الإنسان دائما نراه في حياته يعتني بما يراه الناس منه، فنجده ينتقي ألفاظه، ويهذب سلوكه خاصة في تعامله مع الآخرين، ويحرص على أن يظهر في أحسن صورة، لأن النفس البشرية مفطورة على حب الثناء وكراهية الذم، ولأن المجتمعات لا تحكم غالبا إلا بما يظهر من الأعمال، ولهذا أصبح الإنسان أكثر اهتماما بظاهر تصرفاته، إلا أن القرآن الكريم اعتنى بباطن الإنسان كما اعتنى بظاهره، فركز على صلاح القلب الذي اعتبره الجوهر الذي ينبغي على الإنسان أن يتعهده بالصقل والتنظيف والعناية، ونفذ إلى المنطقة التي لا يطلع عليها أحد من البشر، عندما يصبح الإنسان في مواجهة حقيقته، فالميزان الذي يقيم الله به عباده لا يقوم على ما يظهر للناس من الأعمال وحدها، وإنما على ما استقر في القلوب، وما تخفيه السرائر، ولذلك كانت الخلوات من أدق المواطن التي يعرف فيها صدق الإيمان، لأنها اللحظة التي تغيب فيها مراقبة البشر، ولا يبقى إلا مراقبة الله عز وجل.
ولهذا نجد القرآن الكريم يعالج هذا الجانب بتربية إيمانية عميقة، تقوم على بناء الشعور الدائم بأن الله مطلع على عباده في كل أحوالهم فالله تعالى يقول: "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا" فهذه الآية تكشف خللا في ميزان القلب، إذ كيف يستحي الإنسان من نظر المخلوق، ولا يستحي من نظر الخالق الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهنالك أسباب كثيرة متعلقة بهذا الاختلال في ميزان القلب، منها كثرة المعاصي التي تطمس القلوب وتغلفها بالران، فالله تعالى يقول: "كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ"، ومنها اتباع الهوى وهذا ما يكشفه قوله تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ" ومنه جهلهم بالله الذي لم يقدروه حق قدره فالله عز وجل يقول: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ".
وهذا المعنى المتعلق بمراقبة الله في أفعالنا وأعمالنا تكرر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، حتى أصبح من أبرز الأسس التي تقوم عليها التربية الإيمانية، حتى فيما يتعلق بأسماء الله في القرآن فعندما تتبعها تجد أن بعضها جاءت لتبني في قلب المؤمن معاني المراقبة واليقين، فهو سبحانه الرقيب الذي لا يغيب عنه شيء، وهو الشهيد على أعمال عباده وهو السميع الذي يسمع خفيات الأصوات، حتى دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، والبصير الذي لا تخفى عليه الحركات والسكنات، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذه الأسماء إذا استقرت معانيها في القلب، فإنها تجعل مراقبة الإنسان لنفسه نابعة من حيائه من الله عز وجل.
وعندما نتأمل عظمة المنهج القرآني في إصلاح الإنسان، إننا نجد أنه يقوم بوضع الأحكام، ثم يجعل من القلب الضمير الذي يحرس تلك الأحكام، فالأنظمة تستطيع أن تمنع كثيرا من المخالفات إذا كان الرقيب حاضرا، والمجتمع قد يردع الإنسان ما دام يخشى كلام الناس، أما إذا أغلق الباب وغابت العيون وانفرد الإنسان بنفسه، فإن الذي يمنعه حينئذ ليس القانون، وإنما الإيمان الذي عمر قلبه بمراقبة الله، ولذلك كان صلاح السريرة أصلا لصلاح الظاهر، كما أن الخلوات هي الميدان الحقيقي الذي يظهر فيه أثر التربية الإيمانية.
وإذا أتينا السلف الصالح فإنهم يولون أعمال السر عناية تفوق عناية الناس بأعمال العلن، وذلك لإدراكهم أن حقيقة بما يكون عليه حاله إذا خلا بنفسه، بعيدا عما يراه الناس منه، فهم يعلمون أن المرء يستطيع تكلف الصلاح أمام الناس ساعات، لكن التكلف لا يدوم طويلا إذا انفرد بنفسه، فهناك تنكشف حقيقة القلب ويظهر مقدار ما فيه من تعظيم لله، أو غفلة عنه، ففي كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" للحافظ أبو نعيم الأصبهاني، الذي أورد فيه أحوال العباد والنساك من أهل الصلاح والمراقبة لله عز وجل، نجد منه هذه القصة التي رواها عن الخليفة عمر بن عبدالعزيز قوله فيها: "بلغني أن عمر بن عبد العزيز، قال لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال خالد: يا أمير المؤمنين إن أقواما غرهم ستر الله وفتنهم حسن الثناء، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله وإياك أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعما افترض الله علينا متخلفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين، قال: فبكى، ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى."
والخلوة لم تكن في يوم من الأيام مقصودة لذاتها، وإنما كانت ميدانا يظهر فيه مقدار ما استقر في القلب من تعظيم لله تعالى، ولهذا فإن الذنب الذي يقع في الخفاء لا يختلف في حكمه عن الذنب الذي يقع أمام الناس، ولكن أثره في القلب قد يكون أشد، لأنه يكشف عن لحظة غاب فيها استحضار نظر الله، فاستيقظت الشهوة، وغاب عن تلك اللحظة ضمير المؤمن اليقظ، وضعفت فيها مراقبة الإنسان، ولذلك كان القرآن يربط بين صلاح القلب واستحضار علم الله في مواضع كثيرة، فيخبر سبحانه أنه يعلم السر وأخفى، وأنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور، ليبقى المؤمن على يقين بأن السر عند الله كالعلانية، وأن الخفاء الذي يراه الناس خفاء ليس خفاء عند رب العالمين، ومن أدرك هذه الحقيقة لم يعد يفرق بين خلوته وجلسته بين الناس، لأن الرقيب واحد في الحالين.
وقد عبر الشاعر العباسي أبو العتاهية عن هذا المعنى المتعلق بالخلوة فقال:
إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَوماً فَلا تَقُل
خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ
وَلا تَحسَبَنَّ اللَهَ يُغفِلُ ما مَضى
وَلا أَنَّ ما يَخفى عَلَيهِ يَغيبُ
لَهَونا لَعَمرُ اللَهِ حَتّى تَتابَعَت
ذُنوبٌ عَلى آثارِهِنَّ ذُنوبُ
فَيا لَيتَ أَنَّ اللَهَ يَغفِرُ ما مَضى
وَيَأذَنُ في تَوباتِنا فَنَتوبُ
ومن هنا نفهم سر اهتمام السلف بأعمال القلوب أكثر من اهتمامهم بأعمال الجوارح، فقد كانوا يعلمون أن الجوارح إنما تتحرك بما استقر في القلب، فإذا عمر القلب بمراقبة الله استقامت الجوارح، وإذا خلا القلب من هذا المعنى ضعفت مقاومة الشهوة، مهما كثرت المعلومات الشرعية، أو سمع الإنسان من المواعظ والخطب، ولذلك أكثروا من غرس هذه المعاني العميقة في نفوس تلاميذهم، فنجد صاحب "الرسالة القشيرية" لعبد الكريم بن هوازن القشيري قد أملى هذه الرسالة في تزكية النفس وعلم التصوف على تلاميذه، كما أن كبار العلماء قاموا بالتصنيف والتأليف في هذا المجال فنجد أبو حامد الغزالي كتابه المشهور "إحياء علوم الدين" وغيرها من كتب التراث الإسلامي المشهورة، وإذا أتينا إلى العصر الحديث نجد أن العالم السوري سعيد حوى قام بتأليف "المستخلص في تزكية الأنفس" واستقى مادته من كتاب الإحياء للغزالي، وكذلك كتب العالم المصري محمد الغزالي السقا مجموعة من الكتب متعلقة بتزكية النفس منها " جدد حياتك" و"خلق المسلم" و"الجانب العاطفي في الإسلام".
والخوف كل الخوف من أن يهون الذنب في القلب، فالمؤمن قد يزل لأن العصمة ليست لأحد بعد الأنبياء، لكنه لا يرضى بزلته ولا يطمئن إليها، بل يبقى قلبه منكسرا حتى يعود إلى ربه، فالخطر الحقيقي هو أن تتحول المعصية إلى عادة، وأن يفقد القلب إحساسه بثقلها حتى تصبح جزءا من حياته لا يراجع نفسه فيها ولا يستغفر منها، وقد جاء التحذير من ذلك واضحا في السنة النبوية، ففي الحديث الذي رواه ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا"، فلما تعجب الصحابة من ذلك، بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم السبب فقال: "ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها"، ففي هذا الحديث تحذير من أن تصبح الخلوة زمنا ينسى فيه الإنسان مراقبة الله، فيقدم على المعصية وهو يعلم أنها معصية غير مبال بنظر ربه إليه.
وإذا أمعنا التأمل في هذا الحديث نجده يتحدث عن الحال التي يكون عليها القلب أثناء ارتكابه، فالذي يذنب ثم يندم ويستغفر ويجاهد نفسه يعيش صراعا يدل على حياة قلبه، أما الذي يألف الذنب ويكرر المعصية ولا يجد في نفسه حرجا، فقد بدأ يفقد شيئا من حس المراقبة الذي هو روح الإيمان، ولعل هذا ما أشار إليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار" فالفرق بين المؤمن وغيره ليس في وقوع الخطأ، وإنما في مقدار تعظيم القلب لله، وشعوره بثقل المخالفة وسرعة رجوعه إلى التوبة.
وإذا كانت للخلوات ذنوب قد تترك آثارها في القلب، فإن لها كذلك طاعات لا يعلم قدرها إلا الله، بل إن كثيرا من أعظم الأعمال إنما يكون أثرها في الخفاء أكثر من العلن، لأن العبد فيها أقرب إلى صدق المناجاة، فهي أقرب إلى الإخلاص، وأبعد ما تكون عن الرياء ولهذا أثنى الله على عباده الذين يذكرون ربهم بالغدو والآصال، وأثنى على الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا، كما جعل النبي صلة الله عليه وسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، لأن تلك الدمعة لم تخرج طلبا لمدح الناس، وإنما خرجت من قلب امتلأ بمعرفة الله.
فأروا الله من أنفسكم خيرا في خلواتكم، فما أجمل أن تري الله في الخلوات أجمل نسخة منك، فهي التي تقربك من الله زلفى، وما أجمل أن نغرس هذه المعاني في أبنائنا، فهي التي تجعلهم أكثر وعيا بأنفسهم، وهي التي تبني الضمير الحي الذي يكون بمثابة الدرع في هذا الزمن الذي يتعرضون فيه إلى أشكال وألوان من الفتن، كما أن هذه المعاني تصلح علاقتهم بالله فتكون عبادتهم له هي صلة حقيقية بينهم وبين خالقهم، وليس عبادة تعودوا أدائها من غير روح.
فاليوم تبدلت صور الخلوة ولم تعد كما كانت في الأزمنة الماضية فأصبح الإنسان يحمل معه خلوته حيثما ذهب، من خلال هاتف صغير الذي يضعه في جيبه، فهو يستطيع أن يفتح به أبوابا لا يعلم بها أحد من الناس، وقد يمضي بين أهله وأولاده ساعات، وهو في الحقيقة يعيش خلوة كاملة مع شاشة لا يشاركه فيها أحد، فيرى ويقرأ ويستمع ما يشاء، حتى أصبح الامتحان في هذا العصر أشد لأن وسائل الوصول إلى الفتنة أصبحت أقرب من أي وقت مضى، والسعيد من كانت سريرته أصلح من علانيته.