على الضفة الجنوبية لخور البليد في ولاية صلالة، تقف مدينة البليد الأثرية شاهدة على واحدة من أبرز المحطات الحضارية التي شهدتها محافظة ظفار عبر التاريخ، حيث ازدهرت المدينة لقرون طويلة بوصفها مركزًا تجاريًا وبحريًا مهمًا، وميناءً رئيسيًا لعب دورًا بارزًا في تجارة اللبان التي اشتهرت بها سلطنة عُمان، وربطت سواحلها بموانئ الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند والصين، وصولًا إلى الحضارات القديمة في مصر وبلاد الرافدين والبحر الأبيض المتوسط.
ويعد متنزه البليد الأثري اليوم واحدًا من أبرز الوجهات التراثية والسياحية في سلطنة عُمان، وقد بلغ عدد زوار المتنزه العام الماضي 52.649 زائراً، فيما بلغ عدد الزوار خلال النصف الأول من هذا العام 10.715 زائراً، وقد حظي المتنزه بأعمال تطوير وتأهيل وصون حافظت على قيمته التاريخية، وأتاحت للزوار فرصة التجول بين بقايا مدينة إسلامية مزدهرة، والتعرف على تاريخها من خلال متحف أرض اللبان الذي يمثل نافذة معرفية تسرد قصة الإنسان العُماني وعلاقته بالبحر والتجارة والحضارة.
وقد اكتسب الموقع أهمية عالمية بعد إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2000، تقديرًا لقيمته الحضارية وما يمثله من شاهد حي على ازدهار تجارة اللبان ودورها في التواصل بين الحضارات القديمة، ليصبح أحد أهم المواقع الأثرية التي تستقطب الباحثين والمهتمين بالتراث والزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها.
وتشير نتائج الدراسات الأثرية إلى أن مدينة البليد لم تكن مجرد ميناء لتصدير اللبان، بل كانت مدينة متكاملة تضم أحياءً سكنية وأسواقًا ومساجد ومرافق إدارية ومنشآت خدمية، ما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم العمراني والاقتصادي الذي شهدته ظفار خلال العصور الإسلامية. كما كشفت أعمال التنقيب عن وجود شواهد للاستيطان البشري تعود إلى فترات أقدم، إذ عُثر على آثار من العصر البرونزي تعود إلى نحو 2500 عام قبل الميلاد، إلى جانب معثورات من العصر الحديدي، وهو ما يؤكد أن الموقع ظل مأهولًا عبر حقب تاريخية متعاقبة قبل أن يبلغ ذروة ازدهاره خلال الفترة الإسلامية.
وعرفت المدينة بعدة أسماء وردت في المصادر التاريخية وكتب الرحالة، من بينها ظفار، والبليد، والمنصورة، والأحمدية، وكانت تحظى بمكانة بارزة لدى الجغرافيين والمؤرخين الذين وصفوها بأنها من أهم مدن جنوب الجزيرة العربية وأكثرها نشاطًا في التجارة البحرية. كما ورد ذكرها في كتابات ابن المجاور، وابن بطوطة، وماركو بولو، إضافة إلى سجلات الرحلات البحرية الصينية التي أشارت إلى العلاقات التجارية والاتصالات الرسمية التي ربطت ظفار بالبلاط الإمبراطوري الصيني.
ويقسم علماء الآثار مدينة البليد إلى ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتمثل أولها في القسم التجاري الذي كان يضم الميناء والمنشآت المرتبطة بحركة البضائع، بينما يضم القسم الأوسط الأحياء السكنية والمرافق الخدمية، أما القسم الغربي فكان يمثل المركز الإداري للمدينة ويضم الحصن وجامع البليد ومنطقة الجمارك، وهو تقسيم يعكس دقة التخطيط العمراني الذي اتسمت به المدينة في فترة ازدهارها.
ولعب خور البليد دورًا محوريًا في ازدهار المدينة، إذ كان يشكل ميناءً طبيعيًا يوفر الحماية للسفن الصغيرة ويتيح نقل البضائع بين الأرصفة والسفن الراسية في عرض البحر، كما أسهم في حماية المدينة من الفيضانات، وشكل حاجزًا طبيعيًا أمام أي هجمات قد تتعرض لها من الجهات الشمالية والشرقية والغربية، الأمر الذي منحها مزايا استراتيجية ساعدت على استمرار نشاطها التجاري لعدة قرون.
واليوم، يتيح متنزه البليد الأثري لزواره فرصة استكشاف هذه المدينة التاريخية عبر مسارات مهيأة للمشاة وعربات كهربائية تمر بين أبرز معالمها، فيما تضفي القوارب الكهربائية -التي تجوب خور البليد- بعدًا مختلفًا للتجربة، إذ تمنح الزائر مشهدًا بانوراميًا يجمع بين الطبيعة الخلابة وبقايا المدينة التي كانت يومًا من أهم موانئ بحر العرب.
ولا تقتصر تجربة زيارة متنزه البليد الأثري على التجول بين المعالم التاريخية، أو استكشاف المدينة عبر العربات الكهربائية والقوارب التي تجوب خور البليد، بل تمتد لتشمل الاستمتاع بالبيئة الطبيعية التي يحتضنها الموقع. ففي أرجاء المتنزه تنتشر مساحة مزروعة بأشجار اللبان، تضفي بأغصانها الخضراء وأجوائها الهادئة بعدًا جماليًا يعكس ارتباط ظفار بهذه الشجرة المباركة التي اكتسبت شهرة عالمية منذ آلاف السنين، وكانت أساس ازدهار المدينة وحضورها على طرق التجارة القديمة.
كما يضم المتنزه مكانا مخصصًا لعرض وبيع المنتجات الحرفية العُمانية، يتيح للزوار التعرف على جانب من الصناعات التقليدية التي تشتهر بها محافظة ظفار، ويضم تشكيلة متنوعة من منتجات اللبان والبخور والعطور المستخلصة منه، إلى جانب الأزياء التقليدية والمشغولات اليدوية والهدايا التذكارية، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف على الموروث الثقافي العُماني واقتناء منتجات تعكس أصالة الحرف التقليدية التي ما زالت تحافظ على حضورها حتى اليوم.
متحف أرض اللبان
يشكل متحف أرض اللبان، الواقع داخل متنزه البليد الأثري، محطة رئيسية لفهم تاريخ الموقع وما شهدته محافظة ظفار من تطورات حضارية عبر آلاف السنين. وقد صُمم المتحف ليقدم تجربة معرفية متكاملة تجمع بين العرض المتحفي الحديث والقطع الأثرية المكتشفة في مواقع متعددة، وفي مقدمتها مدينة البليد الأثرية، ليأخذ الزائر في رحلة زمنية تبدأ من عصور ما قبل التاريخ وتمتد إلى ازدهار الحضارة الإسلامية في جنوب الجزيرة العربية.
ويضم المتحف قاعتين رئيسيتين؛ الأولى القاعة البحرية التي تسلط الضوء على الإرث البحري العُماني، فيما تستعرض الثانية تاريخ الاستيطان البشري في عُمان وتطور الحضارات التي تعاقبت على أرضها، إلى جانب قاعة للوسائط المتعددة تستضيف المحاضرات والبرامج التعليمية والمعارض المؤقتة.
وتبرز القاعة البحرية المكانة التي احتلها البحر في حياة العُمانيين، إذ تعرض نماذج لسفنهم التقليدية التي جابت المحيط الهندي وبحر العرب، ومن بينها نموذج لسفينة «البغلة» التجارية، التي كانت من أشهر السفن المستخدمة في نقل البضائع، إضافة إلى نموذج لسفينة «السلطانة» التي انطلقت عام 1840م في أول مهمة دبلوماسية عربية بحرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في حدث يعكس عمق الحضور البحري العُماني في القرن التاسع عشر.
كما تضم القاعة مجموعة من أدوات الملاحة التقليدية التي استخدمها البحارة العُمانيون، مثل «الكمال» والإسطرلاب والسدسية والمسبار اليدوي، وهي أدوات توثق مراحل تطور المعرفة الملاحية قبل ظهور وسائل الملاحة الحديثة. وإلى جانب ذلك تعرض القاعة جرارًا فخارية وأواني خزفية مستوردة من مناطق مختلفة، تؤكد اتساع شبكة العلاقات التجارية التي ربطت موانئ ظفار بمراكز التجارة العالمية آنذاك.
أما قاعة التاريخ، فتأخذ الزائر في رحلة تمتد عبر آلاف السنين، من خلال معروضات أثرية تمثل مراحل مختلفة من تاريخ عُمان، بدءًا من العصر الحجري مرورًا بالعصرين البرونزي والحديدي، وصولًا إلى الفترات الإسلامية. وتضم القاعة مباخر حجرية، وأدوات صوانية، ولقى أثرية متنوعة، إضافة إلى مجسم تضاريسي كبير لسلطنة عُمان يبرز أهم المواقع الأثرية المعروفة، ويعكس التنوع الحضاري الذي تزخر به مختلف المحافظات.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في القاعة أعمدة أصلية نُقلت من مدينة البليد، تتزين بزخارف نباتية وهندسية تعكس جماليات العمارة الإسلامية في ظفار، كما تعرض شاشات تفاعلية وأفلامًا وثائقية توضح مراحل استخراج اللبان وطرق تجهيزه وتداوله عبر الموانئ التاريخية، والدور الذي أداه في ازدهار الاقتصاد الإقليمي والعلاقات التجارية مع حضارات العالم القديم.
معالم أثرية
لم تكشف أعمال التنقيب عن مبانٍ منفردة فحسب، بل أظهرت ملامح مدينة متكاملة الأركان، تضم منشآت دينية وإدارية وتجارية وسكنية، الأمر الذي يؤكد المكانة التي احتلتها البليد بوصفها واحدة من أهم الحواضر الإسلامية على ساحل بحر العرب.
ومن أبرز هذه المعالم جامع البليد، الذي يعد أكبر مساجد المدينة، وتشير نتائج الدراسات الأثرية إلى أن بناءه يعود إلى بدايات القرن التاسع الميلادي. وقد شُيد على أرض مرتفعة قليلًا عن مستوى المدينة، ويضم سبعة مداخل رئيسية وفرعية، بينما استند سقفه إلى صفوف من الأعمدة بلغ عددها 144 عمودًا، في تصميم معماري يعكس مكانته الدينية والعمرانية. كما يضم الجامع مئذنة مربعة الشكل، وموضعًا مخصصًا للوضوء، إلى جانب مساحة يرجح أنها كانت مخصصة لتعليم القرآن الكريم أو لاستقبال النساء.
وعلى مقربة من الجامع يقع حصن البليد، الذي يمثل المركز الإداري والعسكري للمدينة. وقد أظهرت أعمال التنقيب أن الحصن مر بخمس مراحل إنشائية على الأقل، وأن أقدم أسواره يعود إلى منتصف القرن العاشر الميلادي تقريبًا، ويضم ثلاثة أبراج دفاعية وبوابة رئيسية في الجهة الجنوبية، بما يعكس أهمية المدينة وحرص سكانها على تحصينها خلال فترات الازدهار التجاري.