وكانت طوال العرض تتحاور مع شخصيات لا يسمع الجمهور غير أصواتها، أما عن ردود أفعال تلك الشخصيات، فتظهر على وجهها الذي تحوّل إلى مرايا لمَنْ يشاركها الحكاية، وكان ذلك العرض ينتمي لمسرح الممثل الواحد، أو الشخصية الواحدة (المونودراما)، وهو مسرح يرتبط، كما يؤكّد الباحثون، بالإرهاصات الأولى للمسرح لدى اليونانيين، وكان (ثيسبيس) الذي بدأ بترتيل الأناشيد الدينيّة، أوّل ممثّل عرفه تاريخ المسرح، ثمّ صار يجسّد الحكايات من خلال تغيير طبقاته الصوتيّة، وارتداء الأقنعة، وتبديل ملابسه وتطويع تكوينه الجسماني تبعا لشخصيات حكاياته، فكان أشبه بالراوي الذي يقصّ الحكايات،
أو ما يسمى في موروثاتنا الشعبية (الحكواتي)، وهذا النوع من المسرح يحتاج ممثّلا لديه مرونة عالية، وقدرات جسمانيّة وصوتيّة استثنائية، وأذكر أن الفنان الراحل (أياد الطائي) بذل مجهودا كبيرا لأداء مسرحية (البهلوان)، لكنّ الجسد خانه قبل ثلاثة أيام من تقديم العرض على مسرح الرافدين ببغداد، وتزامن ذلك الإجهاد مع صدمة نفسية، انتهت بنوبة قلبية رقد على أثرها بالمستشفى أياما، وحين خرج من المستشفى منعه الطبيب من بذل أيّ مجهود، فاعتذر عن تقديم العرض الذي يتطلّب مجهودا كبيرا، لذا يتجنّب الممثّلون تقديم هذا النوع من العروض المسرحية، سوى الممثلين الشباب، غالبا، ومع ذلك شاهدتُ في عمّان عام 2007 مشهدا مسرحيا ارتجاليا أدّاه الفنان العراقي يوسف العاني (1927-2016م) في حفل ختام فعاليات المؤتمر التأسيسي لمجلس الثقافة، وكان عمره يومها (80) سنة، علما بأن أول مسرحية عربية تنتمي لمسرح المونودراما كانت للعاني، وقد كتبها، ومثّلها وأخرجها، وهي مسرحية (مجنون يتحدّى القدر) التي قدّمها عام 1949م.
فأبطال مسرح (المونودراما) يتحدّثون عن عزلة الإنسان، وخيباته، وصراعاته مع المحيط، إلى جانب ذلك، عزوف النجوم عن العمل في المسرح، بكلّ أشكاله، وليس فقط، في (المونودراما)، ولا بدّ أن نستثني عروض الفنان اللبناني رفيق علي أحمد، التي قدّمها للجمهور العام، وكذلك د. سعدي يونس، والفنّان السوري الكبير زيناتي قدسيّة، الذي شاهدنا له في المهرجان عرض (سيّد الخشبة)، وكان مشاركا في التأليف، وممثّلا، ومخرجا، فنال جائزة أفضل ممثل في المهرجان، فضلا عن جائزة أفضل نص التي تقاسمها مع الكاتب والناقد البحريني يوسف الحمدان، وهذا ليس بغريب عليه، فالفنّان الذي يبلغ من العمر (٧٨) عاما من أعمدة (المونودراما) في سوريا، والوطن العربي، وقد وقف حاملا العرض على أكتافه، أمام الجمهور الذي احتشد لمشاهدته،
والاستمتاع بأدائه الباهر، وعلى مدى أكثر من ساعة تحرّك برشاقة وحيويّة ذكّرتني بحيوية يوسف العاني في ثمانينيته، فقدّم عرضا شرح من خلاله معاناة فنان نذر حياته للمسرح، في مجتمع أدار ظهره للمعرفة، والجمال، وهي معاناة ذكّرتني بمعاناة بطل عرض (طائر التمّ) لتشيخوف الذي شاهدته على مسرح كلية الفنون الجميلة، في مطلع الثمانينيات، وكان من أداء د. عبد الأمير الورد، وإخراج د. شفيق المهدي، رحمهما الله، مثلما شاهدت (طائر التم) من أداء وإخراج الفنان راسم منصور، في مسقط على قاعة مبنى الجمعيات قبل سنوات قليلة، وجاء احتفاء بيوم المسرح العالمي.