ترجمة: أحمد شافعي 

أقام رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على مدى أكثر من ثلاثة عقود مناخا سياسيا أساسه الخوف والرهبة والإجلال، فأوجد واحدة من أشد حالات عبادة الشخص في العالم. 

وها هي هذه الصورة قد تفككت. 

فما بدأ على هيئة غضبة من الطلبة بسبب تسريب أسئلة امتحانات القبول في كلية الطب تحول إلى أسابيع عديدة من تمرد سياسي الأفدح عواقب على رئيس الوزراء المستمر في السلطة منذ اثني عشر عاما. 

فقد احتشد وراء هذه الحركة تحالف عريض من الطلبة وحديثي التخرج والعمال العاطلين والمزارعين وحفنة من المشاهير. وفي استعراض لا مثيل له للسخرية العلنية، استهزأ أولئك جميعا بأقوى زعيم هندي منذ جيلين، وفعلوا ذلك في الشوارع مثلما فعلوه في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتوجهوا في مسيرة إلى البرلمان في نيودلهي. وانهالت الشرطة المسلحة بالهراوات والغاز المسيل للدموع على المتظاهرين. إلى أن اضطر مودي في عطلة الأسبوع الماضي، بعد أن أعيته الحيل، إلى قبول استقالة وزير التعليم، في أشد التنازلات استبعادا من رجل كانت سمته الأبرز سياسيا هي أنه يستعصي على التنازل. 

ولقد كانت انتفاضة هذا الصيف بعيدة أشد البعد عن محض امتحانات تسربت، فقد كانت امتحانا لمقدرة الديمقراطية الهندية على تصحيح مسارها. 

كانت الحركة اندلاعا لتراكم الإحباطات لدى جيل الشباب الهندي الذي ما عاد قادرا على التوفيق بين واقعه البائس ومزاعم «الهند الجديدة» المزدهرة التي يروجها رئيس الوزراء. وقد اضطر الزعيم الهندي المنيع إلى تراجع نادر المثال، بما يوحي بأنه على الرغم من جهود مودي لتجريف المؤسسات الديمقراطية وتركيز السلطة حول نفسه، فإن الحماة النهائيين للديمقراطية الهندية لا يزالون فيما يبدو هم مواطني الهند أنفسهم. 

لقد ارتقى رئيس الوزراء الهندي سدة الحكم بناء على وعد بتحويل الهند إلى أرض للتقدم والفرص، خالية من الفساد، تنشأ فيها ملايين الوظائف، ويتسنى لمواطنيها الفقراء أن يتلقوا مليونا ونصف المليون روبية (أي قرابة 15700 دولارا وفق سعر الصرف الحالي) في حال استعادة الأموال التي يقال إن المواطنين الفاسدين كدسوها في بنوك أجنبية. 

وبدلا من ذلك أقام مودي نظام حكم هندوسيا عاجزا يمجد نفسه، وأصبح فاحشو الثراء في ظله أوليجارشية حصينة تسيطر على موارد هائلة وتمسك عمليا بتلابيب الاقتصاد. فتفشت البطالة، وبخاصة بين الشباب، ولجأت الحكومة إلى الوحشية في تعاملها مع المسلمين وغيرهم من الأقليات الدينية لإلهاء الأغلبية الهندوسية الباكية على نفسها عن فشل رئيس الوزراء في رفع مستوى معيشتهم، وتطوير المؤسسات الضرورية لصحة الديمقراطية الهندية من قبيل البرلمان والقضاء والصحافة التي تردد ما يتغنى به مودي. 

بات تفخيم رئيس الوزراء أولوية قصوى لدى آلة الدولة. فأضخم ملعب لكرة القدم في الهند يحمل اسمه، وحصص الطعام توزع على الفقراء في أكياس تحمل صورته، وتنظم مجموعات هائلة من المواطنين للاستماع إلى خطبه الإذاعية. هيمن على الشعب إحساس بالاستسلام وقد تجاهله نظام مودي الحاكم وخذلتهم المعارضة السياسية العاجزة، وأقنع الشعب نفسه بأنه لا سبيل إلى الانتصار على مودي في الانتخابات. 

ولعل رئيس الوزراء مودي ـ البالغ من العمر الآن خمسة وسبعين عاما ـ يقبل في نهاية المطاف بأنه غير ملائم لقيادة شعب فيه أضخم فئة شباب في العالم، فيأفل نجمه. لكنه، وهو المثخن بالجراح، قد يكون أخطر من ذي قبل وأخون للتوقعات، وقد يسعى إلى استعادة سلطته الجريحة. فثمة تقارير بأن الشرطة خالفت الضمانات المقدمة من الحكومة للمتظاهرين واعتقلت طلبة في نهاية الأسبوع الماضي بعد خفوت حدة المظاهرات. 

لقد قال لي شاب يوم الجمعة الماضي «إنني نشأت على تقديسه». قال لي ذلك في موقع تظاهر بدلهي كان المتطوعون يوزعون فيه الطعام والماء ويحركون الهواء بصحائف الكرتون لتلطيف الجو على من حولهم بينما الحشود تهتف بشعارات من قبيل: «حينما يمتلئ بالخوف صدر مودي، تمتلئ بوحدة الهندوس والمسلمين الآذان». 

واستدرك الشاب متسائلا: «لكن لماذا يقودنا رجل لم يظهر لنا حتى الآن شهادته الجامعية؟». وهذا السؤال إشارة إلى جدل قديم حول شهادات جامعية عرضها حزب مودي ولم يحسم أمر ثبوت صحتها. 

وبالنسبة لملايين الشبان الهنود، يمثل التفوق في امتحانات القبول في الكليات شديدة التنافسية مسارا للكرامة في الحياة. ولذلك تستدين الأسر الهندية، وترهن المصوغات أو المنازل، من أجل أن تدفع المصاريف اللازمة لتأهيل أبنائها لهذه الامتحانات. 

لكن أسئلة هذه الامتحانات تتسرب في العادة وتباع، فإذا بحياة الطلبة تنقلب رأسا على عقب بعد قضائهم شهورا مضنية في الاستعداد. وحانت لحظة الانفجار في مايو، حينما ألغي امتحان القبول لكلية الطب الوطنية التي خاضها أكثر من مليوني طالب وأعيد تعيين موعد عقدها مرة أخرى بسبب وقوع اختراق. فما كان من بعض الطلبة إلا أنهم انتحروا فور معرفتهم أن عليهم أن يعيدوا خوض الاختبار. 

واحتدم الغضب حينما شبّه كبير قضاة الهند ـ في تصريح غير ذي صلة بمسألة الامتحانات ـ الشباب العاطلين عن العمل بـ«الصراصير»، فاتخذ المتظاهرون من الصراصير رمزا لهم، وتأسس (حزب صراصير جانتا) تشبها باسم حزب مودي الحاكم وهو (بهاراتيا جانتا). وإذا بالأمر الذي بدأ هذه البداية الهازلة يتحول إلى أداة للتعبير عن غضبة جيل. احتشد ملايين من أرجاء البلد حول الحركة، مطالبين باستقالة وزير التعليم الهندي وتعويض أسر الطلبة الذين أنهوا حياتهم بالانتحار. وتأجج غضب الحركة بإضراب ناشط بارز والعديد من الطلبة عن الطعام على الطريقة الغاندية. 

تجاهلت الحكومة المتظاهرين في أول الأمر، وصوَّرهم أتباعها في الإعلام بأنهم أدوات في أيدي قوى أجنبية تسعى إلى زعزعة استقرار الهند. لكن هذا الكذب افتضح بمقاطع الفيديو التي ظهر فيها ضباط الشرطة وهم يضربون الطلبة في مظاهرات سلمية إلى حد كبير في دلهي يوم العشرين من يوليو. وفي ذلك اليوم، تسلل رئيس الوزراء مودي من البرلمان تحت حماية كثيفة، وقد تهاوت في الفوضى هالة المنعة التي طالما أحاط بها نفسه. 

لقد أطاحت الحركات الشبابية المترابطة رقميا في جنوب آسيا بأنظمة حكم متزايدة النزوع إلى الاستبداد في سريلانكا وبنجلاديش ونيبال خلال السنوات الأخيرة. وبرغم سوء التوقعات لمستقبل الشباب الهندي، ظل رئيس الوزراء مودي يراوغ تلك التيارات، والآن يلاحقه تاريخه. 

لقد كشفت أحداث الصيف الاستثنائية في الهند مدى عمق الأعراف الديمقراطية التي رسخها مؤسسو البلد، وقدم شباب الهند لأضخم بلد ديمقراطي في العالم فرصة أخرى للنجاة وللبقاء. 

 كابيل كوميريدي صحفي هندي ومؤلف كتاب «الجمهورية الخبيثة: تاريخ قصير للهند الجديدة». 

 خدمة نيويورك تايمز