اتسمت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بسلسلة من سوء التقدير، بدأت بالاعتقاد الخاطئ بأن تصفية قيادة الجمهورية الإسلامية ستؤدي إلى انهيار النظام أو ستجبره على الاستسلام غير المشروط. ولا يقل عن ذلك خطأً افتراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران باتت مستعدة لطي صفحة الحرب والانصراف إلى إعادة الإعمار.
ترى إيران أن سيطرتها على مضيق هرمز، وما تمنحه لها من قدرة على إغلاق هذا الممر المائي عند الضرورة، تمثل إحدى أدوات الردع، ولذلك تعدها شرطًا أساسيًا لأي سلام. وبعد حملتين عسكريتين سبقت كلتيهما مساعٍ دبلوماسية، لم يعد قادة إيران مستعدين للتخلي عن ورقة الضغط هذه من دون ضمانات موثوقة تكفل ألا تعاود الولايات المتحدة وإسرائيل شن هجوم جديد.
لكن السلام الدائم لا يقوم على الردع العسكري وحده، لكنه يحتاج أيضًا إلى تسوية سياسية واقتصادية تتوزع مكاسبها على نطاق واسع، بحيث يشعر بها المجتمع بأسره.
وتقدم مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية درسًا بالغ الأهمية في هذا السياق. فقد ترك وقف إطلاق النار عام 1988، الذي أنهى حربًا استمرت ثماني سنوات، النظام الإيراني أمام تحدي تبرير التضحيات الهائلة التي تكبدها خلال الحرب، من دون أن يحظى بعزاء تحقيق النصر. ومن ثم انتقل مركز الثقل السياسي من ساحات القتال إلى الأجندة الداخلية غير المكتملة للثورة.
ومع مرور الوقت، بدأت الانقسامات الأيديولوجية التي كشف عنها وقف إطلاق النار تنحسر تدريجيًا في عهد الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي أطلقت حكومته واحدًا من أكثر برامج التنمية طموحًا في التاريخ الإيراني الحديث. وتمحور هذا البرنامج حول استثمارات عامة ضخمة في البنية الأساسية للمناطق الريفية، شملت شق الطرق، وتوسيع شبكات الكهرباء، وتوفير مياه الشرب، وبناء المدارس والمراكز الصحية في مناطق ظلت لعقود طويلة تعاني من الإهمال.
ونتيجة لذلك، انتُشل ملايين الإيرانيين من براثن الفقر، واتسعت الطبقة الوسطى لترتفع من نحو 30% إلى 60% من السكان، وإن كانت قد شهدت تراجعًا في السنوات اللاحقة. وفي الوقت نفسه، تراجعت السلطات عن قرارها بحظر تنظيم الأسرة، واستثمرت شبكة الرعاية الصحية الريفية التي أنشأتها لتحسين صحة الأمهات والأطفال، وتوسيع فرص الحصول على وسائل تنظيم الأسرة، ورفع المستوى التعليمي للنساء. وبحلول عام 2000، كانت النساء قد نجحن في سد الفجوة التعليمية مع الرجال.
ومن خلال جعل إعادة الإعمار مرادفًا للعدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية، نجح رفسنجاني في التوفيق بين أجندته الاقتصادية والتطلعات الثورية لأولئك الذين رأوا في وقف إطلاق النار مع العراق تنازلًا أيديولوجيًا. وهكذا تحولت إعادة بناء البلاد إلى المهمة الجديدة للثورة، بما حافظ على تماسك التحالف الواسع الذي أسند الجمهورية الإسلامية طوال سنوات الحرب.
أما جهود السلام اليوم، فتواجه تحديًا أكثر تعقيدًا، وإن كانت منطلقاتها السياسية تحمل قدرًا لافتًا من التشابه. فقد نُقل عن محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات الأخيرة مع الولايات المتحدة، قوله إن الذين يستطيعون إعادة بناء البلاد «عليهم أن يتسلموا الخندق من الفتيان الذين حملوا منصات إطلاق الصواريخ»، في استعادة واضحة للخطاب الذي تبناه رفسنجاني في مرحلة ما بعد الحرب.
غير أن إعادة الإعمار لم تعد تُنظر إليها اليوم بوصفها امتدادًا لوعد الثورة بتحقيق العدالة الاقتصادية. فكثير من الإيرانيين باتوا يربطون الإصلاحات القائمة على اقتصاد السوق، والتجارة، والاستثمار الأجنبي، باقتصاد الريع والسعي إلى المنافع الخاصة، لا بازدهار يتقاسم ثماره الجميع، وإذا كانت الاستثمارات العامة في الطرق والمراكز الصحية والمدارس وشبكات الكهرباء قد انسجمت عام 1988 مع المثل الثوري للعدالة الاجتماعية، فإنه لا يوجد اليوم مشروع تنموي مماثل قادر على توحيد الفصائل السياسية المتنافسة في البلاد.
كما خلّفت الحرب العراقية الإيرانية ملايين المحاربين القدامى والأسر الثكلى الذين احتاجوا إلى دعم طويل الأمد. وقد منحت عملية إعادة الإعمار مؤسسات زمن الحرب رسالة جديدة في زمن السلم، فوجد كثير من قدامى مقاتلي الحرس الثوري أدوارًا إنتاجية من خلال مقر خاتم الأنبياء للإنشاءات، الذراع الهندسية التي شجع رفسنجاني على توسيع نطاقها.
ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت القيادة الإيرانية الحالية قادرة على ابتكار مشروع سياسي لا يقل جاذبية وتأثيرًا. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، انتقل السعي الثوري لتحقيق العدالة الاجتماعية تدريجيًا من الاستثمار العام إلى سياسة دعم الدخل، حتى أصبحت التحويلات النقدية الأداة الرئيسة لإعادة توزيع الدخل.
وعندما أُطلقت هذه التحويلات لأول مرة عام 2011 لتعويض المواطنين عن رفع الدعم عن الطاقة والخبز، كانت تعادل نحو 28% من متوسط دخل الفرد داخل الأسرة. غير أن المخاوف من تأجيج التضخم حالت دون زيادة قيمتها الاسمية، لتتراجع قوتها الشرائية الحقيقية بحلول عام 2025 إلى جزء يسير مما كانت عليه عند إطلاقها.
وقد دفعت الضغوط القاسية التي تعرضت لها مستويات المعيشة، نتيجة تشديد العقوبات الأمريكية واستمرار الحرب، الحكومة إلى زيادة قيمة هذه التحويلات النقدية. لكنها، وإن كانت توفر اليوم شبكة أمان تحول دون الوقوع في الجوع، فإنها تبقى بعيدة كل البعد عن برامج إعادة الإعمار التحويلية التي أعقبت الحرب العراقية الإيرانية.
إن توفير شبكة أمان للأسر العادية ليس ضرورة اقتصادية فحسب، بل هو أيضًا ضرورة سياسية. ففي عام 2019، رفعت حكومة الرئيس حسن روحاني أسعار الوقود من دون أن تعوض المواطنين عن الأعباء الإضافية من خلال تحويلات نقدية، الأمر الذي أشعل احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء البلاد. وبعد دخول خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) حيز التنفيذ، أعلنت الحكومة عزمها شراء 200 طائرة من شركتي بوينج وإيرباص. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين من ذوي الدخل المحدود، عززت هذه التطورات الانطباع بأن السياسيين الذين يدفعون باتجاه الدبلوماسية والإصلاحات القائمة على اقتصاد السوق يهتمون بمكافأة النخب أكثر من اهتمامهم بتحسين مستويات معيشة المواطنين.
ومن الطبيعي أن تؤثر تلك التجارب في الطريقة التي سيقيّم بها الإيرانيون أي اتفاق سلام مع الولايات المتحدة. فإذا بدا الاتفاق وكأنه يخدم في المقام الأول مصالح المصدرين والمستثمرين والمهنيين في المدن، بينما يترك الأسر ذات الدخل المحدود تتحمل كلفة التحولات الاقتصادية، فمن المستبعد أن يحظى بتأييد شعبي واسع.
وحتى الآن، انصبت مقترحات تخفيف العقوبات على السماح لإيران بزيادة صادراتها النفطية واستعادة إمكانية الوصول إلى أصولها المجمدة في الخارج. ورغم أن هذه الإجراءات ستعزز الموارد المالية للحكومة وتساعدها على تمويل الواردات، فإن أثرها في خلق فرص عمل واسعة النطاق سيظل محدودًا.
أما رفع العقوبات المالية، فسيكون أكثر تأثيرًا في دعم التوظيف وخلق الوظائف، فهذه العقوبات تعزل الشركات الإيرانية الصغيرة والمتوسطة عن الأسواق العالمية، وتحرم ملايين الإيرانيين المتعلمين من الاستفادة من انخفاض قيمة الريال لبيع السلع والخدمات في الخارج، ومع تراجع الطلب المحلي بفعل سنوات من العقوبات والركود، أصبح الوصول إلى الأسواق الخارجية هو المسار الرئيس لتوسيع الإنتاج.
لذا؛ فإن تمكين الشركات الإيرانية من العودة إلى الأسواق العالمية من شأنه أن يزيد الطلب على العمالة الإيرانية، ويرفع دخول الأسر من خلال توفير فرص العمل، لا عبر التحويلات النقدية وحدها. والأهم من ذلك أنه سيمنح ملايين الإيرانيين مصلحة مباشرة في الحفاظ على السلام واستمراره.
ورغم أن الرئيس دونالد ترامب سيواجه صعوبة سياسية في رفع هذه العقوبات، فإن أي اتفاق لا يتيح للشركات الإيرانية استعادة قدرتها على الوصول إلى منظومة التمويل والتجارة الدوليين سيجد صعوبة في توفير الوظائف اللازمة لترسيخ سلام مستدام، وفي نهاية المطاف، فإن اتفاقًا يكرر أخطاء خطة العمل الشاملة المشتركة قد لا يكون أكثر صمودًا أو دوامًا من الاتفاق الذي سبقه.