في مختلف أنحاء العالم، تعود الحكومات مجددًا إلى استخدام أدوات السياسة الصناعية -مثل الدعم الحكومي، والحوافز الضريبية، والتمويل العام، والتدابير التجارية، والتنظيمات الاستراتيجية- لتشكيل اقتصاداتها. وكوريا الجنوبية ليست استثناءً من ذلك؛ فقد أطلقت حكومة الرئيس لي جاي ميونغ استراتيجية طموحة لتعزيز قطاعات أشباه الموصلات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وغيرها من الصناعات المتقدمة، بهدف دعم النمو المستقبلي وتعزيز القدرة التنافسية. غير أن الطريق إلى الأمام مليء بالعقبات.
إن عودة السياسة الصناعية ليست مجرد توجه عابر في مجال السياسات العامة، فالأسواق غالبًا ما تُفرط في الاستثمار في التقنيات الجديدة، بسبب إخفاقات التنسيق، والعوامل الخارجية المرتبطة بالتعلم، واقتصادات الحجم. ولكن في وقت أصبحت فيه الريادة التكنولوجية ومرونة سلاسل الإمداد في صميم أجندات الأمن القومي، لم يعد بوسع الحكومات الانتظار. وهي اليوم لا تسأل عمّا إذا كان ينبغي لها اتباع سياسة صناعية أم لا، بل عن نوع السياسة الصناعية المناسب لها.
لقد خاضت كوريا الجنوبية هذه التجربة من قبل. ففي سبعينيات القرن الماضي -وسط تهديدات مستمرة من كوريا الشمالية، وتصاعد المخاوف الأمنية الناجمة عن مبدأ نيكسون والانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من كوريا- أطلقت كوريا برنامج الصناعات الثقيلة والكيميائية (HCI)، بهدف تسريع الارتقاء الصناعي وخلق مزايا تنافسية جديدة.
وقد استلهم برنامج الصناعات الثقيلة والكيميائية، جزئيًا، تجربة التصنيع الناجحة في اليابان، وسعى إلى تحويل الهيكل الصناعي للبلاد، وتعزيز الصادرات، وتقليل الاعتماد على الآلات والمعدات الدفاعية المستوردة. ولتحقيق هذه الغاية، استخدمت الحكومة الائتمان الموجّه، والحوافز الضريبية، وضمانات الاقتراض الخارجي، والمجمعات الصناعية لتسريع الاستثمار الخاص في ست صناعات استراتيجية هي: الصلب، والآلات، والبتروكيماويات، وبناء السفن، والإلكترونيات، والمعادن غير الحديدية.
وكان من العوامل الأساسية وراء نجاح هذه الاستراتيجية وجود جهاز بيروقراطي اقتصادي كفؤ -تولّى تنسيق التمويل، والبنية التحتية، وتعزيز الصادرات- إلى جانب الالتزام السياسي المستمر، حيث وفّرت فترة حكم الرئيس آنذاك بارك تشونغ هي الطويلة (1963–1979) الاستمرارية في السياسات التي يتطلبها التحول الصناعي طويل الأمد. وبالقدر نفسه من الأهمية، فقد ساعدت النخبة المتنامية في كوريا الجنوبية من المهندسين، والمديرين، والفنيين المهرة على استيعاب التقنيات الأجنبية وتطويرها.
وقد أدى الجمع بين الدعم الحكومي والانفتاح على المنافسة الدولية إلى تعزيز التعلم من خلال الممارسة وتراكم القدرات، مما مكّن الشركات الكورية الجنوبية من الصعود بسرعة في سلاسل القيمة العالمية. وفي ثمانينيات القرن الماضي، وفّرت الظروف الخارجية المواتية -بما في ذلك انخفاض أسعار النفط، وتراجع أسعار الفائدة، وضعف قيمة الوون الكوري، وتزايد الطلب العالمي- دفعة إضافية، مما أتاح للصناعات الثقيلة الكورية الجنوبية أن تصبح محركات رئيسة للصادرات.
لا يمكن افتراض توافر مثل هذه الظروف اليوم. ومع ذلك، لا تملك كوريا الجنوبية خيارًا يُذكر سوى الشروع في تحول تكنولوجي آخر تقوده الدولة، يركّز هذه المرة على الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.
فقد أعلنت الحكومة عن استراتيجية وطنية تهدف إلى جعل البلاد واحدةً من أكبر ثلاث قوى عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعزيز ريادتها العالمية في صناعة أشباه الموصلات. ويوفر القانون الخاص بأشباه الموصلات دعمًا للبنية التحتية والأطر التنظيمية لتسريع الاستثمارات الجديدة. كما تهدف المشروعات الثلاثة العملاقة للقفزة الكبرى إلى الأمام إلى تطوير مراكز إقليمية للصناعات المتقدمة من خلال استثمارات مشتركة بين القطاعين العام والخاص في مجالات أشباه الموصلات، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات.
وبشكل إجمالي، أعلنت الحكومة والشركات الكبرى عن خطط لاستثمارات جديدة تتجاوز 1,500 تريليون وون كوري (نحو تريليون دولار أمريكي) -أي ما يعادل تقريبًا ثلثي الناتج المحلي الإجمالي لكوريا- في أكبر مبادرة صناعية تشهدها البلاد منذ برنامج الصناعات الثقيلة والكيميائية. وتعتزم شركتا سامسونج للإلكترونيات وإس كيه هاينكس استثمار 911 تريليون وون كوري في مراكز جديدة لتصنيع أشباه الموصلات، بينما تستثمر شركات رائدة أخرى بكثافة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ومن جانبها، تعمل الحكومة على توفير أدوات تمويل جديدة ، تشمل صندوق الاستجابة للمستقبل وصندوق النمو الوطني، بهدف حشد رؤوس أموال طويلة الأجل للصناعات الاستراتيجية ومنظومات الابتكار.
كما كان الحال في سبعينيات القرن الماضي، تعمل الحكومة الكورية الجنوبية اليوم على تحديد الصناعات الاستراتيجية، وحشد رؤوس الأموال، وتصوير التحول الصناعي باعتباره ضرورة أساسية للنمو الاقتصادي والأمن القومي. غير أن الاستراتيجية الحالية تختلف عن برنامج الصناعات الثقيلة والكيميائية؛ إذ كان ذلك البرنامج يهدف إلى استيعاب التقنيات الأجنبية والبناء عليها، بينما تسعى الاستراتيجية الجديدة لكوريا الجنوبية إلى المنافسة عند الحدود العالمية للتكنولوجيا، حيث تزداد درجة عدم اليقين، وغالبًا ما تكون الشركات في وضع أفضل من الدول لتحديد الابتكارات الواعدة.
كما أن التحديات العملية كبيرة أيضًا. فمصانع تصنيع أشباه الموصلات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، ومهندسين ذوي تخصصات عالية، وإمدادات هائلة وموثوقة من الكهرباء والمياه. وقد تستغرق عملية تأمين هذه الموارد، فضلًا عن الحصول على الأراضي والتراخيص، سنوات من التأخير، وقد يستغرق تشغيل منشأة جديدة لتصنيع أشباه الموصلات سنوات إضافية، الأمر الذي يجعل قرارات الاستثمار شديدة التأثر بدورات سوق أشباه الموصلات. فقد تتحول حالات النقص الحالية في الرقائق الناجمة عن الطلب على الذكاء الاصطناعي بسهولة إلى فائض في المعروض غدًا، إذا تراجع الطلب قبل دخول الطاقات الإنتاجية الجديدة إلى الخدمة.
وعلاوة على ذلك، تعمل الشركات الخاصة اليوم ضمن بيئة تنظيمية أكثر كثافة وتعقيدًا بكثير مما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، مما يجعل الاستثمار الخاص أقل استجابة للمبادرات الحكومية. ولا يساعد في ذلك أن السياسة الديمقراطية المعاصرة تفرز بطبيعتها آفاقًا زمنية قصيرة للسياسات العامة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على المصداقية على مدى عقود أكثر صعوبة بكثير مما كان عليه الحال في عهد بارك.
وتتفاقم هذه التحديات بفعل تصاعد المنافسة من الصين، التي أصبحت اليوم منافسًا أكثر قوة بكثير مما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي. فقد برزت الصين بالفعل كقوة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والعديد من صناعات التصنيع المتقدم، وهي تعمل بسرعة على تقليص الفجوة في مجال أشباه الموصلات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استمرار الدعم الحكومي.
وفي مواجهة التحديات المقبلة، يتعين على كوريا الجنوبية وغيرها من الدول التي تعيد اكتشاف السياسة الصناعية أن تدرك حدود الاستراتيجية التي تركز على «اختيار الفائزين» وتوجيه رأس المال نحوهم، فالسوق التنافسية وحدها، والمبتكرون أنفسهم، هم القادرون على تحديد التقنيات والشركات التي ستسود في نهاية المطاف. أما ما تستطيع الحكومات بل ما يجب عليها القيام به، فهو بناء منظومات ابتكار فعّالة، من خلال الاستثمار في المنافع العامة التي تعجز الأسواق عن توفيرها بالقدر الكافي: الجامعات ذات المستوى العالمي، والبحث الأساسي، والبنية التحتية الموثوقة للطاقة، والتنظيمات الفعالة.
لم يكن برنامج الصناعات الثقيلة والكيميائية مثاليًا. فقد شجّع على الاقتراض المفرط، وتكرار الاستثمارات، ووجود طاقات إنتاجية فائضة كبيرة، مما أوجد مواطن ضعف هيكلية أسهمت لاحقًا في أزمة 1997 المالية. ومع ذلك، فقد نجح في تحويل الاقتصاد الكوري الجنوبي إلى قوة تكنولوجية كثيفة رأس المال، بفضل مزيج نادر من المؤسسات القادرة، والتنفيذ المنضبط، والظروف الخارجية المواتية.
ورغم أن هذه الظروف لا يمكن إعادة إنتاجها اليوم، فإن الحكومات لا تزال قادرة على حشد المعرفة، والمواهب، والمؤسسات من أجل المنافسة عند الحدود التكنولوجية، شريطة أن تدرك أن حالة عدم اليقين واسعة الانتشار هناك، وأن تحقيق النجاح أصبح أكثر صعوبة في هندسته مما كان عليه في الماضي.
لي جونغ-وا أستاذ الاقتصاد في جامعة كوريا، وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية الآسيوي، والمستشار الأقدم السابق لرئيس كوريا الجنوبية للشؤون الاقتصادية الدولية.