في الحديث عن الانتقال إلى عدم المركزية في سلطنة عُمان؛ تسير وتيرة السياسات والبرامج ومجمل الجهود الموجهة لهذا الانتقال بطريقة تدريجية تبين آثارها شيئًا فشيئًا على الحراكِ التنموي في المحافظات، فقد برز خلال السنوات الفائتة ما يُمكن أن يُلحظ من استكمال للبنى الأساسية، وتوسيع لمرافق الخدمة العامة، وبعض المواسم الترفيهية التي شجعت حراك السياحة المحلية، وأوجدت فرصًا اقتصادية على المستوى الجزئي في الاقتصاد، مع دعم واضح من المركز (المؤسسات الحكومية المركزية) لتوزيع المشاريع الإنمائية والاقتصادية القادرة على قطر اقتصاد المحافظات في السنوات المقبلة. ويبدو أن النموذج كذلك بدأ يرسي «ثقافته» لدى المكونات المجتمعية المختلفة من خلال عدة روافع أهمها؛ تفاعل المواطنين مع مجمل صورة ذلك الحراكِ التنموي، واستجابة مختلف مستويات العمل البلدي وتفاعلها مع الحالة الاجتماعية، وتكرر المفردة (اللامركزية) نفسها في السياق العام وحضورها في الذهن الاجتماعي العام. 

على مستوى السياسة العامة؛ تحرك هذا التحول مقاصد تنمية المحافظات، وتعزيز قابليتها الاقتصادية للنمو، وتمكينها من التحرك باتجاه تفعيل اقتصاديات تناسب الاحتياجات التنموية لساكنيها. غير أن المرحلة في تقديرنا تستوجب الوقوف على جدليتين مترابطتين؛ الأولى هل مستوى المُكنة الحالية تتيح انتقالًا لعدم مركزية اقتصادية وتنموية كاملة، والثانية من يقود الآخر؛ بمعنى هل تقود التنمية المحلية الاقتصاد المحلي أم أن نمو الاقتصاد المحلي ووضع أساساته وتسهيل وتمكين أدواته وبيئته من شأنه أن يقود التنمية النوعية بما في ذلك هدفها الرئيسي رفع جودة الرفاه الاجتماعي ونوعية حياة الساكنين. 

على مستوى السؤال الأول، تبدو الأمور تسير بتدرج عملي واضح من ناحية المركز (الحكومة)، وهو تدرج يمنح حسب تقديرنا وحدات الإدارة المحلية فرصة لاختبار نماذج مختلفة، وتطبيق مقاربات متعددة لاختيار الأمثل في سبيل تخطيط التنمية المحلية. غير أن المبدأ الذي يتم الانطلاق منه لابد من الوقوف عليه؛ فمحاولة فعل كل شيء في الوقت ذاته قد لا تبدو مقاربة عملية في المرحلة الراهنة. وهذا يقودنا إلى الجدلية الثانية، والتي نعتقد فيها أنه بقدر ما تم تحديد نماذج فاعلة للتنمية الاقتصادية في المحافظة هناك متطلبين مهمين؛ الأول أن ينعكس النموذج الاقتصادي في النموذج التنموي نفسه، والآخر أن تكون النماذج الاقتصادية تؤدي وظيفة اقتصادية متنوعة للدولة (الاقتصاد الكلي). ولنقرب المسألة بعيدًا عن الأطر النظرية؛ فلو نفترض أن «الاقتصاد البحري» أو ما يسمى «الاقتصاد الأزرق» نموذجًا لمحافظة معينة، أو لامتداد جغرافي معين، فالأصل أن يصاحب هذا النموذج تسخير لكافة الفعل التنموي لخدمة النموذج لضمان أن يحقق النموذج قيمته الاقتصادية والتنافسية في الوقت ذاته؛ فيتخصص القطاع الأكبر من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الخدمات والمنتجات الداعمة لسلسلة القيمة لهذا النموذج، وتوفر مؤسسات التمويل المحلي والصناديق الأهلية والاستثمارية المحلية (إن وجدت) منتجات تمويلية واستثمارية ومالية تتمحور حول ذات النموذج، وتسخر مؤسسات التعليم العالي الجزء الأكبر من برامجها لإعداد القدرات والكفاءات وتسخير الأبحاث ومنظومات الابتكار وتطوير التقنية لخدمة كافة مكونات سلسلة القيمة الاقتصادية للنموذج، وفي الوقت ذاته حتى القطاعات الصحية وما يتصل بها من خدمات يمكن أن تقدم خدمات نوعية متخصصة لخدمة النموذج الاقتصادي وسلسلة قيمته؛ ففي حالة الاقتصاد البحري مثلًا لا تكون المحافظة فقط مركزًا اقتصاديًا للقيمة النهائية للقطاع، بل لسلسلة قيمته، بل حتى تكون على المدى الأبعد متخصصة في طب البحار، وطب الغوص والضغط العالي، وطب الطوارئ والإنقاذ البحري، والطب البيطري البحري، وطب السياحة والعيش الساحلي. وحتى الأنشطة الثقافية والنتاج الأدبي والمعرفي والفني يمكن أن يتمحور حول قصة البحر وسلسلته، كما يمكن أن تتحول المنشآت ونموذج القيمة للقطاع السياحي ليكون متمركزًا حول البحر والسواحل والسياحة الساحلية بمختلف خدماتها وأنشطتها ومغامراتها ورياضاتها وحتى مأكولاتها. وهكذا بالنسبة لكافة العناصر والقطاعات التنموية الأخرى. 

هذا على الجانب الآخر لا يعني عدم استمرار نموذج التنمية العام، ستستمر المدارس والمستشفيات ومؤسسات التعليم العالي ومؤسسات الثقافة والمجتمع والخدمات العمومية في تقديم نموذج الخدمة العامة الذي يفترض به الوصول إلى جودة الخدمة المتوازنة بين مختلف المحافظات، لكنها إضافة إلى ذلك ستخصص نماذج تخصصية تنافسية، ستساعد في تحويل المحافظات ليس إلى وجهات سياحية وترفيهية فحسب، بل إلى مقاصد تنموية، جاذبة للأعمال والاستثمارات المتخصصة، ومولدة للحراك الجغرافي والتنوع المهاري، وستعمل في الآن ذاته على تفعيل التنافس على المهارات والخبرات والخدمات والمنتجات النوعية. فنجد أن طبيب ما يقصد العمل في محافظة بعينها ليس لأن بها مجرد مستشفى عام أو لأنها قريب من منطقة سكناه، بل لأن تلك المحافظة أصبحت مرجعية في الطب الذي تخصص فيه، وأن مؤسساتها الصحية سواء العامة والخاصة أصبحت مراجع فعلية في معالجة أمراض معينة هو قد خصص علمه ومعرفته ليتطور فيها، وبالتالي حتى الوظيفة العامة إلى بيئة للنمو والمنافسة المهنية والمؤسسية. 

لن يكون هذا التحول محصورًا بأدوار الحكومة المركزية وحدها، بل في آلية تقاسم ووضوح الأدوار بين القطاع العام، والقطاع الخاص، ومحركات جذب الاستثمار الأجنبي، وآليات توزيع النشاط الاقتصادي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فلن تستطيع الحكومة وحدها تأسيس المستشفيات أو الكليات أو المؤسسات الاقتصادية المتخصصة في كل محافظة. لكن الرهان يبقى على فكرة التوافق على النموذج الاقتصادي؛ فليس بالضرورة أن يكون محصورًا بالموارد الطبيعية/ المزايا القائمة، وإنما يمكن تخليقه من خلال الكفاءات والقدرات والإرث والجاذبية للمحافظات، وحتى في قطاعات الخدمات وليس فقط في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية. 

بالتأكيد فإن الوصول لمثل هذه الحالة هو سياق بعيد المدى؛ كون أن هناك اعتبارات كبيرة على مستوى السياسة العامة، ومستوى الموارد المتاحة، ومستوى النضج الكامل لوحدات الإدارة المحلية في إطار النموذج التنموي الكلي، والتباين في المزايا والقيود وحجم الكتلة السكانية. لكن نعتقد أن وضع الاتجاه كأسس وكمحرك متمثل في نموذج اقتصادي يقود نموذج التنمية من شأنه أن يقلص المسافة بين انتظار أن الاقتصاد بطبيعته الشمولية الحالية أن يحقق الجودة المطلوبة على مستوى نوعية الحياة والفرص الاقتصادية للسكان. إن ما تأسس خلال السنوات الماضية في هذا الملف جدير أن يبنى عليه، ونعتقد أن البناء عليه يتجسد في الانطلاق نحو ترسيخ مفهوم «اقتصاديات المحافظات» ليس فقط كاقتصاد شمولي وحركة أنشطة اقتصادية متنوعة، بل نحو نماذج اقتصادية متكاملة بسلاسل قيمها ودوافعها الاجتماعية والتنموية. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان