رام الله - محمـد الرنتيسي :حتى ينجلي المشهد في غزة، تستعصي القراءات والاستنتاجات، وتتباين المواقف والآراء ما بين متفائل ومتحفظ، وثمة مرحلة ثانية من اتفاق التهدئة، يُنتظر دوران عجلتها، كي تدور معها عجلة الإعمار، وإزالة الدمار، لكنها تبدو كأنها في فوهة ارتجاجات عنيفة، وفي مرمى "نيران مسيّرة" إذ شلالات الدماء ما زالت تجري بين الخيام، وتخترق الركام، في رسالة إسرائيلية واضحة ودون لعثمة، بقصف المرحلة الثانية قبل المباشرة بتنفيذها.


وما بين حديّ هزات القذائف المدفعية، وارتجاجات قصف الطائرات المسيّرة، التي طالت غزة، فيما بدا كأنه استئناف لحرب الإبادة، التي أدارت ظهرها لاتفاق 9 أكتوبر، ينشط كيان الاحتلال في موجات تصعيد متتالية، مبقياً على صواعق التفجير، دون الإكتراث لمساعي مجلس السلام، وما يدور في الأروقة السياسية، لنزع السلاح، ووقف إزهاق الأرواح.


ارتطام كبير يضرب التهدئة الهشة، وإشتعال مفتوح يلف غزة، برعاية صاحب خطتها للسلام، والذي لا يحرك ساكناً حيال خيام النازحين، التي تذروها الرياح، وتجري من تحتها أنهار الدماء، ولا يلقي بالاً لضغط التفجيرات المتوالية، أو ارتفاع مؤشر عداد الشهداء والجرحى، والمقصود هنا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.


وبهذا، فمن الصعب التعامل مع ما تشهده غزة، من السماح بدخول "لجنة إدارة غزة" ضمن ما يعرف بـ"قوة الإستقرار" المنبثقة عن "مجلس السلام" والغارات الإسرائيلية التي استعرت مع دخولها!.


فهل قرر الاحتلال، استباق "المرحلة الثانية" من اتفاق التهدئة بالتصعيد؟.. وهل تصل رسائل الدم والنار الإسرائيلية إلى رعاة اتفاق التهدئة بانتظار ضغط مرتقب؟.. أسئلة مفتوحة، تدفع باتجاه طرح سؤال معلّق: هل ينزع الاحتلال وهم السلام من مجلس السلام؟.


-هدنة ملغومة!-
على وقع طبول الحرب، دخلت لجنة إدارة غزة إلى القطاع المنهك، والممزق، وتزامن هذا مع لقاء نتنياهو - ترامب، فيما زُعم أنه استجابة إسرائيلية للشروط الأمريكية، لكن القوة المدفوعة من "قوة الإستقرار" قوبلت بالنار، وهكذا قلب الكيان الإسرائيلي المرونة السياسية، إلى خشونة عسكرية، فبدت لجنة غزة كأنها تغوص في حقل ألغام، وتسير على أرضية "هدنة مفخخة" تتبدى أمامها نُذر عودة الحرب، ويستعر لهيبها كلما اقترب الإسرائيليون من صناديق الاقتراع.


واستناداً إلى قراءات المراقبين، لم يعد أمام حكومة الاحتلال، سوى النفخ على الجمر الرابض تحت الرماد، أكان بتصعيد الغارات على قطاع غزة، أو إطلاق يد المستوطنين لشن اعتداءاتهم في الضفة الغربية، ومرد ذلك، خوف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحاشيته، من ساعة الحساب.


يقرأ المتحدث السابق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم، في التصعيد الإسرائيلي، محاولة إسرائيلية للهروب إلى الأمام، موضحاً: "لم يعد أمام نتنياهو وائتلافه الحاكم، غير اعتلاء جبل التصعيد، كي لا يغرقوا في طوفان الحساب، نظير فشلهم الأمني والسياسي، على مدار أكثر من ألف يوم من حرب الإبادة والتهجير".
ورغم تواتر الأنباء عن الشروع بالمرحلة الثانية من اتفاق التهدئة في غزة، يشكك غزيون بنوايا الكيان الإسرائيلي، وتنتابهم المخاوف من سيناريو "التسويف" والمماطلة التي ينتهجها نتنياهو، منذ الهدنة الأولى.


ويرى النازح سالم المصري، أن كل الشواهد في قطاع غزة، تؤكد أن جيش الاحتلال سيواصل عرقلة تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، من خلال توسيع دائرة القصف، والإبقاء على الحصار المطبق على النازحين، لمضاعفة معاناتهم، مشدداً: "تنفيذ المرحلة الثانية يبدو أمراً بالغ الصعوبة".


-هكذا تحدث ترامب-
جملة قضايا، أقرب إلى "تساؤلات" أثارتها قمة نتنياهو - ترامب، وتستحق كل واحدة منها معالجة خاصة، غير أن أهمها وأبرزها، تتمثل في دخول قوة "مجلس السلام" إلى غزة، حيث حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أربعة مسارات لتحقيق "تسوية سياسية نهائية" لكن يبقى قوامها الأساس "نزع السلاح" من غزة، الأمر الذي يحتاج إلى "معجزة سياسية" كما يقول مراقبون.


ومبادرة من هذا النوع، والتي تحاول تزويج "التهدئة" إلى "نزع السلاح" وتغيير الحكم في غزة، كما يخطط زعيم البيت الأبيض، ليست بالأمر الهيّن، فحتى الآن يكتنف الغموض مسألة التفريق بين "السلاح الثقيل" و"السلاح الشخصي" وتختلف "المصالح" بين الأطراف، فالكيان الإسرائيلي يتطلع لتسجيل "هدفين" من خلال "تطهير غزة من السلاح" كما يردد نتنياهو دوماً، وتغيير نظام الحكم في القطاع، بينما تتطلع واشنطن إلى نجاح خطة ترامب، في حين حركة حماس تريد تحقيق مطلبها الأساس، وهو انسحاب جيش الاحتلال من غزة، وإفشال مخطط التهجير، ووقف تدهور الأوضاع الإنسانية.


وبين هذا وذاك، يأمل الإقليم، بتفكيل وحل واحدة من أهم وأعقد أزماته، لكن يبقى نتنياهو المعروف بمراوغاته السياسية، متأهباً للتصعيد، ومتحفزاً لوضع العصي في الدواليب، أقلّه حتى تنجلي شهور الانتخابات الثلاثة المتبقية، فهل يكون أكثر جرأة ليقول (لا) لخطة تبناها الرئيس الأمريكي؟.. وهل يسمح له ترامب بذلك؟.


المسارات آنفة الذكر، قديمة في الواقع، لكنها تتجدد بشكل روتيني، مع كل حديث عن ولوج المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة في غزة، وبكل تأكيد لا حركة حماس تبدو مستعدة لتسليم سلاحها (بالكامل) ولا الكيان الإسرائيلي مستعد لوقف الحرب واحترام الاتفاق المبرم برعاية أمريكية، وهذا يعني وفق مراقبين، أن خطة ترامب، في حال استمرارها، ستقتصر في الواقع على الضغط على الحلقة الأضعف في المعادلة، وهم الفلسطينيون، وهذا ما تحدث به ترامب سراً وعلانية.


وكما يتبين راهناً، فخطة ترامب، تبدو "محبوكة" بعناية، لتحويل مسألة غزة إلى "إغاثة إنسانية، معونات طبية، إعمار، وصولاً إلى فتح المعابر" بمعنى مقايضة أمن الغزيين بلقمة عيشهم وحياتهم، وربما تقليص الخطة لاحقاً إلى مجرد "الطعام مقابل السلام".. بينما تظل مواكب الضحايا مجرد أرقام.