي عرقلت محاولات سابقة للتوصل إلى اتفاقات بشأن غزة: فمن المرجح أن تشترط إسرائيل نزع سلاح حماس بالكامل قبل الانسحاب، بينما سوف تصر حماس، على الأرجح، على انسحاب إسرائيل قبل تفكيك أسلحتها.


وأشار التحليل إلى تقارير، أفادت بأن إسرائيل أصرت أمام مجلس السلام على احتفاظها بحق شن ضربات على المناطق المقرر تسليمها إلى قوة الاستقرار الدولية، كما اعترضت على مشاركة قطر وتركيا ــ وهما وسيطان محوريان في الاتفاق مع حماس ــ في مراحل التحقق المستقبلية من خارطة الطريق. وطالبت تل أبيب كذلك بتدمير أسلحة حماس بدلا من تخزينها بعد مصادرتها.


وتشير نورمان إلى أن حماس تتبع "نهجا تحوطيا"، فقد أكدت أن خطواتها سوف تظل مشروطة بإنهاء إسرائيل "جميع أشكال العدوان"، والانسحاب إلى "الخط الأصفر" الذي حدده اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، والسماح بدخول قوة الاستقرار الدولية واللجنة الوطنية لإدارة غزة، إلى جانب الوفاء بالالتزامات المتعلقة بإدخال المساعدات الإنسانية".


كما رفضت حماس المطالب الإسرائيلية بتدمير أسلحتها، وتجنبت، عمدا، استخدام مصطلحات مثل "نزع السلاح" أو "الاستسلام". وفي الواقع، لا يرد مصطلح "نزع السلاح" في أي موضع من خارطة الطريق التي طرحها الرئيس ترامب، إذ تستخدم بدلا منه مصطلح "إخراج الأسلحة من الخدمة"، وهو مفهوم مستلهم جزئيا من تجربة أيرلندا الشمالية.
وعلاوة على ذلك، "من المرجح أن ترفض حماس الإقدام على تفكيك كامل لترسانتها العسكرية، ما لم يكن ذلك جزءا من عملية تفاوضية أوسع تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية".


ورغم أن خطة نزع السلاح لا تشير صراحة إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير، فإنها تنص في المادة الثامنة على استكمال "الالتزامات المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ"، وهو البروتوكول الوارد ضمن خطة ترامب الأصلية ذات العشرين نقطة. وتشير النقطة التاسعة عشرة من الخطة إلى "فتح مسار موثوق نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.... وفي حين يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل قاطع فكرة الدولة الفلسطينية، سوف تتمسك حماس بهذا المطلب".


وشدد مسؤولون أمريكيون وآخرون من مجلس السلام على "انعدام الثقة" فيما يتعلق بخارطة الطريق، مشددين على أن تنفيذها سيستند حصرا إلى خطوات وشروط يجري التحقق منها من قبل جهات خارجية. إلا أنه حتى في العمليات القائمة على المعاملة بالمثل، لا بد أن يبدأ أحد الطرفين بالخطوة الأولى. والأرجح، بحسب نورمان، أن يسعى الطرفان إلى كسب الوقت عبر إخطار مجلس السلام بما يريد سماعه، أو على الأقل إعطائه انطباعا بذلك. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يتجنب الطرفان تقديم أي التزامات حقيقية من خلال الاعتراض على واحدة أو أكثر من التفاصيل المعقدة العديدة اللازمة لتنفيذ الخطة فعليا.


-الضغوط الخارجية اهمية بالغة -
وفي هذا السياق، يكتسب الالتزام الخارجي والضغوط الخارجية أهمية بالغة. وبالنسبة لحماس، كانت جهود الوساطة التي بذلتها مصر وتركيا وقطر ضرورية لدفع الحركة إلى إعلان قبولها الاتفاق، "ولكن هذه الدول الإقليمية سوف تكون أقل قدرة على التأثير في حماس لحملها على تنفيذ الاتفاق، لأنها ليست موجودة فعلياً على الأرض في غزة لفرض الالتزامات أو تقديم ضمانات أمنية".


وعلى الجانب الإسرائيلي، لا يزال من غير الواضح مدى استعداد الولايات المتحدة، وبالتالي مجلس السلام، لممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل، حتى لمجرد بحث مسألة الانسحاب..
وتشير الدكتورة نورمان إلى عدة عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار: أولها مدى التزام ترامب شخصيا بدفع الاتفاق إلى الأمام بعد الضجة الإعلامية التي صاحبت عناوينه الأولى، وحذرت من أنه "من السهل أن تصبح خارطة طريق نزع السلاح ضحية أخرى لنهج ترامب المتسرع في الدبلوماسية." ومن ناحية أخرى فإنه إذا حاول ترامب مواصلة المسار في غزة، من غير الواضح مدى استعداده للضغط على إسرائيل، أو حجم النفوذ الذي سوف يتمتع به على نتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية.


ورغم نفي نتنياهو وجود خلاف شخصي بينه وبين ترامب، فإن العلاقات بين الزعيمين تبدو بالتأكيد أكثر فتورا، "في ظل حالة من الإحباط المتبادل إزاء مسار الحرب مع إيران".


وفي هذا السياق، من المرجح أن يتوقع ترامب من إسرائيل الانصياع للاتفاق الأخير الذي طرحه. لكن نتنياهو، الذي يشعر بالاستياء من القيود الأمريكية المفروضة على العمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا، سوف يسعى إلى إظهار استقلاليته عن ترامب أمام الناخبين والمنتقدين، خاصة فيما يتعلق بالقضية البارزة المتمثلة في غزة.


وفي ختام التحليل، تقول نورمان إنه مهما كانت دوافع حماس وراء الموافقة، "تتيح هذه الخطوة فرصة لتحويل مسار الضغوط الخارجية، بما يساعد على كسر الجمود الذي ترك مليوني فلسطيني في غزة يعانون أوضاعا بالغة السوء. لقد كان الضغط على حماس ضروريا ومبررا بشكل تام، ولا يزال كذلك، سواء من أجل استقرار غزة أو أمن إسرائيل. لكن يجب أن يقترن الآن بالضغط على إسرائيل أيضاً، إذا كان ثمة أي فرصة لإحراز تقدم نحو مستقبل مستدام لغزة".