كتبت - خلود المقبالي
يشكّل قطاع الصيد البحري أحد الأعمدة الرئيسة للاقتصاد الوطني في سلطنة عُمان، كما يمثّل مصدر دخل ومعيشة لآلاف الصيادين والأسر المرتبطة بهذا النشاط الحيوي. ورغم ما يشهده القطاع من جهود متواصلة لدعم الصيادين وتطوير البنية الأساسية للموانئ والمراسي، فإنه يواجه بين الحين والآخر تحديات ميدانية؛ أبرزها سرقات معدات الصيد وأعمال التخريب التي تستهدف القوارب والأدوات المستخدمة في عمليات الصيد، وهو ما يترتب عليه خسائر مالية مباشرة قد تعطل نشاط الصيادين وتؤثر في استدامة مصدر رزقهم.
وخلال الفترة الماضية، شهدت عدد من الولايات الساحلية، من بينها السويق وشناص، إلى جانب بعض المواقع في محافظات مسقط ومسندم والوسطى، تسجيل حالات متفرقة لسرقة معدات الصيد، في وقت واصلت فيه شرطة عُمان السلطانية جهودها في ملاحقة الجناة وضبط عدد من المتورطين، ضمن مساعيها المستمرة لحماية الممتلكات وتعزيز الأمن في الموانئ والمراسي والمناطق الساحلية.
ورغم أن هذه الحوادث تبقى محدودة ولا ترقى إلى مستوى الظاهرة العامة، فإن تكرارها يثير قلق الصيادين، ويطرح تساؤلات حول السبل الكفيلة للحد منها وتعزيز منظومة الحماية والوقاية.
ويبرز في هذا السياق أهمية تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والجمعيات المهنية والصيادين أنفسهم، من خلال رفع مستوى الوعي، وتوسيع استخدام وسائل المراقبة والتأمين، وتفعيل المبادرات المجتمعية التي تسهم في حماية معدات الصيد وصون هذا القطاع الحيوي من الخسائر المتكررة.
في هذا الاستطلاع، تستعرض «عُمان» واقع سرقات معدات الصيد، وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية على الصيادين، وجهود الجهات المختصة في التصدي لها، إلى جانب المقترحات التي يطرحها العاملون في القطاع لتعزيز الإجراءات الوقائية والحد من تكرار هذه الحوادث.
وأكد عبدالله بن سعيد بن خلفان العوفي من وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، أن الوزارة تولي حوادث سرقة معدات الصيد وأعمال التخريب التي تستهدف القوارب والأدوات البحرية اهتمامًا بالغًا؛ لما تمثله من اعتداء على ممتلكات الصيادين، وانعكاسات مباشرة على مصادر دخلهم واستقرار نشاطهم المهني.
وأوضح أن الوزارة تتعامل مع هذه الممارسات بحزم، وترفضها رفضًا قاطعًا، مشيرة إلى أنها تواصل التنسيق مع شرطة عُمان السلطانية والجهات المختصة لمتابعة البلاغات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين؛ كما دعت الصيادين إلى المبادرة بالإبلاغ عن أي حوادث أو تجاوزات فور وقوعها، بما يسهم في سرعة التعامل معها، وحماية الممتلكات، وتعزيز بيئة صيد آمنة ومستدامة.
وفيما يتعلق بمدى انتشار هذه الحوادث، أكدت الوزارة أنها تتابع جميع البلاغات الواردة إليها بالتنسيق مع الجهات المعنية، مبينة أن تقييم حجم هذه الظاهرة لا يمكن أن يستند إلا إلى الإحصاءات الرسمية المعتمدة. وأضاف، أن البلاغات ترِد من عدد من الولايات الساحلية، إلا أن توزيعها يختلف باختلاف الفترات الزمنية وطبيعة النشاط السمكي، ولا تشير البيانات المتوافرة إلى تمركزها بصورة ثابتة في منطقة محددة.
وأشار إلى أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع شرطة عُمان السلطانية والجهات الحكومية ذات العلاقة على تنفيذ حزمة من الإجراءات الوقائية للحد من هذه الجرائم؛ أبرزها تعزيز قنوات التواصل مع الصيادين والجمعيات المهنية لتلقي البلاغات والتعامل معها بصورة عاجلة، ومتابعة الحالات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، إلى جانب تنفيذ حملات توعوية تهدف إلى رفع مستوى الوعي بأهمية المحافظة على معدات الصيد والإبلاغ الفوري عن أي تجاوزات أو ممارسات مشبوهة.
وأكد أن الوزارة تواصل دراسة مختلف المقترحات التي من شأنها تعزيز حماية ممتلكات الصيادين وتوفير بيئة عمل أكثر أمنًا واستقرارًا، بما يسهم في الحد من الخسائر التي قد يتعرض لها العاملون في القطاع.
وفيما يتعلق بتأمين مراسي الصيد، أوضح أن الوزارة تدعم الجهود الرامية إلى رفع مستوى الأمن في المراسي ومواقع الإنزال، من خلال التعاون مع الجهات المختصة والجمعيات المهنية، إلى جانب تقييم احتياجات البنية الأساسية لهذه المرافق، بما يعزز مستوى الحماية ويوفر بيئة أكثر أمانًا لمزاولة أنشطة الصيد.
وأضاف أن المقترحات المتعلقة بتوظيف التقنيات الحديثة، مثل كاميرات المراقبة والأنظمة الأمنية، تخضع للدراسة والتقييم المستمرين وفق الأولويات الفنية والإدارية والاعتمادات المالية المتاحة، وبالتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص لضمان فاعلية تطبيقها.
وأكد أن التنسيق مع شرطة عُمان السلطانية والجمعيات المهنية للصيادين يتم عبر قنوات اتصال مستمرة، بما يضمن سرعة تبادل المعلومات بشأن البلاغات، ومتابعة مجرياتها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الصيادين على الإبلاغ عن أي ممارسات غير قانونية تسهم في الإضرار بالممتلكات أو تهدد أمن القطاع السمكي.
ومن بين المتضررين، يروي الصياد عوض بن مبارك الهنداسي، من ولاية السويق بمحافظة شمال الباطنة، تفاصيل واقعة تخريب طالت قاربه، حين امتدت أيدي مجهولين إليه في جنح الليل، وأقدموا على سكب المياه داخل خزان وقود المحرك. ولم تمضِ الواقعة دون خسائر، إذ تسببت المياه في إتلاف المحرك بالكامل، لتتضاعف وطأة الضرر على صاحبه، خصوصًا أن قيمة المحرك تُقدّر بنحو أربعة آلاف ريال عُماني.
وقال الهنداسي: إن ما تعرض له لم يكن مجرد اعتداء على ممتلكاته، بل هو مساس مباشر بمصدر رزقه الوحيد الذي يعتمد عليه في إعالة أسرته، موضحًا أن تعطل القارب أوقفه عن ممارسة مهنة الصيد، وحرمه من مورد دخله، وفرض عليه خسائر مالية تتراكم مع مرور الوقت. وأضاف أن استبدال المحرك يمثل كلفة باهظة تفوق إمكاناته المالية، الأمر الذي ضاعف من تداعيات الحادثة وأثقل كاهله بأعباء جديدة.
وأضاف أن الصياد يعتمد بصورة كاملة على قاربه في تأمين احتياجات أسرته، الأمر الذي يجعل أي اعتداء على معدات الصيد ينعكس مباشرة على استقراره المعيشي، داعيًا إلى تعزيز الإجراءات الوقائية في مراسي الصيد لحماية ممتلكات الصيادين والحد من تكرار مثل هذه الحوادث.
وناشد الهنداسي شرطة عُمان السلطانية والجهات المختصة تكثيف جهود البحث والتحري للكشف عن مرتكبي هذا العمل وتقديمهم إلى العدالة، مؤكدًا أن سرعة ضبط الجناة ومحاسبتهم تمثلان عاملًا مهمًا في ردع مثل هذه الممارسات، وتعزيز شعور الصيادين بالأمن، وحماية مصادر رزقهم واستقرارهم المهني.
من جانبه، أكد أحمد بن علي الهنداسي، أحد أبناء ولاية السويق، أن حوادث سرقة معدات الصيد وأعمال التخريب تظل في إطار السلوكيات الفردية ولا ترقى إلى مستوى الظاهرة، إلا أن ما تخلفه من خسائر مادية وتبعات مباشرة على الصيادين يستدعي استمرار الجهود للحد منها، إلى جانب تعزيز التدابير الوقائية ورفع مستوى الحماية في مراسي الصيد.
وأشار إلى أن شرطة عُمان السلطانية نجحت خلال الفترة الماضية في ضبط عدد من المتورطين في قضايا سرقة وتخريب بمختلف محافظات سلطنة عُمان، مبينًا أن محركات القوارب تُعد أكثر المعدات استهدافًا، نظرًا لارتفاع قيمتها وسهولة نقلها وإعادة بيعها، وتزداد صعوبة هذه الخسائر بالنسبة للصيادين الذين يعتمدون على قواربهم ومعداتهم بصورة أساسية في تأمين دخلهم؛ إذ إن فقدان المحرك أو إتلافه يعني توقف القارب عن العمل، وما يترتب على ذلك من انقطاع مصدر الدخل وتكاليف إضافية للإصلاح أو الاستبدال.
وأوضح أن وقوع مثل هذه الاعتداءات يرتبط بعدة عوامل توفر بيئة مناسبة لاستغلالها من قبل ضعاف النفوس، من بينها تنفيذها في أوقات متأخرة من الليل، حين تقل الحركة وتضعف فرص الملاحظة والمراقبة، إضافة إلى محدودية الإنارة في بعض مواقع رسو القوارب، وافتقار بعض المراسي إلى مرافق مؤمنة لحفظ معدات الصيد، كما أن ابتعاد مساكن عدد من الصيادين عن مواقع القوارب يجعل متابعة ممتلكاتهم بشكل مستمر أمرًا صعبًا، الأمر الذي قد يمنح مرتكبي هذه الأفعال فرصة أكبر لتنفيذ مخططاتهم بعيدًا عن الرقابة.
ودعا الهنداسي إلى تعزيز منظومة الوقاية من خلال تركيب كاميرات مراقبة في مراسي الصيد، وتحسين مستوى الإنارة، وتوفير أماكن آمنة لحفظ المعدات، إلى جانب تشجيع الصيادين على استخدام الأقفال وأجهزة التتبع لمحركات القوارب، والإبلاغ الفوري عن أي تحركات أو ممارسات مشبوهة. كما شدد على أهمية عدم شراء المعدات البحرية المستعملة إلا بعد التحقق من مصدرها، بما يسهم في الحد من تداول المسروقات وتجفيف منافذ تصريفها.
ويخلص هذا الاستطلاع إلى أن حماية معدات الصيد مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الجهود الأمنية فحسب، بل تستدعي تكامل الأدوار بين وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، وشرطة عُمان السلطانية، والجمعيات المهنية، والصيادين أنفسهم، من خلال تعزيز الوعي، وتطوير مراسي الصيد، وتحسين البنية الأساسية، وتوسيع نطاق الإجراءات والتقنيات الوقائية.
ورغم نجاح الجهات المختصة في ضبط عدد من مرتكبي جرائم السرقة والتخريب، فإن الحد من تكرارها يتطلب استمرار التعاون بين جميع الأطراف، وتعزيز ثقافة الإبلاغ المبكر، وتبني وسائل حماية أكثر كفاءة، بما يسهم في صون ممتلكات الصيادين، والحد من الخسائر التي يتعرضون لها، وتعزيز استدامة قطاع الصيد البحري بوصفه أحد القطاعات الحيوية الداعمة للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي في سلطنة عُمان.