السبت الماضي ذهبتُ إلى السوبر ماركت لشراء علبة حليب، وخرجتُ وفي يدي علبة الحليب فقط. وجدتني في نهاية اليوم أكتب هذا في خانة الإنجازات في مفكرتي اليومية، التي اعتدتُ منذ سنوات أن أدوّن فيها إنجازاتي الصغيرة؛ تلك الإنجازات التي قد لا يشعر بها من حولي، لكنني أقدّرها لأنني أعرف الجهد الذي بذلته فيها.
فنعم، الخروج من السوبر ماركت دون شراء شيء سوى علبة الحليب الذي لا يراه الناس إنجازًا يستحق الاحتفاء، بالنسبة لي هو إنجاز شخصي، فمتى كانت آخر مرة دخلت فيها سوبر ماركت وخرجت بالشيء الوحيد الذي دخلت من أجله؟ أو غادرت دون أن تشتري شيئًا، ولم يراودك ذلك الشعور الغريب الذي يمزج بين المتعة والذنب الخفيف، وكأن العيون كلها تراقبك، أو يظن الناس أنك خرجت دون أن تدفع ثمن شيء! رغم أن الحقيقة هي أنك التزمت بقرارك، واحترمت أموالك، ووقتك، وجهدك، وانتصرت على رغباتك.
صدقني، إنه شعور جميل بالسيطرة والوعي يستحق الاحتفاء. فهو ليس إنجازًا صغيرًا على الإطلاق، بل انتصار حقيقي يعكس وعيًا ماليًا وفكريًا ناضجًا. ففي عالم اليوم، صُممت المتاجر الكبرى بعناية لتؤثر في قراراتنا الشرائية؛ بدءًا من طريقة توزيع الرفوف، مرورًا بالعروض الجذابة عند المداخل ونقاط الدفع، ووصولًا إلى أساليب التسويق التي تخاطب مشاعرنا وتربط الشراء بالسعادة أو بالمكافأة. إنه دليل على مستوى عالٍ من ضبط النفس وإدراك حقيقي لقيمة المال.
فهو يعكس احترامك للمال؛ فالمال ليس مجرد أرقام في الحساب، بل هو وقت وجهد وعمر، ومن يحترمه لا ينفقه إلا فيما يضيف قيمة حقيقية إلى حياته. كما يجعلك قادرًا على التمييز بين الرغبة اللحظية التي يصنعها التسويق، والاحتياج الحقيقي الذي يخدم أولوياتك وأهدافك. فلا تقودك البيئة الاستهلاكية ولا أساليب التسويق، بل تقود أنت قراراتك المالية بثقة ووعي.
أما ذلك الشعور الغريب عند مغادرة المتجر دون شراء شيء، فليس سوى أثر من آثار الثقافة الاستهلاكية التي اعتادت أن تربط الدخول إلى السوق بالشراء. بينما الحقيقة أن قدرتك على المغادرة دون إنفاق، عندما لا تجد ما تحتاج إليه، هي أحد أقوى مؤشرات النضج المالي.
فالانتصارات المالية لا تكون دائمًا في زيادة الدخل أو تحقيق أرباح من الاستثمار، بل قد تبدأ أحيانًا من قرار بسيط جدًا... أن تقول لنفسك بثقة: «لا أحتاج إلى هذا».
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية