ترجمة - أحمد شافعي
لعلكم سمعتم عن مجموعة من الكتب هي التي أثنى عليها الأساتذة والنقاد، وأشير إليها فيما لا حصر له من الخطب والمقالات، ولعلكم سمعتم المعلمين في المدرسة يقولون إن هذه الكتب من أعظم الأعمال الأدبية في العالم.
أتحدث هنا عن نصوص من قبيل (موبي ديك) لملفيل، و(الكبرياء والهوى) لأوستن و(آنا كارينينا) لتولستوي و(الإلياذة) و(الأوديسة) لهوميروس و(الفردوس المفقود) لميلتن و(الجحيم) لدانتي و(دون كيخوته) لثربانتس، ومئات غيرها مما سمع عنه أغلب الناس ومما لدى أغلب الناس أفكار مسبقة عنه. ومجموع هذه النصوص هو الذي يشار إليه باسم «الكتب العظيمة».
غالبا ما ينزعج أمثالي ممن يحبون الكتب العظيمة من انطباع سلبي لدى الجمهور العام حيال هذه النصوص الكلاسيكية، إذ يزعجنا ظن الناس العاديين بأنها أداة للهيمنة البيضاء.
وهذا صحيح، فهذا الاعتقاد موجود، بين بعض القراء. لكنني حينما أتكلم عن الكتب العظيمة، لا أجدهم يقولون في العادة إن «هذه كتب عنصرية»، بل كثيرا للغاية ما أجدهم يقولون شيئا من قبيل «لطالما أردت أن أقرأها». فلماذا لا يفعلون؟
حينما أتعمق في الأمر أجد أن هذه العناوين تثير مشاعر الخجل وعدم الكفاءة، فالذين أتكلم إليهم، وهم أصدقائي وأندادي، هم في العادة على قدر جيد جدا من التعليم، وهم كتاب وأساتذة ومثقفون، وليسوا محض قراء نهمين، لكنهم أشخاص يرتبط تقديرهم لأنفسهم بحبهم للكتب. لكنهم يخشون الاقتراب من الكتب العظيمة.
وغالبا ما تضرب جذور خوفهم هذا في تجارب سلبية في الجامعة أو أوائل النضج. لعلك حضرت فصلا حول هنري جيمس فانتابك ضجر غير مفهوم من (أجنحة اليمامة)، أو لعلك حاولت قراءة (الإلياذة) فاحترت في استعراض يبدو بلا نهاية لمختلف الملوك ذوي «السفن السود الطوال»، وبمرور الوقت ازددت إحساسا بالخجل من قلة قراءتك، فباتت تلك نقطة ضعف لم تعد ترغب في الاقتراب منها، شاعرا أنه قد فات الأوان، وأن القراءة الجادة أمر يخص طلبة اللغة الإنجليزية الجامعيين، وشأن يخص الحاصلين على الدكتوراه، والمثقفين الثقال الشاعرين بأهميتهم.
لا أحد أكثر تعاطفا مني مع هذه المشكلات. وذلك لأنني لا زلت أفتقر إلى الإحساس بالأمان. صحيح أنني أحرر رسالة إخبارية خاصة بالكتب العظيمة، ويأتيني كل أسبوعين تقريبا تعليق من حاصل على الدكتوراه يتهمني بأنني قارئة بائسة، وأنني لا أفهم الكتاب الذي أقرؤه، وأن المعنى كان ليتجلى لي لو كنت على دراية بما كتبه عنها إف آر ليفيس قبل ستين سنة تقريبا، أو يقال إنني لا أقرأ قراءة سليمة، وإن عليَّ أن أقبل غموض فقرة معينة لأن الافتقار إلى الوضوح جزء أساسي من الأثر المقصود من مؤلف العمل، وإنه لا يفترض أن أفهم.
في بعض الأحيان، على الرغم من النبرة، تزيدني هذه التعليقات فهما للنص، وفي أحيان أخرى، تؤذي مشاعري فقط. ولا مهرب من هذه التفاعلات لمن يقرأ الكتب العظيمة. أولا، لأن من الناس من أفنوا أعمارهم في قراءتها، وكتبوا عن كلٍّ منها الكثير من الدراسات، فلعل أي سؤال يخطر لك عن عمل معين أن يكون بالفعل قد نوقش مرارا من قبل. وأنت بوصفك قارئا غير متخصص لا يكون لديك في الغالب الوقت أو القدرة على تعقب تلك المناقشات السابقة، فينطبع في نفسك أنه ما من سبيل ممكن إلى فهم هذا السفر الضخم.
ثانيا، لهذه الكتب دلالات ثقافية قوية: فلو أنك تفهم أرسطو، إذن أنت ذكي. ولو أنك تحب بروست، فأنت رفيع الذائقة. ولو أنك على وفاق كبير مع تي إس إليوت، فأنت حساس. والناس في حقيقة الأمر يحبون أن يشعروا أنهم أذكياء رفيعو الذائقة حساسون. ولا يقتصر الأمر على أن صور كثير من الناس عن أنفسهم ترتبط بالكتب التي يحبونها، لكنهم أيضا في كثير من الأحيان يرهنون رأسمال ثقافيا واجتماعيا كبيرا بكونهم قراء عظماء، ومن الناس كثيرون، وأنا منهم، حولوا «كونهم قراء عظماء» إلى قدر ملموس من الهالة على الإنترنت. وهذا يعني أن ثمة قيمة حقيقية لمن يستحق أن يقال في حقه إنه يفهم الكتب العظيمة حق الفهم.
وهذه القيمة هي السبب الذي جعلني أشعر بالضيق من هذه الكتب. ففيما كنت مراهقة في واشنطن، كنت أحب روايات الخيال العلمي والفنتازيا، وكنت أحسب أن أعمال إيزاك أزيموف وروبرت هاينلاين هي ذروة الأدب، فكنت أطمح إلى أن أؤلف كتبا في هذا السياق. لكنني علمت ألا مكان لهذه الكتب في فصول دراسة الأدب الإنجليزي.
كنت تلميذة في مدرسة كاثوليكية رفيعة القدر شديدة الصرامة. وكان لدينا شعار باللاتينية هو Pax in sapientia (أي الحكمة طريق السلام). وكان يقال لنا دائما إن غايتنا هي أن نكون مهذبين متشبعين بالفضيلة المسيحية. كان علينا أن ندرس اللاتينية لخمس سنوات نقرأ خلالها شيشيرو وكاتولوس وأوفيد وفرجيل في أصولهم. وفي مادة الإنجليزية كنا نقرأ (الكبرياء والهوى) وتي إس إليوت.
لم أبل قط بلاء حسنا في تلك المادة. كانت تلك الكتب تضجرني، ولم يبد لي من جسر يصلها بروايات الخيال العلمي التي كنت أحبها حقا. وذات عام، وأنا في إجازة مع أسرتي في الهند، عثرت أمي على نسخة من (ذهب مع الريح) في متجر للكتب المستعملة بجيبور، وقالت لي إن الرواية لطيفة حقا، وإنها أحبتها كثيرا وهي مراهقة في الهند. والتهمت الكتاب التهاما خلال أيام قليلة. وانبهرت بنفسي: ها أنا أقرأ فعلا رواية حاصلة على جائزة بوليتزر، ذات قيمة تاريخية حقيقية. رجعت بعد الصيف مستعدة لأن أحكي لمعلم اللغة الإنجليزية عن ذلك الكتاب العظيم الذي قرأته فقال لي «أوه، أعتقد أنه نموذج عظيم للرواية الشعبية».
كان حالي كمن تقول لنفسها «هؤلاء قوم لا أمل في إرضائهم». وهذا العالم مليء بشيفرات للكتب الجديرة وغير الجديرة، وما من سبيل لاكتناه القواعد، ففيم الانشغال بذلك؟
وبالمثل، درست في قليل من فصول الإنجليزية في الكلية، لكنها جميعا كانت تقوم على طريقة غريبة في القراءة، هي القراءة التمحيصية، التي «نبرز» فيها من النص ما نزعم أنه معنى لم يكن له في نظري وجود. فلم أقو على ذلك. وكلما حاولت كتابة بحث، كان الأستاذ يقول: «لماذا لا تجربين قليلا من القراءة التمحيصية؟» في حين أن ذلك بالضبط ما كنت أتصور أنني فعلته.
فلم أكترث لذلك، وتخصصت في الاقتصاد.
في تلك الأثناء كنت أكتب قصص خيال علمي، وأحلم أن أكون كاتبة مرموقة، فيقول الجميع إن «ما تفعله ناعومي شيء شديد الخصوصية. هو العظمة ذاتها». القصة طويلة، لكن عندما بدأت أخيرا أقرأ الكتب العظيمة، كنت قد أنهيت الكلية، وكنت أقرأ هذه الكتب سرا، دون أن أطلع أحدا على ذلك. كان بداخلي إحساس بالخجل، وشعرت غريزيا أنني لست أهلا لما أفعل، وأن لهذه الكتب أهلها، من المتخصصين في الأدب الإنجليزي، وأنني إن شرعت في الحديث عن الكلاسيكيات فسوف أجعل من نفسي أضحوكة.
ولأنني كنت أقرأ وحيدة، فلم يكن من داع للقراءة التمحيصية، أو لكتابة أبحاث، أو لإثبات نفسي لأحد، وإنما كنت أفحص ردود أفعالي، وكان بوسعي أن أتساءل «هل أنا مستمتعة حقا بهذا؟». لم أجد متعة في القراءة الأولى لبعض الكتب، فضجرت قليلا من (موبي ديك) حينما قرأتها للمرة الأولى وأنا في الخامسة والعشرين. ولو كنت اضطررت إلى كتابة بحث عنها لفشلت في ذلك التكليف. لكنني لحسن الحظ لم أضطر. ثمة كتب أخرى أحببتها، فقد عشقت (آنا كارينينا) عشقا، ومنذ الصفحة الأولى وقعت في شركها وانتقلت تماما إلى عالم ليفين وآنا وفيرونسكي، وصراعهم في عالمهم من أجل عيش حياة طيبة، ذات معنى، وقد بدا لي صراعهم بين الانسياق في مغامرة رومنتيكية أو حياة برجوازية جهمة صراع حقيقي تماما وأنا في الخامسة والعشرين. كان الكتاب يخاطبني مباشرة على نحو مغاير لأي شيء سبق أن قرأته.
بمرور الوقت علمت نفسي أن أقرأ الكتب العظيمة. لم أكن بحاجة إلى أساتذة، ولا إلى إرشاد خارجي، إنما قرأت تلك الكتب بمثل ما كنت أقرأ أي شيء عداها، فكنت أغوص في حلم النص، وأخوض تجربته بأكبر قدر ممكن من العفوية. فلا بحوث، ولا نقاشات، ولا إرغام لنفسي على الضنى في كتاب لا أريده، فإن بدا أن كتابا لا يناسبني كنت أتركه. وكنت في بعض الأحيان أرجع إليه بعد خمس سنوات أو عشر، وقد لا أرجع. كنت أفهم بعض الأمور فهما جيدا، وبعضها فهما محدودا، وبعضها لا أفهمه مطلقا. فلم أجد حتى في ذلك أي بأس.
هذه الطريقة في القراءة التي قد يطلق عليها الأكاديميون «قراءة العوام» تختلف تمام الاختلاف عن طريقة تدريس الكتب العظيمة. ويمكنني القول إن لقراءة العوام هذه فوائد جمة للشخص العادي لا يجنيها من القراءة الاحترافية. وأنا في كتاباتي كثيرة الثناء على قراءة العوام التي أعتقد أنها طريقة مهضومة الحق في التعامل مع الأدب الكلاسيكي.
ولا أقول بهذا إنه لا قيمة للقراءة الاحترافية، لكن القراءة الاحترافية للاحترافيين، أم ماذا؟ فلو أنك أستاذ للغة الإنجليزية أو حامل دكتوراه في العلوم الإنسانية، فإن لك طريقة خاصة في القراءة، كما أن لسائق سيارة السباق طريقة خاصة في القيادة. لكن حتى سائق سيارة السباق لا يقود على مائة وخمسين ميلا في الساعة وهو يصطحب ابنه إلى المدرسة. وبالمثل، تمثل قراءة العوام لأغلب الناس في أغلب الظروف طريقة أنجع ثمارا من القراءة التمحيصية في الاشتباك مع النصوص.
غير أن قراءة العوام لم تكن تاريخيا القراءة التي تفاعل بها الناس مع الكلاسيكيات. ففي زمن ما كان تعلم الكلاسيكيات طريقا للتقدم في الوظائف المدنية والمهن العلمية. وعلى مدى قرون كان الالتحاق بهارفرد أو أكسفورد أو كمبريدج يستوجب اجتياز اختبار في اللاتينية واليونانية، فكانت معرفة اللغتين ضرورة لازمة لمحض الالتحاق بكلية.
وكان الوضع هكذا أيضا في الصين، فكان اختبار الخدمة المدنية في الأساس اختبارا للقدرة على تفسير الكلاسيكيات الكونفشيوسية. وفي الهند كانت المعرفة بالكلاسيكيات حكرا على طبقة البراهمة تضن به على من عداها. فمن لا يكون برهميا، لا سبيل له لتعلم السنسكريتية، ولا سبيل له حتى إلى الاقتراب من المعرفة القديمة.
من حسن الحظ أن هذا الموقف بات في ذمة الماضي، فأنت لست بحاجة إلى معرفة بالكتب العظيمة لكي تلتحق بهارفرد أو لتدير شركة أو لتصبح أستاذا أو لتكتب في جرائد شهيرة أو لتفعل في واقع الأمر أي شيء تريد أن تفعله. فليس بحاجة حقا إلى معرفة ببعض الكتب العظيمة، إلا الطلبة المتخصصون حملة الدكتوراه والأساتذة في العلوم الإنسانية.
أما من عداهم، فإن المعرفة بالكتب العظيمة اختيارية، وليست لها قيمة اجتماعية كبيرة أيضا، فقليلة هي غرف الاستقبال التي قد تتعرض فيها للسخرية بسبب نقص درايتك بأفلاطون.
ومع ذلك يبقى الخجل قائما. ولكنه خجل داخلي، وبقية من الماضي، وهو في رأيي أكبر عائق في أيامنا هذه بين الناس وبين الاشتباك الجاد مع هذه الكتب. ويتفاقم الخجل بسبب حقيقة أننا في الغالب نقترب من هذه الكتب في الفصول الدراسية. وذلك لأن في البيئة الجامعية ما يعزز الهيراركية، ففي القمة هناك الأساتذة الذين درسوا هذه الكتب على مدار عمر ولهم فيها القول الفصل، وفي القاع هناك الطلبة وهم الطين الخام المعتزم إرشاده وتشكيله.
وأعلم أن نقاشات الفصول الشبيهة بالندوات ترمي إلى نقض هذه التراتبية، لكنني لم أرها هكذا قط. فطالما شعرت وكأنني موضع استخفاف في الفصل. صحيح أن الجميع كانوا يعرضون آراءهم، لكن الأستاذ كما تعلمون هو الخبير الحق، والحكم الفيصل في المعنى.
وهذه مفارقة نصادفها حتى عند أفلاطون. فهناك محاورة مينو Meno التي يصر سقراط فيها على أن المعرفة كلها ضمنية. فالجميع يعرفون كل شيء لأن المعرفة تنبع لا من التجربة المباشرة وإنما من الفهوم الحدسية. فما المعرفة إلا تذكر للأشياء التي يعرفها المرء أصلا. وإيضاحا لهذا، يأتي بعبد صبي لم ينل نصيبا من التعليم، ويرشده من خلال أسئلة سقراط، ويجعل الصبي يستخلص نظرية فيثاغورث. لكن... ليس للصبي العبد اسم في المحاورة. ولو أن الجميع على علم بكل شيء، فلماذا يكون لسقراط أفضلية على الصبي؟
ولماذا نحتاج أصلا إلى معلم؟
وبالمثل، هناك اليوم صناعة صغيرة يرى أهلها أنه من الضروري للشخص العادي أن يتعرض للكتب العظيمة. وعملي ينتمي إلى هذه الصناعة. لكن كتب الدفاع عن العلوم الإنسانية في العادة كتب يؤلفها أساتذة جامعة، وتتعامل صراحة مع تدريس الفنون الحرة، فكتاب «إنقاذ سقراط» لروزفلت مونتاس دفاع عن منهج جامعة كولمبيا الأساسي. وينهيه مونتاس بقوله:
إن الحجة الدافعة لكتابي هذا هي الحجة الداعية إلى أن يكون تعليم الفنون الحرة هو التعليم المشترك للجميع، لا بديلا لمزيد من التعليم العملي وإنما بوصفه شرطا مسبقا له. وبرغم أنني أحب تخصصات الفنون الحرة وكنت طالبة في أحدها، فإنني لا أناصر زيادة عدد الطلبة في الفنون الحرة، ولكن أناصر أن يكون تعلمها هو الأساس لكل التخصصات. ونحن ـ وأعني بنا أعضاء هيئة التدريس والإداريين - يجب أن نقضي على تكاليف تعليم الفنون الحرة عبر دمجها في كل شهادة جامعية.
كتاب مونتاس في جوهره وثيقة سياسية. هو يطلب من الكليات أن تزيد من جرعة تدريس الكتب العظيمة.
لكن هذا النهج يتعامل مع «قراءة الكتب العظيمة» باعتبارها مرادفا لـ«درسها في الكليات». وبتلك الرسالة يوصد الباب دون ملايين الناس من المهتمين بالأدب والمتخوفين من أن الأوان قد فات وأن الكتب العظيمة صارت إلى الأبد بمنأى عنهم لأنهم لم يلتحقوا بالتعليم المناسب.
نعم، ثمة فصول التعليم المستمر التي يمكن الالتحاق بها عبر محاضرات متاحة على الإنترنت، ولكن الرسالة التي تحملها كتابات كثيرة في الموضوع هي أن التعليم المنفرد تعليم أدنى كثيرا، وهامشي كثيرا، وأن من لم يتعلم تحت قدمي أستاذ فقد ضاعت عليه الفرصة.
وأظن أن هذا هو إحساس الكثيرين تجاه الكتب العظيمة، فهم يتساءلون لماذا ينبغي أن نقرأها في حين أننا لا نتمكن منها مطلقا؟ وما الداعي إلى قراءتها لو أن تعليمنا هذا سوف يعد دائما أدنى وأكثر هامشية، لا في أعين الآخرين فقط ولكن في أعيننا أيضا؟
وفي رأيي أن لدى أغلب الناس شيئا من الفضول إلى الكتب العظيمة وأنهم فكروا أحيانا في أن هذه النصوص الكلاسيكية قد تكون حقا جديرة بالقراءة.
وأفترض أنكم تعرضتم بالفعل على مدى حياتكم لكثير من الخطاب الرفيع المتعلق بقوة القراءة وقوة الفنون الليبرالية، بل إنني على يقين من أنكم تعلمون أن القراءة أمر جيد.
يدرك أغلب الناس أن القراءة أمر جيد، وأن قراءة الكتب الكلاسيكية أفضل، لكننا نفهم أيضا أن الكتب العظيمة ليست وحدها الجيدة. فزوجتي تحمل درجة دكتوراه في الطب وهي أستاذة لعلم المناعة وتدير مختبرا مخصصا لاكتشاف علاج للآيدز ويحلو لي أن أمزح معها قائلا إن لدي أنا وهي شهادتي دكتوراه. هي لا تقرأ كثيرا للمتعة. ويصعب تخطئة حكمها بأن إنفاقها وقتها في العثور على علاج للآيدز خير من إنفاقه في قراءة (آنا كارينينا). وكثير منا لديهم كثير من الأمور التي يقومون بها، ولا ينافي المنطق إن ظن شخص أن قراءة الكتب العظيمة ليست أفضل ما يستغل فيه وقته.
صحيح أن قراءة الأدب الكلاسيكي أمر جدير بالاهتمام. لكن ممارسة الرياضة والاختلاط بالناس والتأمل والسفر وإقامة الصداقات والعثور على الحب أيضا أمور جديرة بالاهتمام. فما موقع قراءة الكتب العظيمة هنا؟ وما نفعها؟
من هنا تركيزي على القراءة العامة. لأن أغلب الناس يظنون أن قراءة الكتب العظيمة أصعب كثيرا مما هي في واقع الأمر. وهذا الصعوبة الموهومة هي التي تمنع أغلب الناس من القيام بها، وليس لأي شك في قيمة هذا العمل.
حينما يسألني الناس عما لو كان يجدر بهم أن يقرأوا هذه الكتب أجيب بإجابتين. الأولى: «وما الذي يجعلك غير راغب في قراءة كل هذه الكتب القديمة الشهيرة التي سمعت عنها طوال حياتك؟»
والإجابة الثانية هي أن الكتب العظيمة تميل إلى الاشتراك في خصلة واحدة، هي الكثير من النزاهة. هي أمينة أمانة عظيمة في ما يتعلق بموضوعها مهما يكن. وهذا يعني أنها حتى إن انحازت إلى جانب معين في مسألة، فإنها في العادة تنصف الجانب المقابل له.
** مقطع من كتاب «(ما العظيم للغاية في الكتب العظيمة؟ ولماذا ينبغي أن تقرأ الأدب الكلاسيكي (برغم أنه قد يدمرك)»، 2026، مطبعة جامعة برينستن