حاولت عائلتي طوال الأسبوعين الفائتين العثور على حجز في قاعة «آيماكس» لمشاهدة فيلم The Odyssey، فبدا الأمر أشبه بالمستحيل، فلم يكن أمامنا بعد يأسٍ مُضنٍ سوى الرضوخ بقبول مقاعد في الصفوف الأمامية الجانبية. أخذتُ أفكر بيني وبين نفسي: ما الذي يجعل ملحمة شعرية لهوميروس عمرها يقترب من ثلاثة آلاف عام تتحول إلى منتج ثقافي بهذا الرواج والانتشار، فلقد هالني حقا عدد مقاعد القاعة التي امتلأت بلمح البصر.. عائلات، مراهقون، شلل أصدقاء.. تنوع بشري يثيرُ المزيد من علامات الاستفهام؟!
وأثناء المشاهدة شغلني سؤال مُلح: هل نجح المخرج كريستوفر نولان حقا في تقريب «الأوديسة» من سياقها الشعري الملحمي أم سعى لجعلها أكثر ملاءمة للقرن الحادي والعشرين؟. قرأتُ مؤخرا أنّ أشهر مترجمة معاصرة لـ«الأوديسة» إلى الإنجليزية، Emily Wilson، والتي صرّح كريستوفر نولان بأنّه استفاد من ترجمتها، كانت من أشدّ مُنتقديه، فقد رأت أنّ الفيلم حوّل الملحمة إلى استعراض بصري أكثر منه عملاً فكرياً يتأمل في أسئلتها الكبرى. غير أنّها في المقابل لم تستطع إنكار حقيقة لافتة أخرى بأنّ الفيلم أعاد ملايين القرّاء إلى «الأوديسة» وأنّ مبيعات ترجماتها ارتفعت بصورة ملحوظة. لقد حدث هذا في النطاق العربي أيضا، فقد وجدتُ العديد من النشطاء في السوشيال ميديا فضلوا قراءة الملحمة قبل مشاهدة الفيلم.
وفي مقال نشرته جامعة كامبريدج مقالاً بعنوان:Why a 3000-year-old story still captivates us، نُظر لمعالجة نولان بأنّها تجعل القضايا المركزية التي تثيرها الملحمة وثيقة الصلة بعالمنا اليوم، فعلى الرغم من أنّ قصّة أوديسيوس تحفلُ بعالم من الوحوش والعواصف والمغامرات، إلا أنّ جوهرها يتمثلُ في تأمل عميق لمعاني الاقتلاع من الوطن والعودة إلى الديار.
لقد حاصرتنا وسائل التواصل الاجتماعي طوال الأشهر الماضية بحملة دعائية غير مسبوقة، حتى بدا الأمر وكأننا إزاء تجربة استثنائية وتحفة فنية قد لا تتكرر. سُربت إلينا تفاصيل جعلت قدور فضولنا تغلي، كأن نعرف مثلا أنّه أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل بكاميرات IMAX. تذكر ريتا خان في إحدى حلقاتها السينمائية على اليوتيوب، نقلًا عن تصريح لكريستوفر نولان لمجلة Empire: أنّ هاجسه كان البحث عن شيء لم تستخدمه السينما من قبل، ولأن كاميرات IMAX كانت معروفة بضجيجها الذي يجعل استخدامها في المشاهد الحوارية شبه مستحيل، طُوِّر لها صندوق عازل للصوت يزن نحو 190 كيلوغرامًا، مما أتاح لنولان إنجاز أكثر من مليوني قدم من شريط الفيلم في 91 يومًا.
والأكثر إثارة أنّ نولان سلك اتجاهًا مُعاكسًا تمامًا للسينما المعاصرة التي باتت تنجذب الآن إلى المؤثرات الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد أصر على إبقاء هذه الوسائل في حدودها الدنيا، وبحسب ريتا خان فهو: «لم يتردد في تفجير طائرة حقيقية أو زراعة خمسمئة فدان من الذرة من أجل لقطة واحدة، أو تشييد مجسمات فعلية بدل الاكتفاء بصناعتها رقميًا... في The Odyssey شُيِّدت هياكل سفن حقيقية وصُنِع مجسم عملاق لـ«السايكلوبس» وأُقيم حصان طروادة بارتفاع عشرة أمتار.. فقد بلغت ميزانية الفيلم 250 مليون دولار، وهو رقم قلما تصرفه استوديوهات هوليوود في مغامرة محفوفة بالمخاطر كهذه!
حتى الضجيج الآخر المتعلق باتهام نولان بالانتصار لأجندات بعينها كأن تُسند شخصية «هيلين» أيقونة الجمال في الميثولوجيا الإغريقية إلى ممثلة سوداء، إلى جانب مشاركة ممثل متحول جنسيًا لمغازلة الجوائز كما يُشاع.. كلها مسائل: «تتجاوز حدود كونها خيارًا جماليًا أو فلسفةً في الإخراج، لتغدو جزءًا من استراتيجية التسويق ذاتها»، وهذا ربما ما يُبرر حضور تلك الجحافل البشرية لتملأ القاعات عالميا، فقد تمّت أسطرة الفيلم على نحو مُذهل حقا.
وعلى نحوٍ شخصي، فأكثر ما شدّني في الفيلم أنّه لم يُقدِّم لنا «أوديسيوس» كبطلٍ أسطوريٍّ خارق، فقد بدا لنا كائنًا مُطاردًا بلعنة ما اقترفته يداه وضميرًا مُثقلًا بجثثٍ لم تُوارَ الثرى، ليغدو الشعور بالذنب وجهًا آخر للبطولة الإنسانية، وهذا ربما ما جعل «الأوديسة» تتجاوز زمنها، لتتماس معنا في عالمٍ تمزقه الحروب وتُجرَّد فيه الإنسانية، فلا يتحمّل أحدٌ وزر الخراب الذي يصنعه. هكذا تبدو وحوش الواقع السياسي أشدَّ هولًا من جميع الوحوش التي أنجبتها الأساطير!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»