تواصل المحاصيل الصيفية في سلطنة عُمان حضورها بوصفها أحد أهم روافد القطاع الزراعي، لما تمثله من قيمة اقتصادية وغذائية وتراثية، ولما تعكسه من تنوع بيئي ومناخي أسهم في ازدهار إنتاجها عبر مختلف المحافظات. ومع حلول موسم الصيف، تنشط الحركة الزراعية في العديد من الولايات، حيث تتزين المزارع بباكورة إنتاجها من التمور والفواكه الاستوائية والمحاصيل الجبلية والخضراوات الموسمية، في مشهد يعكس استدامة الموروث الزراعي العُماني وتطوره.
ويشهد القطاع الزراعي في سلطنة عُمان توسعًا في المشروعات الزراعية، وتبني ممارسات حديثة أسهمت في رفع الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل، بالتوازي مع جهود الحفاظ على الأصناف المحلية التي توارثها المزارعون عبر الأجيال. كما أصبحت العديد من المحاصيل الصيفية عنصرًا مهمًا في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية، إذ تستقطب المزارع والأسواق المحلية أعدادًا متزايدة من الزوار الباحثين عن المنتجات الموسمية الطازجة، إلى جانب ارتباطها الوثيق بالعادات الغذائية العُمانية والمناسبات الاجتماعية.
وتتنوع خريطة الإنتاج الصيفي بين المحافظات وفقًا لاختلاف التضاريس والظروف المناخية، حيث تشتهر بعض المحافظات بإنتاج التمور، فيما تتميز أخرى بالفواكه الاستوائية أو المحاصيل الجبلية، الأمر الذي يعكس ثراء البيئة الزراعية العُمانية وقدرتها على إنتاج محاصيل متنوعة على مدار العام، وتعزيز مساهمة القطاع الزراعي في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.
النخيل والتمور
تمثل النخيل الركيزة الأساسية للقطاع الزراعي في سلطنة عُمان، وتعد من أكثر المحاصيل ارتباطًا بالهوية الزراعية والتراثية والاقتصادية للبلاد، إذ تنتشر زراعتها في مختلف المحافظات، مستفيدة من تنوع البيئات الزراعية ووفرة الخبرات المتوارثة في العناية بها وإنتاج أصنافها المختلفة.
وتضم سلطنة عُمان أكثر من 7.8 مليون نخلة تنتشر على مساحة تقارب 69.992 فدانًا من الأراضي الزراعية، فيما بلغ إجمالي إنتاج التمور خلال عام 2025 نحو 405.865 طن، محققًا نموًا بنسبة 1.3 بالمائة مقارنة بالعام السابق، بما يعكس استمرار تطور هذا القطاع الحيوي.
وتتصدر محافظة الداخلية محافظات سلطنة عُمان في إنتاج التمور بإجمالي 72.457 طنا، تليها محافظة الظاهرة بإنتاج بلغ 67.136 طنا، ثم محافظة جنوب الباطنة بـ58.712 طنًا، ومحافظة شمال الباطنة بـ55.940 طنًا، فيما سجلت محافظة شمال الشرقية إنتاجًا بلغ 50.236 طنًا، إلى جانب كميات متفاوتة تنتجها بقية المحافظات.
وتتميز سلطنة عُمان بتنوع كبير في أصناف التمور المحلية، ومن أشهرها: الخلاص، والفرض، والخنيزي، والنغال، والمبسلي، والمدلوكي، والخصاب، والزبد، والبرني، وهي أصناف تحظى بإقبال واسع في الأسواق المحلية والخارجية لما تتميز به من جودة وقيمة غذائية عالية.
كما تحتل سلطنة عُمان مكانة متقدمة عالميًا في تنوع أصناف النخيل، إذ تضم مئات السلالات المحلية التي تشكل ثروة وراثية زراعية، في الوقت الذي يمثل فيه مشروع «مليون نخلة» أحد أكبر المشروعات الزراعية الاستراتيجية، الهادف إلى تعزيز إنتاج التمور، وتحسين جودة الأصناف، ودعم الأمن الغذائي، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.
المانجو العُماني
يعد المانجو من أبرز محاصيل الفاكهة الصيفية في سلطنة عُمان، إذ يحظى بمكانة خاصة لدى المستهلكين، ويشكل أحد أهم المنتجات الزراعية الموسمية، ويبدأ موسمه عادة في شهر مايو ويستمر حتى أغسطس، بالتزامن مع وفرة الإنتاج في المحافظات الساحلية التي تتميز بملاءمة ظروفها المناخية لزراعته.
وتتصدر محافظة شمال الباطنة، ولا سيما ولاية صحار، مناطق إنتاج المانجو في سلطنة عُمان بإجمالي 10.914 طنا، تليها محافظة جنوب الباطنة بإنتاج بلغ 2.125 طنا، ثم محافظة شمال الشرقية بـ796 طنًا، ومحافظة ظفار بـ284 طنًا، فيما سجلت محافظة مسندم إنتاجًا بلغ 161 طنًا.
وتتميز سلطنة عُمان بتنوع أصناف المانجو المحلية، ومن أشهرها الحلقوم، والعرش، والخضراء، والبطيخة، والعشبية، وأم الروب، والفليج، والصحار، والزنجباري الأحمر، وهي أصناف اكتسبت شهرة واسعة بفضل جودتها وتكيفها مع البيئة المحلية. كما انتشرت خلال السنوات الأخيرة أصناف محسنة ذات إنتاجية مرتفعة، من أبرزها تنيرو، والمبوربنشان، وإمام بسند.
ويشهد قطاع المانجو اهتمامًا متزايدًا ضمن خطط تطوير القطاع الزراعي، حيث يجري تنفيذ مشروع متكامل لإنتاج وتسويق المانجو في محافظة جنوب الباطنة على مساحة 200 فدان، باستثمارات تتجاوز 1.25 مليون ريال عُماني، ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة الثمار، وتعزيز عمليات التسويق والتصنيع الزراعي، بما يسهم في زيادة القيمة المضافة لهذا المحصول الواعد، ودعم مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.
الليمون العُماني
يحظى الليمون العُماني بمكانة مميزة في الأسواق المحلية والخليجية، لما يتمتع به من جودة عالية وخصائص جعلته من أبرز المحاصيل الزراعية العُمانية ذات القيمة الاقتصادية. كما يُعرف الليمون المجفف باسم «اللومي»، ويعد من أهم المنتجات الزراعية المرتبطة بالمطبخ الخليجي، ويدخل في إعداد العديد من الأطباق التقليدية.
وبلغ الإنتاج المحلي من الليمون في سلطنة عُمان نحو 17.123 طنًا، وتتركز زراعته في محافظات شمال الباطنة، وجنوب الباطنة، والداخلية، التي توفر بيئات زراعية مناسبة لنمو هذا المحصول.
وتشتهر سلطنة عُمان بعدد من الأصناف المحلية، من أبرزها الليمون العُماني المحلي، والبالنج (الليمون الحلو)، والبنزهير، وهي أصناف تتميز بجودتها وتكيفها مع الظروف المناخية المحلية.
ويحظى هذا القطاع باهتمام متزايد من خلال تنفيذ مشروع متخصص لتطوير إنتاج الليمون العُماني، يستهدف رفع الإنتاج السنوي بنحو 3.000 طن إضافي، بنسبة زيادة تصل إلى 38 بالمائة، بما يعزز قدرته على تلبية الطلب المحلي والتوسع في الأسواق الخارجية.
ويتميز الليمون العُماني بقدرته على تحمل درجات الحرارة المرتفعة ونسب الملوحة، إلى جانب قيمته التسويقية والتصديرية، ودخوله في العديد من الصناعات الغذائية وعمليات التجفيف، ما يجعله من المحاصيل الواعدة ذات القيمة المضافة.
الموز والنارجيل
يشكل الموز أحد أهم محاصيل الفاكهة الاستوائية في سلطنة عُمان، حيث بلغ الإنتاج المحلي نحو 19.297 طنًا، وتتركز زراعته في محافظة شمال الباطنة، ولا سيما في ولايات السويق، وصحار، وصحم، إضافة إلى محافظة ظفار في ولايات صلالة، وطاقة، ومرباط، ومنطقة رزات.
وتضم سلطنة عُمان عددًا من أصناف الموز المحلية، من أبرزها النغال، والفرض، والحليب، إلى جانب أصناف استوائية أخرى تتميز بإنتاجيتها العالية وجودة ثمارها.
وتشير البيانات الزراعية الخاصة بمزرعة رزات السلطانية إلى أن الموز يتصدر قائمة الأشجار الأكثر زراعة في المزرعة، متقدمًا على العديد من أنواع الفواكه الاستوائية الأخرى، وهو ما يعكس أهميته الاقتصادية والإنتاجية في محافظة ظفار.
وفي البيئة الاستوائية نفسها، تبرز زراعة جوز الهند (النارجيل) بوصفها أحد المحاصيل المميزة لمحافظة ظفار، حيث تنتشر مزارعه في صلالة، ورزات، والحافة، والدهاريز، ويبلغ إنتاجه السنوي نحو 6.733 طنًا.
ويمثل النارجيل أحد المنتجات الزراعية ذات الاستخدامات المتعددة، إذ يدخل في الصناعات الغذائية والتجميلية وإنتاج الزيوت، كما يشكل عنصرًا مهمًا في الحركة السياحية بمحافظة ظفار، في ظل اكتمال سلسلة إنتاجه محليًا، بدءًا من الزراعة والعناية بالأشجار، مرورًا بعمليات الحصاد والتسويق، وصولًا إلى تصدير الثمار والمنتجات المرتبطة بها.
البابايا والرمان
تواصل فاكهة البابايا (الفافاي) تعزيز حضورها ضمن المحاصيل الصيفية في سلطنة عُمان، حيث تتركز زراعتها في محافظة ظفار، ولا سيما في صلالة، وطاقة، ورزات، مستفيدة من المناخ الاستوائي الذي تتميز به المحافظة. ويبلغ إجمالي إنتاجها السنوي نحو 6.941 طنًا، ما يجعلها من أبرز الفواكه الصيفية الواعدة.
وتتميز البابايا بارتفاع إنتاجها خلال فصل الصيف، إلى جانب قيمتها الغذائية العالية واحتوائها على العديد من الفيتامينات والعناصر الغذائية، وهو ما أسهم في تزايد الإقبال عليها في الأسواق المحلية، فضلًا عن استخدامها في الصناعات الغذائية والعصائر.
وفي المرتفعات الجبلية، يبرز الرمان العُماني بوصفه أحد أشهر المحاصيل الصيفية المتأخرة وأكثرها ارتباطًا بالسياحة الزراعية، حيث يتركز إنتاجه في ولاية الجبل الأخضر بمناطق سيق، والشريجة، والعين، إضافة إلى جبل شمس والجبل الأبيض.
وتضم هذه المناطق أكثر من 27 ألف شجرة رمان، فيما بلغ الإنتاج المحلي نحو 800 طن، مع تجاوز نسبة الثمار السليمة 90 بالمائة، وفق بيانات محصول عام 2025 في ولاية الجبل الأخضر، وهو ما يعكس جودة الإنتاج والجهود المبذولة في العناية بهذا المحصول.
ومن أشهر أصناف الرمان العُماني الحلو، والقصم، والقابسي، التي تتميز بطعمها وجودتها العالية، فيما أصبح موسم حصاد الرمان، الذي يبدأ خلال شهر أغسطس، مناسبة سنوية تستقطب الزوار إلى الجبل الأخضر، وأسهم في ترسيخ مكانة المنطقة كوجهة للسياحة الزراعية في سلطنة عُمان.
التين والعنب والكركم
يحافظ التين والعنب على حضورهما ضمن المحاصيل الزراعية المميزة في سلطنة عُمان، حيث بلغ إجمالي إنتاج التين نحو 2.694 طنًا، فيما بلغ إنتاج العنب 188 طنًا، وتتركز زراعتهما في الجبل الأخضر، إلى جانب بعض المناطق الزراعية في ولاية السويق وسمد الشأن (منطقة الروضة).
وتتميز هذه المحاصيل بجودتها العالية، بفضل المناخ المعتدل الذي تتميز به المرتفعات الجبلية، كما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياحة الزراعية، إذ يقصد الزوار المزارع خلال مواسم الإنتاج للاستمتاع بالثمار الطازجة والتعرف على طرق الزراعة التقليدية التي حافظ عليها المزارعون عبر الأجيال.
وتعد زراعة التين والعنب من الزراعات التراثية التي توارثها أهالي المناطق الجبلية منذ قرون، وأسهمت في الحفاظ على التنوع الزراعي والوراثي للمحاصيل العُمانية.
وفي جانب المحاصيل الاقتصادية، يبرز الكركم العُماني بوصفه أحد المحاصيل الواعدة، حيث بلغ إنتاجه نحو 200 طن، ويستخدم في الصناعات الغذائية والدوائية، إضافة إلى منتجات الصحة والتجميل، في ظل تزايد الطلب العالمي على المنتجات الطبيعية، الأمر الذي يعزز فرص الاستثمار والتوسع في زراعته خلال السنوات المقبلة.
الخضراوات الصيفية
تشكل الخضراوات الصيفية أحد المكونات الرئيسة للإنتاج الزراعي في سلطنة عُمان، حيث تسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتلبية احتياجات الأسواق المحلية على مدار الموسم، مستفيدة من تنوع البيئات الزراعية وتطور أنظمة الري والزراعة المحمية في مختلف المحافظات.
وتشمل أبرز الخضراوات الصيفية المزروعة في سلطنة عُمان البامية، والباذنجان، والفلفل، والخيار، والقرع، والطماطم في البيوت المحمية، إلى جانب اللوبيا والذرة الحلوة، وهي محاصيل تحظى بإقبال واسع من المستهلكين، وتدخل في العديد من الصناعات الغذائية والاستهلاك اليومي.
وبلغ إجمالي إنتاج الخضراوات في سلطنة عُمان نحو 1,531,838 طنًا، وهو ما يعكس حجم القطاع الزراعي وقدرته على توفير منتجات طازجة للأسواق المحلية، إلى جانب دعم الصناعات الغذائية وتقليل الاعتماد على الاستيراد في العديد من الأصناف.
وشهدت زراعة الخضراوات خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا من خلال التوسع في استخدام الزراعة المحمية، وأنظمة الري الحديثة، وتطبيق الممارسات الزراعية المستدامة، الأمر الذي أسهم في رفع الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل، وتمكين المزارعين من إطالة مواسم الإنتاج وتوفير المنتجات المحلية لفترات أطول من العام، بما يعزز مستهدفات الأمن الغذائي والاستدامة الزراعية في سلطنة عُمان.
**media[3470983]**