تواصل إدارة البيئة بمحافظة مسندم تنفيذ مشروع "حديقة مسندم المرجانية" لإعادة تأهيل المواقع البحرية المتضررة، وتعزيز الغطاء المرجاني، ودعم التنوع الأحيائي، من خلال استزراع أجزاء من الشعاب المرجانية على هياكل إسمنتية صديقة للبيئة وصفائح من الألومنيوم، ضمن برنامج للرصد والتقييم الذي يستمر حتى نهاية عام 2029.
ويُعد المشروع إحدى المبادرات البيئية الهادفة إلى إيجاد موائل بحرية جديدة تسهم في نمو الشعاب المرجانية وتكاثر الأسماك والكائنات البحرية، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات علمية توثّق مراحل الاستزراع ومعدلات النمو والبقاء والتغيرات البيئية في الموقع.
وتُمثّل الشعاب المرجانية أحد أهم النظم البيئية البحرية؛ لما توفره من مأوى ومناطق للتغذية والتكاثر لعدد كبير من الكائنات الحية، فضلًا عن دورها في المحافظة على التوازن البيئي، إلا أنها تتعرض لعدد من التحديات الناتجة عن التغيرات المناخية وبعض الممارسات والأنشطة البشرية.
وقال عبد الواحد بن حسن الكمزاري، رئيس قسم الرقابة البيئية بإدارة البيئة بمحافظة مسندم، إن فكرة إنشاء «حديقة مسندم المرجانية» جاءت ثمرةً لأعمال الرصد والمتابعة والمسوح الميدانية التي تنفذها الإدارة ضمن خطة بيئية معتمدة، كشفت عن تأثر عدد من المواقع البحرية نتيجة بعض الممارسات غير السليمة، الأمر الذي استدعى تبني مبادرات تسهم في استعادة التوازن البيئي وتعزيز استدامة النظم البحرية.
وأضاف في حديثه لـ«عُمان» أن تنفيذ المشروع انطلق عام 2023 عبر إنزال 250 هيكلًا إسمنتيًا صديقًا للبيئة في الموقع المخصص للحديقة، لتشكل هذه الهياكل نواةً لموائل بحرية جديدة، فيما تواصلت الأعمال خلال عام 2024 بإضافة 250 هيكلًا إسمنتيًا آخر، ليبلغ إجمالي الهياكل الاصطناعية المغمورة 500 هيكل، ضمن جهود تهدف إلى دعم التنوع الأحيائي البحري وتوفير بيئة ملائمة لنمو الكائنات البحرية.
وأوضح أن المشروع دخل خلال عام 2025 مرحلة جديدة تمثلت في الاستزراع المرجاني، من خلال تثبيت أجزاء من الشعاب المرجانية على 250 هيكلًا إسمنتيًا، إلى جانب إنزال 50 صفيحة من الألومنيوم جرى استزراعها بقطع مرجانية، في خطوة تعزز فرص نمو الشعاب واستعادتها، وتدعم القيمة البيئية والسياحية للموقع.
وأشار إلى أن الأعمال التنفيذية تتواصل خلال عام 2026 باستكمال الاستزراع على 250 هيكلًا إسمنتيًا، وإنزال 50 صفيحة ألومنيوم إضافية، إلى جانب تنفيذ أعمال الترقيم والمتابعة والتقييم لقياس معدلات نمو الأجزاء المرجانية المستزرعة وبقائها.
وبيّن أن قطع المرجان تُثبت على الهياكل الإسمنتية وصفائح الألومنيوم باستخدام مواد مخصصة تتحمل الظروف البحرية ولا تسبب أضرارًا للموقع، بهدف زيادة المساحات الملائمة لنمو المرجان وتكوين مستعمرات جديدة.
الرصد والتوثيق
وذكر الكمزاري أن كل هيكل من الهياكل الاصطناعية المغمورة يحمل رقمًا تعريفيًا خاصًا صُمم ليقاوم الظروف البحرية، ويرتبط بقاعدة بيانات متكاملة توثق تفاصيله ومراحل تطوره، بما في ذلك حالته العامة، ووضع القطع المرجانية المستزرعة عليه، والصور الميدانية المرتبطة به، لتوفير سجل رقابي دقيق لمسار المشروع.
وأضاف أن فرق الغوص المتخصصة تنفذ برامج متابعة دورية لرصد أداء الهياكل وقياس مدى استقرار القطع المرجانية المثبتة عليها، ومتابعة معدلات بقائها ونموها وسلامتها الصحية، إلى جانب توثيق التنوع الحيوي البحري الذي بدأ يتشكل حولها، ورصد أنواع الأسماك والكائنات البحرية التي تتخذ منها بيئةً جديدة للعيش والتكاثر.
وقال: أن أعمال الرصد تشمل توثيقًا بصريًا متكاملًا عبر التصوير الفوتوغرافي والمرئي، فضلًا عن قياس مجموعة من المؤشرات البيئية التي تعكس حالة الموقع، من بينها درجة صفاء المياه، ونسب انتشار الغطاء المرجاني، ومستوى التنوع الأحيائي المصاحب، بما يسهم في تقييم نجاح المشروع وضمان استدامته على المدى الطويل.
وأوضح أن برنامج المتابعة يستمر حتى نهاية عام 2029، ويتضمن إجراء تقييم نصف سنوي للقطع المستزرعة، وإعداد استمارات للتنفيذ والمتابعة، ورفع تقارير بيئية دورية إلى الجهات المختصة.
مراحل الاستزراع
وحول آلية تنفيذ عمليات الاستزراع المرجاني، أوضح رئيس قسم الرقابة البيئية أن هذه المرحلة تبدأ باختيار قطع مرجانية سليمة تتمتع بقدرة على التكيف، بحيث تكون في الغالب من الأجزاء التي انفصلت بصورة طبيعية، أو من مصادر لا تؤثر في سلامة المستعمرات المرجانية الأصلية، بما يضمن الحفاظ على التوازن البيئي وعدم الإخلال بالنظام البحري القائم.
وأضاف أن الفريق المختص يتولى نقل هذه القطع بعناية وفق إجراءات مدروسة إلى موقع المشروع، حيث تُثبت على الهياكل الإسمنتية أو صفائح الألومنيوم المهيأة لذلك، لتدخل بعدها في مرحلة المتابعة المستمرة التي تهدف إلى قياس مدى تأقلمها مع البيئة الجديدة، ومراقبة مؤشرات نموها واستقرارها.
وبيّن أن نتائج الاستزراع المرجاني تحتاج إلى فترات زمنية ممتدة حتى تظهر ملامح نجاحها، إذ تمر القطع في البداية بمرحلة تأقلم مع الظروف المحيطة، قبل أن تبدأ تدريجيًا في النمو والانتشار وتكوين مستعمرات مرجانية جديدة. وأكد أن استدامة المشروع ترتبط باستمرار أعمال الرصد والتقييم، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لضمان تعافي الشعاب المرجانية وتعزيز التنوع الأحيائي في الموقع.
أهمية بيئية
ولفت الكمزاري إلى أن المشروع يسهم بصورة مباشرة في إعادة تأهيل الموائل البحرية المتضررة، وزيادة مساحة الغطاء المرجاني، وتحسين التنوع الأحيائي في الموقع.
وذكر أن "حديقة مسندم المرجانية" تمثل نموذجًا عمليًا يجمع بين حماية البيئة البحرية والبحث العلمي والمتابعة الميدانية، كما تسهم في رفع مستوى الوعي بأهمية المحافظة على الشعاب المرجانية بوصفها ثروة طبيعية وبيئية مهمة لمحافظة مسندم.
وأضاف أن المشروع يدعم التزامات سلطنة عُمان في اتفاقية التنوع البيولوجي، ويسهم في تحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بحماية النظم البيئية البحرية واستدامة مواردها.
نتائج مستقبلية
وحول النتائج المتوقعة، أشار الكمزاري إلى أن إدارة البيئة بمحافظة مسندم تتطلع إلى رفع معدلات بقاء ونمو الأجزاء المرجانية المستزرعة، وزيادة المساحات المغطاة بالشعاب المرجانية، وتهيئة الموقع لعودة أعداد أكبر من الأسماك والكائنات البحرية.
وأضاف أن الإدارة تعمل على إنشاء قاعدة بيانات علمية متكاملة توثق مراحل النمو والتغيرات البيئية ونتائج المتابعة الميدانية، بما يتيح الاستفادة من التجربة في تنفيذ مشروعات مشابهة بمواقع أخرى في محافظة مسندم وسلطنة عُمان.
وأكد أهمية تكاتف جهود الجهات المعنية وأفراد المجتمع المحلي في المحافظة على موقع المشروع وصون مكوناته البيئية، باعتباره تجربة رائدة في دعم استعادة الشعاب المرجانية وتعزيز التنوع الأحيائي البحري. وأشار إلى ضرورة إعداد برنامج علمي متكامل يوثق جميع مراحل المشروع ونتائجه، بما يتيح الاستفادة من مخرجاته مستقبلًا في تصميم مبادرات مماثلة تسهم في حماية البيئة البحرية واستدامة مواردها.
استدامة بيئية
من جانبه، قال عبدالرحمن بن محمد بن أحمد الشحي أخصائي رقابة بيئية بإدارة البيئة بمحافظة مسندم: إن مشروع "حديقة مسندم المرجانية" سيسهم في توفير بيئة ملائمة لنمو الشعاب المرجانية، وموائل جديدة للأسماك والكائنات البحرية.
وأضاف أن الهياكل الإسمنتية وصفائح الاستزراع تؤديان دورًا مهمًا في دعم نمو الشعاب المرجانية وتخفيف الضغط على الشعاب الطبيعية، بما يساعد على المحافظة عليها وتحقيق الاستدامة البيئية على المدى البعيد.
وأكد أن حماية الثروات الطبيعية تتطلب تضافر جهود المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية المحافظة على البيئة البحرية، ودعم المبادرات والمشروعات التي تسعى إلى صون مواردها واستدامتها.
مسؤولية مشتركة
وأوضح الشحي أن ترسيخ الوعي بأهمية البيئة البحرية يمثل مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار الأفراد والمؤسسات، من خلال تكثيف البرامج التوعوية والمبادرات التطوعية، وتنظيم حملات تنظيف الشواطئ، إلى جانب توظيف منصات التواصل الاجتماعي بوصفها أدوات فاعلة في نشر الرسائل البيئية وتعزيز السلوكيات الإيجابية تجاه البيئة.
وأضاف أن الحد من الممارسات الضارة، وفي مقدمتها إلقاء النفايات في البحر، خاصة المخلفات البلاستيكية، والمحافظة على الكائنات البحرية وموائلها الطبيعية، تعد من الركائز الأساسية للحد من التلوث البحري، وصون النظم البيئية بما يضمن استمرار عطائها وتوازنها.
وتتطلع إدارة البيئة بمحافظة مسندم إلى أن يشكل مشروع «حديقة مسندم المرجانية» تجربة بيئية رائدة ونموذجًا وطنيًا قابلًا للتوسع، يمكن الاستفادة من مخرجاته وخبراته في تنفيذ مشروعات مماثلة بمواقع بحرية أخرى في سلطنة عُمان، بما يعزز جهود حماية التنوع الأحيائي، ويدعم استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.