يسوّغ حدث التحقيق في رواية (الوخز) لحسين العبري، بما هو أمر «جدير بالحكي» من طرف «السارد البطل»، سالم بن عبدالله بن محمد، الشخصيّة التي تتعرّض للاستدعاء والتحقيق من جهاز الأمن، بتهمة الانتساب إلى تنظيم سرّي يهدف إلى الانقلاب على الحكم، الانفتاح على عالم الشخصيّة والتنصت إليه، وهو عالم يتصف بالاتصال مع عوالم أخرى تشتبك فيما بينها إيديولوجيًّا، ويقوم على مفارقة أساسيّة في بناء السرد وتشكيله، فالمتّهم بالانتساب إلى تنظيم إسلاميّ يشكّل صدمة للمحققين بعد أن يكشف لهم رفضُه للصلاة عن إلحاده أو قلق في إيمانه على أحسن الأحوال، حين يقدّم له المحقق أبو أسامة سجادة الصلاة ويرفضها.
يُمكن لرواية «الوخز» أن تصنّف ضمن «رواية الشخصيّة»؛ فعلى المستوى الأفقيّ تتّسم شخصيّة سالم بالانتشار السرديّ والظهور في صفحات الرواية كافّة، وعلى المستوى العموديّ يحفل السرد برؤى الشخصيّة وخلجاتها وحدوسها وأفكارها وتحوّلاتها الإيديولوجيّة، ويربطها بالفضاء العام الذي تحيا فيه.
تنطوي شخصيّة سالم بن عبدالله على كثافة سرديّة تتوزّع على مستويات عدة: السلوك والتحوّل في الرؤى الإيديولوجيّة وآليات التكشّف وطرقه، فهي أولًا تحضر وتتكشّف ذاتيًّا، وَفق مسارين: الرؤية والثرثرة، وبحسب تصنيف فيليب هامون للشخصيّات، وَفق معيار الوظيفة، فإنّ شخصية سالم تقع ضمن ما يسميه «الناظر/الرائي»، أو «المُبئِّر» بتعبير ميك بال أي من يرى ويُدرِك. يرتبط نظر الشخصيّة في الرواية بالمشروع السرديّ والوصفيّ لها؛ إذ إنّ الشخصيّة بصفتها من يروي الحكاية، تُمثّل الوسيط بين المسرود له وعوالم السرد، فعبرها يتعرّف المسرود له ومن خلفه القارئ إلى الفضاء وإلى الأحداث والشخصيّات الأخرى، فمنذ السطر الأول في الرواية يتعرّف القارئ إلى الحدث كما يُدركه السارد، سالم، وهو في حيرة من أمره: «أكان صوت شرطي أم رجل أمن؟ لا أدري، إلا أنه كان صوتًا واضحًا وغليظًا: «ننتظرك اليوم في العاشرة»». ولكي يتضح الفرق بين تأمّلات الشخصيّة وإدراكها للحدث، والإدراك الذي يمكن أن يعبّر عنه سارد عليم للحكاية، نتخيل الحدث على لسان السارد العليم بالشكل الآتي: لقد رن الهاتف: «ننتظرك اليوم في العاشرة»؛ حيث تنتفي قيمة الحيرة والارتباك في تحديد هُوية المتصل، فهذه الحيرة تعود إلى الشخصيّة محدودة المعرفة بالعالم الذي ترويه، ولذا فإنّ سردها للأحداث والصبغة الإيديولوجية التي تمنحها لها، ينطلق من رؤية «شخصيّة»، وليس من رؤية عامّة قطعيّة، ومن هنا فإنّ إدراك الشخصيّة للعالم يمرّ عبر فرادتها وتمايز نظرتها المتأمّلة عن منظور الآخرين، فلو أنّ رجلًا آخر ذا رؤية إيديولوجيّة مختلفة وقعت له هذه الأحداث لرواها بإدراك مغاير قد لا يتقاطع في شيء مع إدراك شخصيّة سالم لها. ومن البديهيّ أن يطرأ سؤال هنا: كيف يمكن لروايةٍ تحتكرُ شخصيّةٌ سردَها أن يتعدد فيها الصراع الإيديولوجيّ صوتيًّا؟
تكمن الإجابة أولًا في أنّ شطرًا من الصراع الإيديولوجيّ يتنزّل في الشخصية نفسها، فهي ميدان للصراع بين الإيمان والإلحاد الذي يثير ذهول المحقّق: «أنا متعجب، إما أن تكون متدينًا أكثر من اللازم، وإما أن تكون ملحدًا»، وفي شهادتها ثانيًا على الصراع الإيديولوجيّ الحاصل بين أطراف تقع خارجها في العالم الروائيّ، وأخيرًا في الشاهد المتخيّل الذي تبتكره الشخصيّة وتمنحه حقّ المشاكسة والتدخّل في السرد ليؤدي وظائف تقصر هي عن القيام بها، من بينها هذه الوظيفة، وهو ما يُذكّرنا بفكرة بيير زيما «تغاير الأنا»، التي ترى في تعدّد الأصوات مظهرًا من مظاهر مساعدة الأنا عبر الآخر؛ فمهما بلغت قدرة الذات فإنها لن تتمكن وحدها من تصوير نفسها بالكامل.
وبالنظر في شخصيّة الشاهد (السارد المتخيَّل) فإنّ الفصل بينه وبين شخصية سالم سارد الحكاية فصل حاسم محفوفٌ بالمجازفة، فهو يعود في أصله إلى الشخصيّة نفسها التي ترى حاجة سرديّة لوجود شاهد: «الحق إنه في مثل هذه المواقف يحتاج الواحد إلى شاهد لكي يحكي»»، وفي الوقت نفسه لا يمكن لكلمات الشاهد أن تكون لغة خالصة للشخصية؛ إذ يتخذ الشاهد بتموضعه الخارجيّ إزاء الشخصيّة عين الآخر، أو الصوت الذي يسكن الذات، فالشخصية ناظرة إلى العالم بعينها، ومنظور إليها بعين الشاهد، وكلمة الشاهد محل صراع وتنازع بين كلمة الأنا وكلمة الآخر، فمرة يتلفّظ بما تودّ الشخصيّة سماعه وبما يرضي غرورها من إطراء، وهي ترفع العتب الأخلاقيّ حين تضع كلمتها حول نفسها في لسان الآخر، الشاهد المتخيَّل: «لقد كان واثق القلب، لم تخالجه أدنى رعشة، لقد حاولت عبثًا أن أختلس النظر إلى لمحة خوف في وجهه»، وتارة أخرى ينطق بكلمة الآخر المغايِر والمختلف إيديولوجيًّا فيقول عن سالم ساخرًا: «إن الشيطان لا يكسر أوانيه»، وعليه فإنّ الشّاهد، بما هو سارد متخيل، يُشكّل في أحد مظاهره فضاءً للصراع الإيديولوجي بين الأنا والآخر المختلف. إنّه صوت الأنا المشبع بصوت الآخر؛ فعبره تستطيع الشخصيّة الترصّد إلى كلمة الآخر عنها والتنبّؤ بها. وبالعودة إلى الفلسفة الجماليّة لميخائيل باختين؛ فإنّ كلمة الآخر ضروريّة في نظره للوصول إلى الوعي بالذات، فنحن «دومًا تحت رحمة انعكاسات حياتنا كما تتجلى في وعي الآخرين»، ولا يعني ذلك أنّ الوعي بالذات هو وعي الآخرين بها «فآخر كلمة هي من نصيب وعينا وليست من نصيب وعي الآخر»، وإنما هي بمنزلة خطوة أوليّة ومفتاحيّة، فبعد تلقف الذات كلمة الآخر يدخل الوعي الغيريّ في حوار وجدل مع الوعي الذاتيّ، تُشكّل فيه محصلة التوتر والتَّماس وعيًا جديدًا بالذات. وهو ما يقترب مما انتبه إليه باختين عند دوستويفسكي؛ إذ رأى أن الوعي عنده «لا يكتفي بنفسه أبدًا، بل يرتبط بعلاقة متوترة مع وعي آخر. إن كل خلجة من خلجات البطل، إن كل فكرة من أفكاره هي ذات طابع حواري في أعماقها، موشاة بالجدل، مفعمة بروح الخصام، أو على العكس، مفتوحة أمام إلهام غيري، على أي حال فهي لا ترتكز ببساطة على موضوعها، بل مصحوبة دائمًا بتلفت أبدي نحو إنسان آخر»، والآخر وكلمته مما تضج به الرواية وتؤسّس عليه تعدديّتها الصوتيّة، بالالتفات إلى كلمته والتنصت عليها والبحث عنها والضجر منها والاشتباك معها، وهو ما يبرز في المقطع السرديّ الآتي على لسان سارد الحكاية، ومذكّرًا أيضًا بصرخة سارتر: «الآخرون هم الجحيم»:
«هذا البلد مذهل، إنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا بلا علم الآخرين، أو تذهب مكانًا بعيدًا؛ فأنت دائمًا مع الآخرين وأمام الآخرين. إن الآخرين معك في كل شيء، وإنها لحياة علنية بالإرغام، وإنه لجحيم».
بالرجوع إلى المسار الثاني، من مسارات التكشّف الذاتيّ للشخصيّة، القائم على الثرثرة، فإننا نلفي هامون يطلق على هذا الصنف من الشخصيات «الثرثار المهذار». تتنزّل شخصيّة الثرثار في الرواية حتّى تُكمل وتواصل ما يقوم به الناظر الرائي، وذلك باستبدال التكلّم بالتأمّل، فما كانت عين الرائي تُعبّر عنه بالنظر والتأمّل، فإنّ لسان الثرثار يُكمله بالهذر. ولبنية الرواية التي تُمثّل لحظة الانتظار جانبًا أساسيًّا فيها، دور أساسيّ في الوصف والهذر؛ إذ تستوعب لحظة الانتظار الوصف، والشخصيّة منذ اللحظة الأولى وهي في انتظار مكثّف ومركّب: (انتظار موعد التحقيق، انتظار معرفة سبب الاستدعاء، الانتظار المتكرّر لوصول المحققين، انتظار ما يُسفر عنه التحقيق...). وكما جاء عن باروخ سبينوزا: «إن ما يقوله بولس عن بطرس يخبرنا عن بولس أكثر مما يخبرنا عن بطرس»، كذلك فإنّ ما تخبرنا به شخصيّة سالم عمّا حولها، يخبرنا عن سالم أيضًا، والمرء مخبوء تحت طيّ لسانه لا تحت طيلسانه، كما ورد في الأثر، فكلّ كلمة ينطق بها سالم بقدر ما تكشف أمرًا جديدًا فإنّها أيضًا تُسرّب لنا شيئًا عن سالم.
يتجلّى هذر الشخصيّة في ثلاثة مظاهر، على الأقل: المنولوج، والحوار مع لجنة التحقيق، والحديث المباشر إلى المسرود له في النصّ. وهو إلى جانب مهمة الكشف الذاتيّ عن الشخصيّة يُخيّل للقارئ الفضاء السرديّ الذي يكشف وجه المدينة وتنوّعها الإيديولوجيّ من اليوميّ إلى المعقّد، ويؤثّث العالم السّرديّ الذي من خلاله يقف المتلقّي على عوالم الرواية المشتبكة، فوحده سالم الرّائي أولًا والمهذار ثانيًا من يكشف للقارئ عن وجه مدينة مسقط، وهو يجوب شوارعها، ويتخذ، بتكرار، وضعيّة واصفة تتسم بالحركة أحيانًا كما في الشارع، وبالسكون كما في المقهى والمجمع التجاري، وعبر هذه الوضعيّة السرديّة، كما يحدث في المجمع التجاري على سبيل المثال؛ حيث يحتشد الناس باختلافهم، تلتقط عين السارد تنوّعهم ومعاركهم الخاصّة وصراعَ ذواتهم مع الواقع والعالم: «ثلاثة يمرون يعتمرون كميم مختلفة ويضحكون. رجل وزوجته، يتقدمها بخطوتين، ما يلزم ليقول للآخرين إنه ما زال يحافظ على تقاليد أن الرجل يجب أن يكون رجلًا بعد كل شيء حتى في زمن تنفلت فيه الأخلاق من عقالها، وتتجه صوب الأسفل. فتيات ملفوفات بالأسود الفيزيائي، والجاذبية النيوتونية تُؤرجح العيون مثل بندول رقّاص. يبدون جادات، ماذا عساهن يناقشن؟ آخر الماركات؟ الملابس الداخلية التي تتراقص بإغراء من خلف زجاج المحلات الشديدة؟ الأناقة الملطخة بالألوان؟ انحدار الأخلاق التي تدعو للعفة وتؤطر للنبل؟ وها هو رجل شيخ بلحية بيضاء طويلة ينظر في الاتجاهات، لابد أنه يندب هذا الزمان، ويحاول أن يفهم أي شيء يلّم هذا الوطن العماني، أين هي حدوده، وأين هو منتهاه، كيف يفعل الناس ما يفعلون، ويندلقون في كل هذه المعاصي الآثمة، ويفعلون ما من شأنه أن يُغضب الرب من فوق سبع سماوات».
مما يظهر في المقطع السرديّ السابق أنّ الشّخصيّة، بتأمّلها وجوه المارة وتفرّسها في ملامحهم، تبذل قصارى طاقتها لاستكناه كلماتهم الإيديولوجيّة والوصول إليها، فما يهمّ السّارد ليست الطّبقة التي ينحدرون منها ولا المواقع الاجتماعيّة التي يقفون فيها، وإنّما الإيديولوجيا التي تحتل مخيّلتهم وتحركهم في الفضاء العام للحياة، فالرجل وهو يمشي مع زوجه وبالرغم من التحوّلات الأخلاقيّة الهائلة في مجتمعه، التي لم تكن سوى نتيجة لتحوّلات تاريخيّة واجتماعيّة أكبر، فإنّه مدفوعا بإيديولوجيا التقاليد يُبقي على مسافة «الخطوتين» بينه وبين زوجه، وليست هاتان الخطوتان سوى المسافة الإيديولوجيّة بين المخيلة والنشاط الإيديولوجيّ للرجل، وقد تحدّث عنها كلّ من ألتوسير وريكور.
وبالعودة إلى مقولة سبينوزا فإنّ هذا الموقف يكشف أولًا، وفي الحدّ الأدنى عن أمرين: أولًا قدرة سالم على النفاذ إلى الآخرين واصطياد كلماتهم أو التنبّؤ بها، كما يُظهر ثانيًا الموقع الإيديولوجيّ الذي يقف فيه سالم وهو يصف مشية الرجل وزوجه، فهو مع فقدانه الإيمان، إلا أنّه إنسانٌ أخلاقيّ، يُؤلمه سقوط الأخلاق وتدحرجها من الأعلى إلى الأسفل، بالمعنى الرمزيّ وبالمعنى المباشر.
لا تقتصر ثرثرة سالم المتواصلة طوال النصّ على سبر رؤى الآخرين وأفكارهم، بل تكشف أيضا أسرارا شخصيّة تخصّه، وهي أقرب إلى السريّة المطلقة منها إلى العلنيّة الفاضحة؛ إذ تشكّل خرقًا فادحًا للمقبوليّة الاجتماعيّة، كما يحدث في التحقيق، حين يرفض أخذ السجادة من يد المحقّق، معلنًا من غير أن يُطلب منه الإعلان: «إنني لا أصلي، ولا أحتاج بعدُ إلى سجادة صلاة».
يتّخذ سالم، سارد الحكاية، موقعًا سرديًّا يمنحه الحريّة في القول والاندفاع في السّرد بلا قيد، إذ يُنبّه منذ البداية أن سرده ليس سوى منولوج داخليّ وحديث مؤجّل للأصدقاء: «وإنني أروي الآن داخلي ما يجب أن أقوله للأصدقاء، ستجمعني وإياهم أربعاء قادمة، ولابد لي أن أنقل الحقيقة كاملة: إنني صادق بعد كل شيء، وإن هذا ما يشكل حقيقتي الداخلية»، وعبر هذه الوضعية السرديّة والعلاقة بين السارد والمسرود له التي تتوزع بين مناجاة الذات وحديث الأصدقاء تستطيع الشخصيّة بلا تردد قول ما لا يُقال والذهاب إلى المسكوت عنه اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، والكشف بحريّة عن أفكارها الإيديولوجيّة ووضعها إزاء الأفكار الإيديولوجيّة المغايرة والمختلفة، الموجودة في المجتمع أيضًا، ولذا نجد السارد يربط الحكي بالصدق وبالحقيقة: الحقيقة العامة التي ينبغي عليه نقلها كاملة كما هي، وحقيقته الخاصة التي تشتبك في إطار الحقيقة العامة مع حقائق ورؤى إيديولوجيّة مغايرة: «تعصبي للحقيقة يغلبني». كما أنّ صفة الأصدقاء بصيغة الجمع لا المفرد تحيل على شكل من أشكال الخطاب الجماهيري ذي الطابع المسرحيّ، فليس الحديث حديثًا خاصًا ومغلقًا، بل عام ومفتوح على الجميع، وكما أنّ المخاطَب مستمعٌ فإنّه متكلّم في الوقت نفسه؛ فهو من يُشكّل أفق الخطاب للمتكلّم، الذي لا يقتصر دوره أيضًا على التلفّظ، وإنّما يتشارك مع المخاطَب في الاستماع، بافتراض أفق المخاطَب أولًا، وبتوقّع انطباعاته واستجاباته تجاه الخطاب، وباستقراء انفعالاته وإيماءاته أثناء التخاطب، وبتوقّع كلمته بعد الخطاب، ومن هنا فإنّ الخطاب يصوّر العلاقة بين السارد، المفرد، والمسرود لهم، الجمع، بصورة تتيح لسارد الحكاية، تنوّعًا في توقّع الكلمات الغيريّة، وجماهيريّةً تُضفي على الخطاب نكهة كرنفاليّة، فالشخصيّة في ساحة مسرحيّة، بين لجنة التحقيق وأعين المتفرّجين وآذانهم المترقِّبة. والأصدقاء، بحلولهم محلّ المسرود له، ليسوا سوى عتبة أولى للوصول إلى القارئ، فالقارئ في نهاية المطاف من يتّخذ وضعيّة المسرود له، كما يتّضح من خلال المؤشّرات النصيّة، فحتى أصدقاء السمر والحديث يغمز السارد ويلمز عليهم مع القارئ، كما يحدث وقت لقائه بهم يوم الأربعاء.
ولطبيعة المخاطَب المباشر، المحقِّق، وهو الطرف الآخر في المقام التلفظي الذي تشكل شخصية سالم المتكلِّم طرفه الأول أثناء التحقيق، دور أساسي في تهيئة الظروف الملائمة للجدل الحاد والمستفيض، والوصول إلى «اغتصاب كلمة الوعي الذاتي»، على حد تعبير باختين. فغرفة التحقيق، بما تمثله من «أفق مكاني» يقوم على الاستجواب بهدف انتزاع قول ما، يعمل فيها المحقِّق بكل الطرق والوسائل بهدف الوصول إلى كلمة الشخصية، تمثل «مكان أزمة». وبالنظر إلى ما يسميه رولان بارت «القرائن»، المتمثلة في وجود الطاولة، وكرسي التحقيق، وكراسي المحققين، والمناخ العام للمبنى: «ممر منزو، معتم...»، والخاص بغرفة التحقيق، فإن فكرةً مفارقة تتبادر إلى ذهن البطل: «إنني سعيد؛ فهم يناقشونني». فالشخصية، على الرغم من أزمتها، فإنها تجد في هذا المكان فرصة استثنائية للبوح بأفكارها حول ذاتها والعالم. ولذا يمكن القول إن شخصية سالم شخصية جدلية وجدالية؛ فشعورها تجاه الموقف يقوم، من زاوية الجدل والنقاش الذي يؤسسه الموقف، وعينها تلتقط الإشارات «الحوارية».
وكما كان يصف باختين شخصيات دوستويفسكي في علاقتها بالفكرة والحقيقة حين يقول: «إن كل أبطال دوستويفسكي الرئيسيين منحوا «حكمة السماء وتأملوها»، ولدى كل واحد منهم «أفكار عظيمة غير قابلة للحل»، وإن كل واحد منهم يشعر «بالحاجة إلى أن يجد حلًا لأفكاره». إن حياتهم الحقيقية تكمن في هذا الحل للأفكار... وإذا ما جردتهم من أفكارهم التي يحيون بها فإن صورهم ستنهار حتمًا. بكلمة أخرى، إن صورة البطل ترتبط ارتباطًا محكمًا بصورة الفكرة، ولا يمكن فصلها عنها، إننا نرى البطل في الفكرة ومن خلالها، ونرى الفكرة في البطل ومن خلاله... إنهم لا يبحثون عن الملايين، إنهم بحاجة إلى حل أفكارهم»، نجد في شخصية سالم علاقة خاصة بالفكرة والحقيقة. فالشخصية تصف الآخرين وتنظر إليهم من جهة الفهم والإدراك. فعلى سبيل المثال، يتفرس سالم، وهو في جلسة التحقيق، خلف الطاولة، وأمامه رجلان: المحقق الأول أبو أسامة، وبجواره رجل آخر يمسك بالقلم والأوراق ليدون المحضر. يتفرس في وجه الرجل الآخر، فيستشف فيه البساطة: «فقد كان أبسط من ذلك بكثير»، وإن «أمامه زمن لكي يفهم، وأمامه زمن آخر لكي يدرك أنه لن يفهم شيئًا». لذا فإن الفهم هو أحد المحددات الأساسية في علاقة سالم بالشخصيات الأخرى وإدراكه لها. ومما يلفت أن رؤيته للفهم لا تقتصر على الراهن، فالفهم رحلة مستحيلة، ولهذا نقع على فكرة ارتباك الحقيقة واستحالتها في مقطع سردي آخر يرد على لسانه، وهو يشرب القهوة في مقهى من مقاهي مسقط: «هل أنا شارب قهوة، أم مؤجج فتنة، أم باحث لا يكل عن حقيقة زائفة، وصدق أخلاقي كبير؟». وإلى جانب الإرهاق الذي يصيب الشخصية لارتباطها الأنطولوجي بالحقيقة وصلتها الوثيقة بها، إلى حد اليأس، ووسمها بالزيف، نجد ارتباط البحث عن الحقيقة بالصدق الأخلاقي؛ فالصدق لا يعرف اليقين، ولا يعرف التسليم والاطمئنان إلى الحقائق النهائية التي لم تعرف يومًا الشك ولا الاختبار: «أتعلمون ما هي مشكلتكم أيها السادة؟ ما هي الأزمة الحقة التي تمرون بها؟ هل انتابكم مرة واحدة الشك فيم تفعلون؟ هل هو حق أم باطل؟ صحيح أم خاطئ؟».
ومثلما كانت شخصيات دوستويفسكي «لا تبحث عن الملايين»، بل عن «حل لأفكارها»، فإن الغيرة بين الشخصيات في محكي الوخز لا تقوم على حب المال والتنافس في جمعه، وإنما على الشعور بالضآلة الفكرية أمام الآخر، فالجرح المعرفي هو المحرك والدافع في اتخاذ وضعية أو شعور ما إزاء الشخصية المقابلة: «واكتشفت فجأة أن هذا الرجل يريد أن يكون فاهمًا، وأنه حين يشك في أن أحدهم ربما يكون فاهمًا أكثر منه، فإنه يندلق في الحزن، وإن حزنه الداخلي هذا هو ما يجعله حاقدًا وحاسدًا».
يلتمس السارد المتخيل، في مختتم الرواية، لأخيه السارد الفعلي للحكاية، لغلظته في القول وفجاجته في الفعل، عذرًا من بين سبعين عذرًا، أوصى بها الأثر. فلم تكن الحكاية كلها، ولم يكن السرد، إلا إخلاصًا للحقيقة وتحيزًا مطلقًا لها، وإن بدت الحقيقة جارحة، ممتثلًا في النهاية لوصية فرويد بصدد الحقيقة: «ستجعلك الحقيقة حرًا»:
«... لقد كان رحمه الله شاهدًا رائعًا، ووثق الأحداث بتحيز موضوعي، وبرهافة حس، وبكلمات لا تخلو إلا من القبح الذي للحقيقة...».
فالحقيقة، رغم قبحها المرير المتمثل في الصدمة والتحطيم، تعد فعل تحرر وتحرير، كما تراها الشخصية، وترى واجبها تجاهها: «هذا ما طلبتموه مني: الحقيقة. هل ترغبون في أن أخفي أفكاري من أجل أن تنعموا بطمأنينة القلب؟ هذي هي الحقيقة، أو ما أظنه الحقيقة داخلي»، دون أن يعني هذا أن الرواية تحتكر الحقيقة فيما تقوله الشخصية، وإنما، بالأحرى، تصور ممارسة الشخصية الحرة في الشك والتفكير والاشتباك مع الحقائق الأخرى والبوح، أخيرًا، بحقيقتها الخاصة. ومن هنا تصف الرواية تحيز الشخصية لحقيقتها بالتحيز «الموضوعي» المنفتح على الجدل والاشتباك مع حقائق الآخرين، على النقيض مما يسميه ريكور «العمى الإيديولوجي»، ويسميه غرامشي «سجن الإيديولوجيات».
أحمد الحوسني باحث في السرد العماني