د.أحمد البوسعيدي :
-توجيه القرارات والممارسات بما يضمن احترام كرامة الإنسان وحماية حقوقه
-قضايا الإجهاض والتشوهات الخلقية تثير نقاشًا واسعًا حول الحقوق والأخلاق وحدود القانون
- شراكات دولية لتطوير القدرات الوطنية والممارسات الأخلاقية المرتبطة بالطب والعلوم الحيوية
قال الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي، أمين سر اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا بجامعة السلطان قابوس: إن اللجنة تواصل دراسة القضايا الأخلاقية المستجدة في مجالات الطب والعلوم الحيوية، بما يواكب التطورات العلمية المتسارعة، ويحقق التوازن بين التقدم العلمي والثوابت الدينية والقيم الوطنية. وأوضح أن اتخاذ القرارات في هذه القضايا يُعدّ من أكثر التحديات تعقيدًا؛ نظرًا لتداخل اعتبارات أخلاقية متعددة، كما في قضايا الإجهاض والتشوهات الخلقية للأجنة.

وأضاف أن اللجنة تعتمد منهجية علمية ومنظمة في دراسة هذه الملفات، من خلال تشكيل فرق متخصصة لتحليلها من الجوانب الشرعية والقانونية والعلمية، ومراجعة الأدلة والدراسات والتشريعات ذات الصلة، مع مراعاة القيم المجتمعية وخصوصية المجتمع العُماني.


وأوضح الدكتور أحمد البوسعيدي في حوار مع "عمان" أن اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا التي تأسست بقرار من مجلس الوزراء عام 2009م، أصبحت منصة وطنية جامعة تجمع بين العلم، والدين، والأخلاق، والتشريع، وتسهم في رسم السياسات الوطنية ذات الصلة بقضايا أخلاقيات البيولوجيا، والعديد من المهام والاختصاصات لتعزيز الإطار الوطني لأخلاقيات البيولوجيا، ومن أبرزها رصد المتغيرات المتعلقة بأخلاقيات البيولوجيا في مجالات التقدم العلمي والطبي، وتقديم التوصيات بشأنها، وإعداد وثائق استرشادية لقضايا أخلاقيات البيولوجيا ورفعها للجهات المختصة، ودراسة المسائل المتعلقة بأخلاقيات البيولوجيا في المجالات المختلفة، واقتراح التشريعات وتمثيل سلطنة عمان في المحافل الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى التعاون مع المنظمات الدولية واللجان الوطنية المماثلة والمعنية بأخلاقيات البيولوجيا.


وأضاف أن اللجنة تضم في عضويتها ممثلين عن عدد من المؤسسات الحكومية، ويرأسها صاحب السمو السيد الدكتور فهد بن الجلندى بن ماجد آل سعيد، رئيس جامعة السلطان قابوس، فيما يشغل فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام، منصب نائب رئيس اللجنة الوطنية، إلى جانب رئاسته اللجنة العلمية المنبثقة عنها.


العدالة والمصلحة العامة
وبيّن الدكتور أحمد البوسعيدي أن أخلاقيات البيولوجيا تُعنى بدراسة القضايا المرتبطة بعلوم الحياة والطب والرعاية الصحية والتقنيات الحيوية، بهدف توجيه القرارات والممارسات بما يضمن احترام كرامة الإنسان، وحماية حقوقه، وتحقيق العدالة والمصلحة العامة، مشيرا إلى أن المجال يشمل مجموعة واسعة من الموضوعات، من أبرزها أخلاقيات البحوث التي تُجرى على البشر، والموافقة المستنيرة وحق المريض في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة برعايته الصحية، وقضايا التبرُّع بالأعضاء وزراعتها، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية وما يرتبط به من تحديات أخلاقية، والقضايا المتعلقة بإجهاض الأجنة، ورعاية المرضى في نهاية الحياة، وقرارات إنهاء أو استمرار العلاج، بالإضافة إلى تحقيق العدالة في توزيع الموارد الصحية، خاصة في حالات الأوبئة والكوارث والأزمات الصحية.


وأكد أمين سر اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا بجامعة السلطان قابوس على ارتباط الأخلاقيات الطبية بمقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى حفظ الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، باعتبارها إطارًا مرجعيًا لتحقيق مصالح الإنسان ودفع الضرر عنه.
دروس جائحة كورونا
وأوضح البوسعيدي أن أهمية أخلاقيات البيولوجيا تجلت بصورة واضحة خلال جائحة كورونا، حيث واجهت الأنظمة الصحية قرارات أخلاقية بالغة الصعوبة، مثل تحديد أولويات الحصول على أسرّة العناية المركزة عند محدودية الموارد، وفرض حظر التجول، وإلزامية التحصين، وغيرها من التدابير التي استوجبت الموازنة بين حماية الصحة العامة وصون حقوق الأفراد وحرياتهم.


وأضاف: تثير قضايا الإجهاض نقاشًا أخلاقيًا وقانونيًا واسعًا، يتمحور حول الموازنة بين حق الجنين في الحياة وحق الأم في اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها، إلى جانب التساؤلات المرتبطة بمدى اعتبار التشوهات الخلقية للجنين مبررًا للإجهاض وفقًا للأطر الشرعية والقانونية والأخلاقية.


منهجية علمية
وحول المنهجية التي تتبعها اللجنة في دراسة وتحليل القضايا التي تعرض عليها، أشار إلى أنها تعتمد منهجية علمية ومنظمة في دراسة القضايا الأخلاقية وإعداد الرأي بشأنها، حيث تتولى أمانة سر اللجنة تشكيل فريق عمل من المختصين العمانيين في المجال محل الدراسة، ويتولى الفريق إجراء تحليل شامل للقضية من مختلف الجوانب، وبصفة خاصة الجوانب الشرعية والقانونية والعلمية، وذلك من خلال مراجعة الأدلة العلمية والدراسات المنشورة، ودراسة التشريعات واللوائح الوطنية والدولية ذات الصلة، مع مراعاة الأعراف والتقاليد والقيم المجتمعية وخصوصية المجتمع العماني ،وبناءً على ذلك، يُعد فريق العمل مسودة وثيقة وفق المنهجية المعتمدة من اللجنة الوطنية، تتضمن عرضًا للقضية وتحليلها والتوصيات المقترحة.

ثم تُحال الوثيقة إلى اللجنة العلمية التابعة للجنة الوطنية برئاسة فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي وذلك لمناقشتها والاستماع إلى ملاحظات أعضائها وإجراء ما يلزم من تعديلات، وبعد اعتمادها من اللجنة العلمية، تُرفع إلى اللجنة الوطنية لمراجعتها وإقرارها بصيغتها النهائية، تمهيدًا لإحالتها إلى الجهة المختصة.
مبادرات وطنية
وأشار إلى أن اللجنة جعلت من المؤتمرات الدولية والملتقيات الفكرية منصات متخصصة للحوار وتبادل الخبرات حول القضايا الأخلاقية المستجدة في مجالات الطب والعلوم الحيوية والبحث العلمي، حيث نظّمت اللجنة ثلاثة مؤتمرات دولية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، وتستعد حاليًا لإعداد للمؤتمر الدولي الرابع لأخلاقيات البيولوجيا، المقرر عقده مطلع العام المقبل.


وعلى المستوى الوطني، نظّمت اللجنة 12 ملتقى فكريًا متعدد التخصصات، بمشاركة خبرات طبية وعلمية وشرعية وقانونية واجتماعية، وتستعد اللجنة لتنظيم الملتقى الفكري الثالث عشر في سبتمبر المقبل.


وقد أسهمت الملتقيات في بلورة رؤى وتوصيات تحوّل عدد منها إلى مبادرات وسياسات وبرامج وطنية ذات أثر ملموس؛ أبرزها تطوير منظومة حماية الطفل، وإجراءات الفحص الطبي قبل الزواج، وإصدار لائحة وطنية لضوابط إنعاش المرضى، وامتد نشاط اللجنة إلى المستويين الإقليمي والدولي، من خلال استضافة ثلاثة اجتماعات إقليمية، وتنظيم أربع دورات تدريبية لإعداد معلمي أخلاقيات البيولوجيا، بمشاركة مختصين من القطاعات الصحية والبحثية والأكاديمية.


وفي إطار تطوير الممارسات المؤسسية في المجال الصحي، نظّمت اللجنة حلقة العمل الوطنية الأولى بعنوان: «التعامل مع المعضلات الأخلاقية في المجال الطبي»، لتعزيز قدرات أعضاء لجان الأخلاقيات الطبية على تحليل المعضلات الأخلاقية الطبية واتخاذ قرارات مهنية تستند إلى تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وتراعي القيم العُمانية الأصيلة، وتصون مصلحة المريض وكرامته.

فالطب رسالة إنسانية والأخلاق هي بوصلة القرار، كما تضطلع اللجنة بدور تعليمي وأكاديمي من خلال مشاركتها في تدريس مادة أخلاقيات البيولوجيا بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة السلطان قابوس، بما يسهم في ترسيخ الوعي الأخلاقي لدى طلبة التخصصات الطبية وإعداد كوادر صحية قادرة على التعامل مع القضايا الأخلاقية في الممارسة المهنية.


وفي مجال التوعية المجتمعية، قدّمت اللجنة سلسلة من الحلقات الإذاعية عبر منصة «عين» التابعة لوزارة الإعلام، تناولت عددًا من القضايا والمفاهيم المرتبطة بأخلاقيات البيولوجيا. كما تعمل اللجنة حاليا على تسجيل الجزء الثاني من هذه السلسلة، وذلك في إطار جهودها المستمرة لنشر الوعي المجتمعي بالمبادئ الأخلاقية المرتبطة بالطب والعلوم الحيوية والتطورات العلمية الحديثة.


وتؤكد هذه المنجزات أن أخلاقيات البيولوجيا في سلطنة عُمان لم تعد مجالًا نظريًا فحسب، بل أصبحت ممارسة مؤسسية تسهم في صنع القرار وتطوير السياسات والبرامج الصحية والبحثية، مع تحقيق التوازن بين مواكبة التقدم العلمي وصون الكرامة الإنسانية وتعزيز العدالة واحترام القيم الدينية والوطنية والمجتمعية.


شراكات دولية وإقليمية
وحول دور اللجنة على المستوى الإقليمي والدولي، أفاد الدكتور البوسعيدي أن اللجنة تتمتع بشراكة مؤسسية راسخة ومستدامة مع كلٍّ من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ومنظمة الصحة العالمية، وقد أسهمت هذه الشراكة في تعزيز القدرات الوطنية والإقليمية في مجال أخلاقيات البيولوجيا، وتبادل الخبرات، ودعم تطوير السياسات والممارسات الأخلاقية المرتبطة بالطب والعلوم الحيوية والبحث العلمي.


كما تم انتخاب سلطنة عمان نائبًا لرئيس اللجنة الحكومية الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التابعة لليونسكو، ولا تزال عضوًا فيها حتى ختام الدورة الخامسة والأربعين في عام2027م، كما استضافت اللجنة، اجتماعات إقليمية للجان أخلاقيات البيولوجيا في دول إقليم شرق المتوسط والدول العربية بجامعة السلطان قابوس، وشملت مجالات التعاون تنظيم برامج ودورات تدريبية متخصصة في أخلاقيات البيولوجيا، استهدفت الأطباء والعاملين الصحيين والباحثين والمعلمين والمدربين على المستويين المحلي والإقليمي، إلى جانب تنظيم حلقة عمل وطنية لتعزيز الآليات الوطنية لأخلاقيات البحث العلمي.


وفي مجال نشر المعرفة وتعزيز الحوار العلمي، نظّمت اللجنة مؤتمرات دولية لأخلاقيات البيولوجيا تناولت عددًا من القضايا الأخلاقية والقانونية المعاصرة، من بينها التطورات في العلوم الطبية الحيوية، وأخلاقيات الصحة العامة، والاستجابة للأزمات الصحية، وتعزيز مرونة النظم الصحية، وتعمل اللجنة حاليًا على استكمال تنظيم المؤتمر الدولي الرابع بعنوان " الأخلاقيات والرعاية الصحية الحديثة " مطلع العام المقبل.


نشر الثقافة الأخلاقية
وأكد الدكتور أحمد البوسعيدي أن اللجنة تولي اهتمامًا كبيرًا ببناء القدرات الوطنية ونشر ثقافة أخلاقيات البيولوجيا، انطلاقًا من إيمانها بأن ترسيخ المبادئ الأخلاقية في الممارسات الصحية والبحثية يتطلب إعداد كوادر وطنية مؤهلة وقادرة على التعامل مع القضايا الأخلاقية المستجدة وفق أفضل الممارسات الدولية، مع مراعاة القيم الدينية والاجتماعية والثقافية للمجتمع العُماني.

ولهذا الغرض، عملت اللجنة على تنظيم وتنفيذ العديد من البرامج التدريبية وحلقات العمل بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة الصحة العالمية، مستهدفةً العاملين في القطاع الصحي، والباحثين، وأعضاء لجان أخلاقيات البحوث والأخلاقيات الطبية، والأكاديميين.


كما نفّذت حلقة عمل في كيفية تدريس أخلاقيات البيولوجيا بهدف تعزيز الوعي بالمفاهيم الأساسية لأخلاقيات البيولوجيا وإدماجها في العملية التعليمية، إلى المحاضرات والدورات التدريبية لإعداد مدربين مؤهلين قادرين على نقل المعرفة وبناء القدرات في بلدانهم، وتعزيز الالتزام بالمعايير الأخلاقية في البحوث العلمية، وحماية حقوق المشاركين، وضمان سلامة الإجراءات البحثية.


وإلى جانب البرامج التدريبية، أسهمت اللجنة في نشر الوعي المجتمعي بثقافة أخلاقيات البيولوجيا من خلال تقديم العديد من المحاضرات استهدفت العاملين في القطاع الصحي والبحثي والأكاديمي، إضافة إلى طلبة الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، بما أسهم في تعزيز الوعي بالمبادئ الأخلاقية وترسيخ ثقافة المسؤولية في الممارسات الصحية والبحثية على المستوى الوطني.


وشدد أمين سر اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا على أن أخلاقيات البيولوجيا أصبحت ضرورة لضمان خدمة الإنسان، وأن تُمارس العلوم والتقنيات الحديثة في إطار يحفظ كرامته وحقوقه ويصون حياته؛ فالعلم مهما بلغ من التطور، يحتاج إلى منظومة أخلاقية تضبط ممارساته وتوجه تطبيقاته نحو تحقيق الخير العام وتجنب الإضرار بالأفراد والمجتمعات ، مشير إلى أنه وفي ظل التطورات المتسارعة في مجالات الطب والتقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة إلى ترسيخ الوعي بأخلاقيات البيولوجيا، وتعزيز الحوار العلمي والشرعي حول القضايا المستجدة، بما يسهم في مواجهة التحديات الأخلاقية بروح من المسؤولية والحكمة، ويحافظ على هوية المجتمع وقيمه الأصيلة.