يتساقطون واحدًا تلو الآخر، لكن سقوطهم ليس انهزامًا أو تخاذلًا عن مواجهة العدو الغاشم، وإنما انتهاء لقصة الكفاح الطويل، وبداية فراغ سيتركونه في نفوس الأحبة.
استبعادهم من قائمة المقاتلين الأقوياء ليس احتفاظًا بهم لمعارك أخرى ضروس، وإنما هو ختام لرحلة كفاح طويلة مع المرض، ونهاية حتمية لكل البشر، فالأرواح تغادر في موعدها المحدد إلى بارئها.
بالأمس القريب ودعنا شخصيات ضربت أمثلة بطولية في ملحمة الصمود والكفاح، وحب الحياة والناس. فياض الكندي شخص لم أكن أعرفه عن قرب، وربما لحداثة سنه، والفارق الكبير ما بيني وبينه في العمر هو الحجاب الذي لم يمكنني من معرفته مسبقًا، أو أن مجاله في صناعة المحتوى الرياضي بعيد عن مجالات اهتماماتي، لكن أصوات الرثاء من الداخل والخارج أثرت في نفسي كثيرًا، ودفعتني للبحث عن أعماله التي ستظل نقطة ضوء لا تعرف ظلام القبور.
الحزن الذي ملأ الصفحات والمقاطع المرئية، والتهافت الإنساني على تقديم واجب العزاء من كل مكان، جعلاني أتمنى أن يعود الزمن إلى الوراء، فألتقي به ولو لدقيقة واحدة، لكن الزمن لا يعود، والأرواح الطاهرة تظل تحلق في فضاء الدنيا بعبير أعمالها وحب الناس لها.
قصته مع المرض لم تأتِ على عجالة، بل كانت سجلًا طويلًا من المعاناة الإنسانية منذ نعومة أظافره، أما كفاحه الطويل فهو الصفحة التي تنير للآخرين طرقات التجلد والعطاء حتى النهاية، وتخبر المبتلين بالمرض بأنه لا حياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة، وأن الوقوف بحزم أمام صناعة الإنسان لنفسه وإيمانه بالله وبقدراته هو ما سيجعله يستبسل طويلًا في مقارعة المرض وتحمل أوجاعه.
فياض لم يكن شخصًا عاديًا في نظري، وربما ليس هو الوحيد الذي صمد حتى النهاية، فهناك العشرات والمئات، وربما الملايين حول العالم، شاطروا فياض القوة في البقاء بابتسامتهم وشغفهم في حب الحياة.
كان فياض ورفاقه ضمن قائمة النماذج الإنسانية التي تستحق أن تنال أكثر مما وصلت إليه، فقائمة محاربي المرض العضال طويلة، وربما لم نسمع عن الكثير من قصص كفاحهم الطويلة، لكن عندما يترجلون نصاب بحزن الفراق، فرحيل الأقوياء مؤلم جدًا، لكن إرادة الله فوق كل إرادة إنسان. المؤلم في الأمر أن بيننا الكثير من أمثال فياض، لكننا لا نحس بوجودهم إلا عندما نفتقد حضورهم في الحياة، وهذه النقطة بمثابة بؤرة ألم لن تنتهي، لذا علينا ألا ننسى الباقين في صراعهم الوجودي بدعاء الشفاء، والراحلين بالرحمة والمغفرة.
محاربو السرطان، وراء كل منهم قصة طويلة ومعاناة أكبر من ذراع الأرض، كل شيء في حياتهم مختلف عنا، يستحقون الكثير من العطاء، وليس فقط الثناء لثباتهم وزراعتهم لحقول الأمل كل لحظة، وإنما أكبر من ذلك بكثير.
رحلة المرض هي الشقاء الذي يُبتلى به البشر، لكنه الذكر الإلهي للناس، وتكفير لذنوب العباد. إذا كنت تريد أن تعرف معنى الحياة على حقيقتها، فكن في ميدان الحرب، حيث سترى النفوس كيف تستبسل لتبقى بعيدة عن شظايا الألم.
الحرب مع المرض لا تقل أهمية أو قسوة عما يعانيه الجنود في ثغورهم وساحات قتالهم، والمرض هو ذلك الزائر الذي يأتي إليهم دون استئذان، وصرخاتهم هي بمثابة جرح ينزف من ثنايا أجسادهم الهزيلة. لكم هم أقوياء، ولكننا لا نعرفهم!