في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت»، فهل من فعل ذلك بعد كل صلاة، ولكنه مصر على المعصية، أو مرتكب لكبيرة، يدخل الجنة أيضا؟
هذه مسألة بالغة الأهمية وفهمها وفهم أمثالها مما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مبينا لعظيم الفضل، وكبير الأجر، وعالي المنزلة لمن يأتي بشيء من فضائل الأعمال، لا بد أن يُبنى على الفقه الصحيح، وهذا مما نبه عليه علماؤنا منذ القرون الأولى، فنجد في سيرة العلامة الكبير أبي سفيان محبوب بن الرحيل، تأكيدا لحقيقة بالغة الأهمية، ينبغي ألا تفوت الناس اليوم، إذ إن الظاهر مما يفعله كثير من الناس، حين يتداولون الأحاديث الصحيحة والحسنة الواردة في فضائل الأعمال، أنهم لا ينتبهون إلى فقهها.
وفقهها يقوم على إدراك أمرين: الأمر الأول شرط وجودي، كما يقول الأصوليون، والأمر الثاني شرط عدمي، فالشرط الوجودي هو الإيمان، والتصديق، وتوحيد الله عز وجل، فهذه الأعمال إنما تُقبل من أهل الإيمان، ومن أهل توحيد الله تبارك وتعالى، والتصديق به، وباليوم الآخر، وأما الشرط العدمي، فهو انتفاء الموانع.
ولا بد من انتفاء الموانع، فما هي هذه الموانع؟ هي الإصرار على الكبائر، والرياء، ومحبطات الأعمال، فإنها إذا وجدت انتفى الأجر المذكور في الرواية، ولذلك ينبغي أن ينتبه الناس إلى أن هذه الأجور العظيمة، التي ادخرها الله تبارك وتعالى لعباده بهذه الأعمال الصالحة، ومنها هذا العمل، إنما تنال بتحقق هذه الشروط، وهذه الرواية صحيحة، وقد تحدثنا عنها في مناسبة سابقة من جهة صحتها، ومن جهة الفقه الذي يؤخذ منها.
أما شروطها فهي هذان الشرطان: الإيمان بلوازم الإيمان، اعتقادا بالجنان، وقولا باللسان، وعملا بالأركان، ثم انتفاء الموانع، وهي محبطات الأعمال، من الكبائر، والرياء، والنفاق، وما يبطل أثر هذه الأعمال، فانتشار الثقافة التي تدعو إلى الإتيان بظواهر هذه الأعمال، دون معرفة شروطها وأركانها، أمر غير صحيح، ولا يتناسب مع مقاصد هذا الدين، الداعية إلى أن يُعبد الله تعالى على بصيرة، وبإيمان خالص، وباجتناب المبطلات، والابتعاد عن محبطات الأعمال، من مقارفة الكبائر، وإتيان السيئات، والعياذ بالله.
ويشهد لهذا آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن حيث التأصيل، فرغم سبق تنبيه علمائنا إلى ذلك، ومنهم العلامة الكبير أبو سفيان محبوب بن الرحيل، وهو ممن كانت وفاته في أواخر القرن الثاني الهجري، وهو من طبقة تابعي التابعين، وإن كان بعضهم ظن أنه من التابعين، وهذا بعيد، والصحيح أنه من تابعي التابعين، وهو عُماني، وأصله من أهل مكة، لكنه ارتحل إلى عُمان، ولذلك عده بعضهم من حملة العلم إليها، وهو أيضا ربيب الإمام الربيع بن حبيب، فالإمام الربيع تزوج أم محبوب بن الرحيل بعد وفاة أبيه، وقد أخذ العلم عن العلامة الكبير أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأخذ عن الإمام الربيع بن حبيب، وعن علماء تلك الطبقة، ثم استقر في عُمان، وقيل: إنه رجع بعد ذلك إلى مكة، وقيل: إنه توفي في عُمان، وترك مؤلفات كثيرة، ومن أشهرها السير، ولا سيما سيرته إلى أهل عُمان وأهل حضرموت، في القضية المشهورة التي وقع فيها الخلاف مع هارون بن اليمان.
وله مجموعة من الرسائل والمصنفات، وأقواله مبثوثة في كتب السير والتراجم، ويعد من أوائل من كتب في تراجم أهل العلم والفضل، وترجح وفاته بين سنة (192هـ) إلى (204هـ)، وقيل: إلى (207هـ)، وقد وقع لبس عند بعض الباحثين، إذ قيل: إن رسالته إلى أهل عُمان كانت في زمن الإمام المهنا بن جيفر، وهذا بعيد، والأقرب أنها كانت في زمن الإمام غسان بن عبد الله، وكانت له ذرية مباركة، فأولاده وأحفاده كانوا من مراجع العلم في عُمان، والحاصل أن علماءنا المتقدمين، مع سبقهم، أكدوا هذه الشروط، وكذلك ذكرها كثير من علماء المذاهب الإسلامية، فمنهم من نص عليها تصريحا، ومنهم من يفهم ذلك من مجموع كلامه، إلا أن أصحابنا المتقدمين أبرزوها إبرازا ظاهرا.
والسبب الداعي إلى التذكير بها اليوم هو ما نراه جميعا من كثرة ما يتداوله الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الرسائل التي تقول: «من فعل كذا فله كذا، ومن قال كذا فله كذا»، فيظن بعض الناس أن مجرد الإتيان بهذه الأعمال كاف، وكأن الدين كله قد اختزل في فضائل الأعمال، مع نسيان الشرط الأصيل، وهو صدق الإيمان، والإخلاص لله تعالى، وتحقيق توحيده حق التوحيد، والابتعاد عما يبطل العمل، ولزوم التوبة من الخطايا والسيئات والكبائر. فإذا تاب العبد، واستغفر ربه، وحقق شروط التوبة، استحق هذه الفضائل والأجور التي ادخرها الله تعالى لعباده، مع ما تحدثه هذه الأعمال في النفس من دوام ذكر الله، وتعظيمه، والخشية منه، وغير ذلك من الآثار الإيمانية العظيمة التي لا تخفى.
وإذا تُداولت هذه الأحاديث من غير هذا الفقه، فكأن ذلك دعوة إلى الإرجاء فمن أبرز ما اشتغل به الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل الرد على المرجئة، والرد على القدرية، والرد على الخوارج، وبيان الحق لهم، ومناظرتهم في هذه القضايا، ومن العجب أن يُلمز أتباعه بعد ذلك بما كانوا هم أول من تصدى للرد عليه، وتحملوا مشقة بيان بطلانه، وكشف شبهاته، والرد على أصحابه،
فهذه التيارات نشأت في ذلك الوقت، ولا يزال صداها إلى يومنا هذا، ولا يزال لها أتباع، وقد تصدى أصحابنا الأوائل للرد عليها، وكان في مقدمتهم الإمام الربيع بن حبيب، ثم الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل، ومن كان في طبقتهما، وقد تولى الإمام محبوب بن الرحيل إمامة المذهب بعد الإمام الوارث بن كعب، فكان المرجع لأهل المذهب كافة.
ما حكم غطاء العينين القماشي للمحرم، وذلك لتجنب الضوء عند النوم؟
وضع غطاء للعينين من أجل المساعدة على النوم للمحرم محل خلاف بين الفقهاء، وسبب الخلاف: هل هذا من اختمار الرجل ومن تغطيته لوجهه، وهو منهي عن ذلك حالة الإحرام؛ إذ لا يغطي المحرم رأسه ولا وجهه، أو أن ذلك لا يدخل في هذا النهي.
والصحيح أنه لا يدخل، لأن هذا الغطاء إنما يغطي العينين فقط، فالأذنان تنكشفان، وأغلب الوجه والرأس يكونان ظاهرين، والتغطية لسبب، والناس يتفاوتون، فمنهم من لا يقدر على النوم مع شدة الإضاءة، فيحتاج إلى ما يعينه على النوم، فليس هذا بلباس، ولا هو باختمار أو تغطية للوجه، مع الحذر من أن يكون مغطيًا لأكثر الوجه، أو أن يكون عريضًا واسعًا، وأن يغطي الأذنين أيضًا، وأن يغطي أغلب الوجه كالجبهة وما هو أسفل من العينين، بل ليختر من هذه الأغطية ما يفي بالغرض إن احتاج إلى ذلك.
وإلحاق غطاء العينين الذي يستعمل لمنع الإضاءة من الوصول إلى الراغب في النوم بما يذكره الفقهاء الأوائل من أمر تغطية الوجه فيه بُعد؛ فإن الفقهاء يتحدثون عن تغطية الوجه كله أو أغلب الوجه، ولا أحد يمكن أن يجادل في أن هذا الغطاء محل السؤال إنما هو لبعض الوجه، وهو لمنطقة العينين فقط، حتى إن فيه أشرطة تكون حول الأذنين، ولذلك فإن إلحاقه وإدخاله في مسألة اختمار المحرم وتغطيته لوجهه ورأسه فيه بُعد، وفيه تكلف.
وينبغي أن يُنظر إلى هذه المسألة باستقلال؛ لأن هذا النوع من الأغطية حادث لم يكن معهودًا من قبل، فإذا تحققت فيه هذه الشروط فلا مانع، كما أجيز أن يضع ما يغطي به أنفه وفمه عند الإحرام لغرض الكمامة، أو ما يغطي به عند انتشار الأوبئة والخوف من انتقال العدوى، فإنه يرخص له أيضًا في ذلك، وأمر غطاء العينين أيسر من الكمام أو الكمامة أو اللثام، الذي هو أيضًا محل خلاف، ولكن لوجود سبب فإن الفقهاء راعوا هذا السبب ورخصوا فيه، فكذلك يقال في غطاء العينين: إن كان بالصفة المعهودة، مما لا مبالغة فيه، ولا يجاوز حدود أداء الغاية التي من أجلها يستعمله المحرم، والله تعالى أعلم.
ما حكم تأجير أدوات المسجد بما يعود بالكسب المادي للمسجد، وحصول المنفعة للمستأجرين، نحو الكراسي، والحُصُر، والدرج، ومكبر الصوت كذلك؟
الحقيقة أن هذه المسألة ذكر نظيرها علماؤنا وفقهاء المسلمين قديمًا، وهم يشددون في ذلك؛ لأن هذه الأدوات والوسائل إنما جعلت لذلك المسجد على جهة الوقف، فالأصل ألا تخرج من المسجد، وألا تتعرض لما يمكن أن يؤدي إلى استهلاكها، فيتضرر من ذلك المسجد، وقد يحتاج إلى الاستبدال بها.
وإنما تحدثوا عما لا يحتاج إليه المسجد، على سبيل المثال نجد في كتب الأثر عندنا، كالمصنف، ومنهاج الطالبين، أنهم يتحدثون عن تراب المسجد، ويتحدثون عن الجذوع التي لا نفع منها، أما ما كان يمكن أن ينتفع منه فإنه لا يخرج من المسجد.
وما أوشك على أن يكون غير صالح، فإن من أخذه عليه أن يبدل به جديدًا، وهذا القول فيه احتراز؛ ذلك أن التساهل في هذا الأمر سيحتاج إلى ضوابط كثيرة فيما تستعمل هذه الأدوات، وسيحتاج القائمون على المساجد ووكلاء أوقاف المساجد إلى أن يضعوا ضوابط كثيرة.
ذكر السائل الحُصُر والكراسي، فسيحتاج إلى أن يشترط على من يستعملها أن تكون في أمر مباح، وأن لا يعرضها لشيء من التلف أو الفساد، وأن يعيدها عند الحاجة إليها في المسجد، حتى وإن كان -كما قال السائل بارك الله فيه- إن ذلك بأجرة تعود لمصلحة المسجد، لكن استعمال هذه الأدوات قد يعرضها لفساد أو شيء من التلف أو الضياع، ويؤدي إلى استهلاكها أيضًا، وقد لا يلتزم الناس باستعمال مثل هذه الأدوات بحفظ وصيانة، أو في الأغراض المباحة المشروعة التي لا شبهة فيها.
ففتح هذا الباب سيفتح ذرائع كثيرة، مع ما تقدم من كون أهل العلم يشددون؛ لأنها أريد لها أن تكون وقفًا على ذلك المسجد، تستعمل لمصالح المسجد ومنافعه وما يحتاج إليه، ففتح الباب والتساهل فيه سيؤدي إلى محاذير كثيرة، ولذلك فإن الأسلم الوقوف عند هذا الرأي الفقهي، ولا يعني أن المسألة لا يتسع لها النظر الفقهي، لكن كما قلت: ستحتاج إلى ضوابط كثيرة، وهذه الضوابط قلَّ من يلتزم بها، أو قد تورث القائمين على المساجد كثيرًا من الحرج، فالسلامة في البعد وترك ذلك؛ لأنه أيضًا إذا توسع الناس قطعًا سيؤدي هذا إلى استهلاك هذه الأدوات.
الآن ذكر مكبرات الصوت على سبيل المثال، مكبرات الصوت ستحتاج إلى إخراج، وتحتاج إلى تمديدات كهربائية، ثم الإعادة كذلك، وهي تحتاج إلى ضبط دقيق، ويحتاجون إليها في الصلوات الخمس، فالمسألة فيها التقيد، والسلامة في أن تجعل لبيوت الله تعالى التي وقفت عليها، وألا تخرج.
مما رخص فيه الفقهاء: أنه إن كان ذلك لأجل مصلحة المسجد، مثال: إن كان في المسجد شيء من أدوات المسجد أو من آلات المسجد، كدرج أو سلم وهو مذكور أيضًا في السؤال وهناك نخلة موقوفة أو كانت ملكًا خاصًا، لكنها مشرفة على المسجد، ويمكن أن تقع فيه فتؤدي إلى ضرر، فيمكن أن يستعمل درج المسجد في قطع هذه النخلة؛ لأن المصلحة هنا للمسجد نفسه. جيد، فما كان من صلاح المسجد، كأن تكون على سبيل المثال محاضرة في صرح المسجد، أو في فناء المسجد، أو في شيء من المرافق، فتخرج الكراسي، فهذا فيه سعة، ولا إشكال فيه.
فأما أن يتوسع في هذا الأمر، فكذلك ما كان متجددًا، كمياه الآبار الموقوفة على المساجد، إذا كان فيها فضلة، واستغنى عنها المسجد والمصلون، وكان فيها وفرة وغزارة ماء، فإنها يمكن أن تجعل للغير بعوض عادل، وهذا العوض يجعل لمصلحة المسجد؛ لأن الماء متجدد، ولا سيما في أوقات الخصب.
أما الأدوات والآلات الموضوعة في المسجد، فالأولى والأسلم فيها والأحوط التقيد بالرأي الفقهي القائل بعدم إخراجها أو استعمالها لغير مصالح المسجد، والله تعالى أعلم.