في منتصف صيف دلهي، استجاب شباب الهند لخراطيم مياه الشرطة - التي وجهتها ضد الجماهير لتفريقهم - بالرقص تحت هذا التبريد المجاني للأجواء الساخنة. «سيدي، ألم تدبروا الغاز المسيل للدموع بعد؟» يسخر شاب من الشرطة. إنها السخرية الجريئة والابتهاج المنتزع والحيوية التي لونت الحراك الطلابي في الهند.
الهند بلد فتي، مع هذا تبلغ نسبة البطالة بين شبابه حوالي 16٪ مسجلة ارتفاعا بمقدار ثلاث درجات عن العام الفائت. فوق هذا، يُجادل البعض أن الإحصائيات الحكومية لا تعبر عن العدد الفعلي للباحثين عن عمل. لا يُستثنى خريجو الجامعات من هذه الأزمة، فأقل من 7٪ يؤمّنون عملا دائما مدفوعا خلال سنة من تخرجهم.
هذا الشهر، أُجج هذا المشهد القاتم بقضية تُذكر بمدى عقم الحلول.
من حيث عدد المتقدمين، يُعد «الاختبار الوطني للأهلية والقبول» الأكبر على مستوى الدولة، وهو يُقرر المؤهلين للالتحاق ببرامج دراسة الطب في المرحلة الجامعية. يقضي المتقدمون سنوات للإعداد لهذه الاختبارات، بعض الآباء يُجبرون على بيع أراضيهم وبيوتهم لدعم أبنائهم ودفع رسوم الامتحان. مليونا طالب تقدموا هذا العام، فقط ليصبحوا على فضيحة تسريب الامتحان، ويذهب جهدهم وصبرهم واستثمارهم أدراج الرياح الموسمية. بعضهم لم يتحملوا هذه الخسارة. سُجلت 12 حالة انتحار نتيجة التسريب (بلغت 20 حسب تقديرات بي بي سي). وهذه ليست الحادثة الأولى من نوعها، فحسب المعارضة، حدثت 152 حالة تسريب منذ 2014 بدون مُساءلة أو إدانة.
كان الاختبار الوطني قد طُور لتوفير فرص أكثر عدلاً وشمولية، عبر توحيد المعايير وتخفيف عبء الامتحان مرارا للالتحاق بالبرامج التعليمية. إلا أنه في الواقع يُضاعف التفاوت القائم، ويجعل الطلبة غير المقتدرين في وضع غير مواتٍ منذ البداية. فهو يُحابي الطلبة المقتدرين، من يدرسون بالإنجليزية، سُكان الحواضر الذين يرتادون المؤسسات ذات المناهج المركزية مقابل تلك المعتمدة على المناهج التي تضعها الولايات أو التي تُدرس باللغات المحلية.
في بيئة شديدة التنافسية، وفرص تعليم محدودة، وأزمة البطالة، خرجت الاحتجاجات التي بدأت كرد فعل لتسريب الاختبار، واضعة استقالة وزير التعليم كمطلب أساسي لها. وهذا ما تحقق ظهر السبت بعد حوالي أسبوع من اشتداد الاحتجاجات. لكن تضحية الملك ببيدقه جاءت متأخرة. فقد كانت المظاهرات قد تطورت لشيء أكثر طموحا، يُسائل النظام التعليمي ككل، والوضع الاقتصادي. وهدف الهجوم تحول من وزير التعليم إلى رأس النظام. أمر تقول أرونداتي روي (Arundhati Roy) في مقابلة لها على (Democracy Now) أنه لم يحدث منذ تولي ناريندرا مودي رئاسة الوزراء.
يضع هؤلاء الشباب الحكومة في محنة حقيقية، ليس بسبب حجم المظاهرات، أو المطالب التي تزداد طموحاً، بل بسبب الفئة التي ينتمي إليها غالبية المتظاهرين والتي تجعل مكافحة الحِراك معضل شيئا ما.
صحيح أن الشرطة مارست العنف، وضربت واعتقلت، إلا أنها لم تمارس نوع العنف الذي قد تمارسه ضد الكشميريين مثلا. تنوعت كتلة المتظاهرين دينيا، إثنيا، طبقيا، وضمّت أطياف الكاست المختلفة، إلا أن الأغلبية تتحدر من أبناء الهندوس اليمينيين المؤيدين لمودي. تقول روي في مقالها على (The Wire): «بينما سار الصراصير» الإهانة التي وُجهت للشباب العاطلين، والتي تقلدوها بعناد في زحفهم نحو ساحات الاحتجاج [ وتضاعفت أعدادهم، وجدتُ نفسي أُفكر: حمداً لله أنها ليست أغلبية مسلمة، سيخية، مسيحية، أو آديفاسي «السكان الأصليون» وإلا كانوا قد سُحقوا، قُتلوا، أُطلق الرصاص عليهم، وزُجّ بهم في السجون». تنتمي الأغلبية إذا إلى فئة محمية بدرجة ما، ما يجعل السلطة تتردد في استخدام العنف المفرط. تسأل روي على برنامج (Democracy Now): ”وصلت الأمور لحد نتوقع فيه تدخل الجيش، لكن هل سيوافق الجيش على إطلاق النار على أبنائه؟»
في لحظة كتابة هذا المقال، يبدو المشهد كالآتي: تحقق المطلب الأساسي الذي خرجت لأجله المظاهرات، لكن المتظاهرين يُريدون ضمانات بإطلاق المعتقلين (حوالي 450)، وعدم ملاحقة أو توريط المشاركين مستقبلا.
المكتسب الأهم لاحتجاجات الصراصير هو تهديد الصورة التي رسمها مودي لنفسه - عبر الآلة الإعلامية المخلصة له - باعتباره الرجل الأكثر وطنية، المُقدر في المحافل العالمية، والمتفق على شعبيته.
رأى الناس وحشية الشرطة توجه نحو البنات والشباب اليافعين. ولم يكن بمقدور السلطة هذه المرة استخدام أي من أدوات الشيطنة ونزع الإنسانية أو الادعاء بأن من يُضربون في الشوارع هم من الانفصاليين، أو الإرهابيين، أو أنهم مدعومون من بلد معادٍ. خشونة لم يسلم منها حتى زعيم المعارضة راهول غاندي الذي تمثل صورته نازفاً ومحمولاً من الشرطة إحدى اللحظات المحفورة في ذاكرة الحراك.
حتى وإن لم تطح المظاهرات بالنظام - فهي تبقى محدودة إذا ما أخذنا في الاعتبار سعة الهند وتنوعها، ثم أن المظاهرات وإن مست مودي فإنها لم تصل إلى حد المطالبة بإسقاطه - فإنها ولابد ستلقي بظلالها على الانتخابات، وتؤثر في ثقة حزبه.
لكن ليس من المعلوم إن كانت ستصنع أثراً له معنى، فمودي حليف القوى الفاشية، المدعوم من المتنفذين في البلاد يبدو ثابتاً وإن اهتزت الصورة.
نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم